أهمية التمسّك بالمبادئ في السياسة: أمثلة من العالم الحيّ

إنَّ إسقاط الحقّ التاريخيّ أمرٌ جلل، ومن العيب التعامل معه بذلك الاستخفاف الذي أظهره الجانب الرسمي الفلسطيني على مدى العقود الأربعة الأخيرة.

  • ما دام لم يتم التوصّل إلى اتفاقية تسوية رسمية ونهائية وشاملة، فكلّ ما جرى يمكن إلغاؤه والتراجع عنه
    ما دام لم يتم التوصّل إلى اتفاقية تسوية رسمية ونهائية وشاملة، فكلّ ما جرى يمكن إلغاؤه والتراجع عنه

يقول بعض الناس إنَّ الاعتراف الرسمي الفلسطيني بـ"إسرائيل" أمرٌ غير ذي شأن، ولا يقدّم ولا يؤخر، باعتبار أنَّ "إسرائيل" أصبحت واقعاً رغم أنوفنا جميعاً، ولا فائدة من المكابرة وخداع النفس، فهي "دولة" قوية مدجّجة بالأسلحة، وتتفوّق على الكثير ممن حولها في المنطقة، وأيّ مطالبة بكامل فلسطين التاريخية لا يعدو كونه إنشاء، ولا يمتّ إلى الواقعية السياسية بصلة، كما يزعمون.

وبحسب هؤلاء، لا بأس من الاعتراف بـ"إسرائيل" ما دام ذلك سيجلب لنا منافع في السياسة، وسيظهرنا أمام العالم بمظهر الحريص على السلام، ولن نخسر كثيراً بهذا الاعتراف، بل سننال رضا الدول الكبرى. وأنا أقول إن ذلك كلّه باطل، ولا يستقيم أمام أيّ منطق صحيح. لن ألجأ إلى إيراد الكثير من الحجج للردّ عليه، وسأكتفي بالأمثلة التالية التي أجد فيها كل العبرة لمن يعتبر:

1 - في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، قام الاتحاد السوفياتي السابق باحتلال مجموعة جزر تقع في شمال اليابان، تُدعى "جزر الكورييل". ورغم أن اليابان دُمّرت بالقنابل النووية، وأُرغمت على استسلام غير مشروط للحلفاء، فإنها رفضت، وبكل تصميم، الاعتراف بالسيادة السوفياتية على هذه الجزر، وظلَّت تطالب بها وتعتبرها جزءاً من أراضيها.

اليوم، وبعد مرور 76 عاماً على خسارتها تلك الجزر، ما زالت تطالب باستعادتها من روسيا، وترفض توقيع اتفاقية سلام نهائية مع الأخيرة، ما لم تنصّ على استعادة حقها التاريخي بها. يأتي هذا كله رغم أنَّ الجزر نائية وشبه خالية من السكان، ولا تتضمَّن ثروات ذات قيمة تُذكر.

2 - أسفرت الحرب العالمية الثانية أيضاً عن تقسيم ألمانيا المهزومة إلى دولتي "ألمانيا الفيدرالية"، أي الغربية، و"ألمانيا الديمقراطية"، أي الشرقية. كانت ألمانيا الغربية هي الأكبر مساحةً وسكاناً، والأكثر تقدماً وأهميةً في العالم، بخلاف ألمانيا الشرقية الشيوعية التابعة للاتحاد السوفياتي. 

لم تذعن ألمانيا الغربية لكل الضغوط والتهديدات، وأصرّت على رفض الاعتراف بدولة "ألمانيا الديمقراطية" التي كانت تحظى باعتراف واسع من دول كثيرة في العالم، وكانت تمتلك جيشاً قوياً وجهاز مخابرات فعالاً... ظلّت ألمانيا الغربية ثابتة على موقفها لمدة 45 عاماً، حتى نجحت أخيراً في الحصول على حقّها التاريخي، واسترجعت الجزء الشرقي من البلاد الألمانية، وحقّقت الوحدة عندما انهار جدار برلين.

3- رفضت الصين الاعتراف بالسيادة البريطانية على هونغ كونغ على امتداد 150 سنة من احتلالها، رغم أنها ليست سوى ميناء صغير يقع في أقصى جنوب بلاد الصين الشاسعة. وقد تغيّرت الأنظمة الحاكمة في الصين، من ملكيّة إقطاعية، إلى ثورية شيوعية، إلى نظام انفتاح اقتصادي، ولكن من دون أن يتغيّر الموقف الوطني الثابت من قضية هونغ كونغ، إلى أن نجحت في استرجاعها من بريطانيا في العام 1997. 

