هل نضجت الظروف الإقليمية أمام المبادرة الروسية لحل الأزمة السورية؟

بعد مرور 10 سنوات من الحرب على سوريا، فإنَّ هذه المبادرة، رغم امتلاكها مقومات النجاح، ما زالت في الوقت ذاته تقع وسط حقل من الألغام يبرز في أشكال مختلفة.

  • لا يبدو أنَّ المبادرة الروسيَّة تتوقّف عند استغلال الظروف الإقليمية والدولية
    لا يبدو أنَّ المبادرة الروسيَّة تتوقّف عند استغلال الظروف الإقليمية والدولية

إنها ليست المحاولة الأولى التي يبذلها الاتحاد الروسي في سبيل توطيد العلاقات الخليجية-السورية، من أجل إيجاد آليات الحل وإيقاف الحرب على سوريا، بل يمكن اعتبارها محاولة ثانية أو تتمة للمحاولة الأولى التي تبلورت أثناء زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للسعودية في تشرين الأول/أكتوبر 2019.

حينها، بدأت بعض الإشارات الإيجابية تصدر بشكل علني، وأبرزها المسعى العماني في أداء دور الوساطة بعد الاجتماع الذي حصل على هامش الاجتماعات الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة بين وزير الخارجية السوري آنذاك وليد المعلم (رحمه الله) ونظيره العماني يوسف بن علوي.

تزامن ذلك مع ما كشفه المدون الشهير المعروف باسم "مجتهد" عن عزم السعودية على تطبيع العلاقات مع سوريا. وكانت الاستعدادات ماضية نحو إعادة افتتاح السفارة في دمشق، وعودة بعض شيوخ العشائر السورية المتواجدين في السعودية والمقربين من العائلة الحاكمة، أبرزهم شيخ مشايخ قبيلة الجبور نواف عبد العزيز المسلط، وتأكيده أثناء عودته أن الرياض تمضي بشكل إيجابي للوصول إلى علاقات مميزة مع دمشق.

لكن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتهديدها دول الخليج بالعقوبات التي ستطالهم بفعل "قانون قيصر" في حال الانفتاح على دمشق، وتسارع وتيرة التطبيع الخليجي مع الكيان الإسرائيلي، حالا بشكل كبير دون نجاح المبادرة الروسية.

في الأيام الأخيرة، يلاحظ تسارع وتيرة التصريحات الإيجابية الثنائية السعودية – القطرية حول ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية ودعم الحل السياسي لإنهاء الحرب عليها. هذه التصريحات لا يمكن تصنيفها أو وضعها في إطار المصادفة. 

وعلى الرغم من أنَّ الأمر لا يتعدى حتى اللحظة ما يمكن وصفه بالتصريحات السياسية ضمن المؤتمرات الصحافية، وأنَّ الخطوات التنفيذية والواقعية ما زالت غائبة في التطبيق والتنفيذ، فإن ظروف البيئتين الإقليمية والدولية والانتصارات العسكرية التي حققها الجيش العربي السوري وصمود الشعب ووصول كل محاولات استهداف سوريا إلى أفق مسدود، قد تشكل جميعها عوامل وأوراقاً جاذبة في يد الروسي.

وتتمثّل أبرز عوامل البيئتين الداخلية والخارجية بمجموعة من النقاط، أبرزها:

1.     نفور التناغم السعودي الخليجي - التركي مع أميركا، والحاجة إلى التقارب مع روسيا، بالقدر الذي يمكّن هذه الدول من إيجاد قطب دولي داعم لها، في حال تصاعد وتيرة الخلاف مع البيت الأبيض.

2.     الوضع الاقتصادي المتردي في هذه الدول، والبحث عن ضرورة التعاون مع الجانب الروسي في عدد من القضايا الاقتصادية، وخصوصاً غاز المتوسط وإمداد أوروبا بالغاز، انطلاقاً من التعاون المشترك، وليس الصراع مع روسيا، وهو هدف تنشده موسكو أيضاً في ظل العقوبات الأوروبية الأميركية عليها، إذ ترى في السوق الخليجية ومصادر الاستثمار فيها مجالاً حيوياً ومتنفّساً لاقتصادها الذي يعاني مشكلات متراكمة.