وكان للصين موقف مبدئي آخر من "دولة تايوان"، التي تعتبرها إقليماً متمرداً وتطالب بها منذ أكثر من 70 عاماً. يأتي ذلك رغم أنَّ الأخيرة تمتَّعت بحماية القوى الغربية الكبرى - أميركا وبريطانيا - ورغم أنها احتلَّت مقعد الصين في الأمم المتحدة لفترة طويلة، ورغم أنها دولة كاملة المعالم، ولها جيش قويّ واقتصاد ممتاز... ولكنَّ الصين لا تتنازل عن حقها أبداً تحت أي ظرف.

4 - حتى هذه اللحظة، لم تُسقط "جمهورية إيرلندا"، والتي تُعرف باسم "إيرلندا الجنوبية"، حقها التاريخي بكامل أرضها من دستورها، أي أنها ما تزال تعتبر الجزء الشمالي من الجزيرة جزءاً من أرضها، رغم أنّ "إيرلندا الشمالية" تابعة رسمياً ودولياً للمملكة المتحدة "بريطانيا"، ورغم أنّ جمهورية إيرلندا تقيم علاقات طبيعية مع بريطانيا بحكم الأمر الواقع، وهما تنتميان إلى الاتحاد الأوروبي. وعندما كانت بريطانيا إمبراطورية عُظمى في العالم، لم تُسقط جمهورية إيرلندا حقّها في الجزء الشمالي من الجزيرة.

5 - ما زالت دولة "أرمينيا" الصغيرة تطالب تركيا بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبها الجيش العثماني قبل 100 سنة وتتمسَّك بحقّها التاريخيّ في ذلك. يرفض الأرمن أيّ تسوية مع تركيا لا تتضمّن اعتذاراً عما ارتكبه الأتراك من مجازر في سياق الحرب العالمية الأولى، على الرغم من أنَّ تركيا أكبر منها بكثير وأقوى بما لا يُقاس، وتكاد أرمينيا تكون من الناحية الجغرافية محاصرة منها ومن حليفتها أذربيجان، ورغم أن لها مصالح كبيرة جداً معها.

6 - ما زالت الأرجنتين حتى اليوم تصرّ على حقّها في جزر الفوكلاند، رغم كونها خاضعة للسيادة البريطانية منذ حوالى 180 سنة، ورغم هزيمتها العسكرية أمامها في العام 1982.

هناك حالات أخرى يمكن الإشارة إليها في هذا العالم، تثبت أنَّ الأمم الحيّة والشعوب المتحضّرة لا تتنازل عن حقوقها التاريخية في سبيل تكتيكات سياسية مرحلية أو تحت ضغوط معينة أو من أجل مغانم وقتيّة. 

إنَّ إسقاط الحقّ التاريخيّ أمرٌ جلل، ومن العيب التعامل معه بذلك الاستخفاف الذي أظهره الجانب الرسمي الفلسطيني على مدى العقود الأربعة الأخيرة، فمتى يعترف الجانب الرسمي الفلسطينيّ بأنّه لم يكُن ذكياً أو واقعياً حين اعترف بـ"إسرائيل" بحدود العام 1967؟ ومتى يقرّ بأنّه ارتكب خطأ - بل خطيئة - لا بدَّ من التراجع والاعتذار عنها؟

على كلّ حال، لم يفت الوقت. وما دام لم يتم التوصّل إلى اتفاقية تسوية رسمية ونهائية وشاملة، فكلّ ما جرى يمكن إلغاؤه والتراجع عنه، وهو ما سيتمّ في نهاية المطاف، لأنه لا يصحّ إلا الصّحيح، وما بُنيَ على باطل فهو باطل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

ريغان و"المجاهدون" الأفغان

بشأن لقاء الرئيس الأميركي ريغان مع قيادات "المجاهدين" الأفغان في العام 1985، يخبرنا الأرشيف أنَّ...

مفهوما "الاستكبار" و"المُسْتضعَفين" في أدبيات الثّورة الإيرانيّة

لنلاحظ لغة الإمام الخميني في خطابه يوم 16 تموز/يوليو 1979: "إنّ يومَ القدس يومٌ عالميٌّ، وليس...

ثورة الشّاه البيضاء وأحداث العام 1963 في إيران

من أهم "الإصلاحات" التي طرحتها ثورة الشاه البيضاء كان بيع المؤسسات والشركات الصناعية العامة...

عن بايدن والاتفاق النووي.. إيران في موقع قوة

تعمل إيران وفق خطة عملٍ واضحة وتتخذ قراراتها بهدوء وبعد تحليلٍ عميق وواقعيّ للخيارات...

الشّهيد الذي طال عمره أكثر ممّا توقع... قاسم سليماني

بعد انتهاء الحرب مع العراق، تابع قاسم سليماني مسيرته. لم يكن قادراً على التوقّف. إنه يؤدّي...

نهوض "الحركة الحوثية" في اليمن بشعار "الموت لأميركا" (2/2)

كانت السعودية تكتفي بالدعم المالي والعسكري لعلي عبد الله صالح وجيشه، ولكنها شعرت أخيراً أنّ صالح...