3.     استنزاف السّعودية في عددٍ من مستنقعات الصراع في المنطقة، وخصوصاً اليمن، في ظل مساعي إدارة بايدن لمحاسبة محمد بن سلمان، وهو ما يشكل دافعاً للأخير للخروج من مستنقعات الصراع بوساطة روسية والمحافظة على هيبة السعودية ومكانتها، وخصوصاً أنَّ الرئيس الروسي هو الزعيم الوحيد الذي صافح ابن سلمان أثناء قمة العشرين في الأرجنتين، "في دلالة على قدرة موسكو على استغلال الفرص".

4.     الرغبة السّعودية في البحث عن توازن إقليميّ يمهّد لإيجاد الحلول مع إيران بعد فشل كل المحاولات التصعيدية السعوديّة - الإسرائيليّة - الأميركيّة في إسقاط النظام الإيراني، وهو ما يتطلَّب تقارباً سعودياً سورياً لإحداث مثل هذا التوازن الذي تعجز موسكو عن تحقيقه من دون سوريا، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان في مؤتمره الصحافي مع وزير خارجية الروسي سيرغي لافروف في أبو ظبي، حين شدد على أن "عودة سوريا إلى محيطها أمر لا بدَّ منه، وأنه من مصلحة سوريا والمنطقة ككلّ".

5.     تصريحات وزير خارجية النظام القطري الإيجابية لم تكن لتحصل لولا الضوء الأخضر التركي، نتيجة الحاجة التركية التي دفعت، وبشكل غير مصادف أيضاً، إلى عقد اجتماع بين وزير الخارجية القطري ووزير الخارجية الروسية على الأرض القطرية، نتيجة الحاجة التركية إلى دفع قطر في هذا السياق. وربما تَضمُّن البيان الصحافي لوزير الخارجية القطري الروسي بنداً شمل "مواجهة المخطّطات الانفصالية التي تُقوّض وحدة أراضي سوريا وأمن الدول المجاورة القومي" يؤكد ذلك.

لا يبدو أنَّ المبادرة الروسيَّة تتوقّف عند استغلال الظروف الإقليمية والدولية لاستقطاب الفاعلين الإقليمين وتحويل أدوارهم نحو مسار إيجابيّ لتحقيق هذا الهدف وإدخالهم في مسارات مكمّلة لأستانا، بل تتجاوزها نحو إيجاد آليات استقرار في المنطقة تصب في صالح تخفيف تأثير العقوبات الأميركية على سوريا، وتخلق أجواء إيجابية بين دول المنطقة، وخصوصاً الصراعات القائمة على منطق الإيديولوجيا والنفوذ (السعودية، قطر، تركيا، إيران).

ضمن هذا المسعى، تستقبل موسكو وفدين من الأفرقاء اللبنانيين، بعد الاجتماع الذي جمع رئيس الحكومة اللبناني المكلف سعد الحريري ووزير الخارجية الروسي. الوفد الأول موسع، والآخر متمثّل في "حزب الله"، وهو ما يوحي بأنَّ موسكو قرَّرت موعد هذه الزيارة بعد استكمال جولتها في دول الخليج للبحث عن كيفية خلق فضاء إقليمي مستقر، يتكرس بداية في تشكيل حكومة توافقية لبنانية، بعد فشل المبادرة الفرنسية أو دخولها مرحلة "السبات"، ودعم هذه الحكومة اقتصادياً من قبل دول الخليج، بما يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في تخفيف تداعيات الحصار الاقتصادي على سوريا كمرحلة أولى، بينما يتم إيجاد بيئة من بناء الثقة، على أن تليها مراحل أخرى اقتصادية عبر العراق والأردن، بالتزامن مع تطوّرات سياسية تتمثل في عودة سوريا إلى الجامعة العربية وعودة العلاقات والسعي لدعم الحل السياسي.

وهو ما سيكون له تأثير إيجابي أيضاً في ملف اللاجئين، ولا سيما مع توافر بعض المعلومات عن زيارة سيقوم بها وفد روسي رفيع المستوى إلى لبنان، للبحث في عقد مؤتمر للنازحين السوريين، يكون تتمة للمؤتمر الذي عقد في دمشق نهاية العام الماضي. وقد تأخّر وصول الوفد إلى بيروت بعد تأجيل الزيارة التي كانت مقرّرة بداية شهر آذار/مارس لضمان استكمال كلّ مقومات نجاحه وإزالة العقبات الداخلية اللبنانية والإقليمية الخليجية - التركية.

مع ذلك، وبعد مرور 10 سنوات من الحرب على سوريا، فإنَّ هذه المبادرة، رغم امتلاكها مقومات النجاح، ما زالت في الوقت ذاته تقع وسط حقل من الألغام يبرز في أشكال مختلفة، أهمها:

1.    الموقف الأميركيّ وقانون "قيصر" الذي من شأنه أن يكون وسيلة أميركية للضغط على الدول العربية لعدم الانفتاح على سوريا، في حال تبنّي استراتيجية استمرار استهداف سوريا، وهو ما أكَّده وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره الروسي، في قوله "إنَّ التحدي الأكبر الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك مع سورية هو قانون قيصر".

2.    الموقف الإسرائيليّ من هذه التطوّرات وما قد ينجم عنها من تطورات عكسية، لن يصب في مصلحة حكومة الاحتلال وتوجهاتها، وخصوصاً أنَّ أبرز هذه الانعكاسات هو استعادة سوريا قوتها ومكانتها العربية، ما يدعم موقفها الداعم للمقاومة، وحصول تهدئة بين الرياض وطهران، في ظلّ توجه الإدارة الأميركية الحالية إلى معالجة الملف النووي سلمياً، وهو ما قد يربك تل أبيب التي بدأت بشكل جديد من المواجهة بعد ما كشفته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية من استهداف إسرائيلي لما يقارب 12 سفينة إيرانية محملة بالنفط كانت تتجه إلى سوريا.

3.    غياب الثقة، وخصوصاً بالمحور السعودي القطري الإماراتي، نتيجة تماهيه مع المشاريع التي تستهدف سوريا، وسهولة تغيّر مواقفه، والعودة إلى مطالبه القديمة والمشروطة بفكّ سوريا علاقاتها مع إيران أو محور المقاومة، وهو ما قد يعيد كل الجهود إلى نقطة الصفر.

وربما الردّ السوري على التصريحات الأخيرة التي أطلقها بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي حول دور الاتحاد وشروطه الأساسية في ما يتعلق بإعادة الإعمار والعلاقات مع سوريا، والذي جاء فيه: "إذا كانت ثمة شروط، فإنَّ سوريا هي التي تضعها، وهناك شرط وحيد ملزم لأيّ جهة كانت، وهو العودة إلى سوريا عبر بوابة السيادة والمصالح السورية حصراً"، لم تكن أوروبا وحدها مقصودة به، بل قد يكون موجّهاً إلى أكثر من جهة، على مبدأ المثل الشعبي القائل: "الكلام لك يا جارة.. اسمعي يا كنة".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

نتنياهو وعقدة التّشكيل والتّأليف

سيحتاج نتنياهو في هذه الحالة إلى صوتين يحسمان النتائج لمصلحته، في حين أنّ ساعر لن يقبل بشكل شبه...

سيناريوهات مقاربة بايدن مع الملف النووي الإيراني

إلى جانب التحديات الداخلية، تنتظر بايدن ملفات حسّاسة وتحدّيات لا تقل خطورة على صعيد السياسة...

ناغورنو كاراباخ.. تفاقم الصّراعات الجيوسياسيّة

من الواضح أنه لن تكون هناك حلول جذرية قريبة للصراعات القائمة على مستوى النظام الدولي، في ظل...

الصّراع على استقطاب العشائر السورية

عمليّة استقطاب العشائر شمالي شرق سوريا ليست وليدة اللحظة وخصوصاً بعد التطورات المتسارعة التي...

نكسة جديدة وفلسطين هي الضّحيّة

عراب هذا الاتفاق هو رجل الأعمال الإسرائيلي الأميركي الملياردير حاييم صبان، وهو الصديق والشريك...

لبنان أمام مفترق طرق

مؤتمر المانحين الذي عقد بجهود فرنسية ومباركة أميركية هو أقل من مؤتمر اقتصادي وأقرب إلى مؤتمر...