هل يقود التّوتّر الروسيّ الأوكرانيّ إلى تكرار السيناريو الجورجي؟

قرار أوكرانيا إجراء المناورات العسكرية مع حلف الناتو هو "بروفا عسكرية" لحرب مقبلة محتملة مع روسيا، بيد أنها تنطوي على مغامرةٍ غير محسوبة العواقب.

  • الولايات المتحدة الأميركية ماضية في سياستها العدائية تجاه روسيا
    الولايات المتحدة الأميركية ماضية في سياستها العدائية تجاه روسيا

يبدو أنَّ التوتر الروسيّ الأوكراني مستمرّ في التصاعد، بعد إعلان أوكرانيا عزمها على إجراء مناورات عسكريّة "Defender Europe 2021"مع حلف شمال الأطلسي خلال الأشهر القليلة القادمة، فضلاً عن حشد روسيا قواتها على حدودها مع أوكرانيا، ما قد يجعل المنطقةَ مقبلةً على تطوراتٍ خطيرةٍ. 

الملاحظ أنَّ تصريحات ممثل أوكرانيا في مجموعة الاتصال الثلاثية، أليكسي أريستوفيتش، الَّذي اعتبر أنَّ المناورات مع الناتو ضرورية لشنّ الحرب على روسيا، تعكس النيات الأوكرانية تجاه الأخيرة، وخصوصاً أن الأوضاع الداخلية في أوكرانيا متأزمة، فمؤشر شعبية الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي تراجع دون 20% للمرة الأولى منذ توليه السلطة، وذلك بحسب آخر استطلاع للرأي قام به معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في 22 كانون الثاني/يناير الماضي.

 المؤكد أنَّ أوكرانيا ما كانت لتقدم على تصرفات كهذه، لو لم يكن هناك تنسيقٌ مسبقٌ مع الولايات المتحدة الأميركية التي تحاول إشعال فتيل التوتر بين البلدين، عبر دفع أوكرانيا إلى الدّخول في مواجهات عسكرية مع روسيا، والدَّليل على ذلك إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عن دعم بلاده لأوكرانيا في مواجهة "العدوان الروسي".

قرار أوكرانيا إجراء المناورات العسكرية مع حلف الناتو هو "بروفا عسكرية" لحرب مقبلة محتملة مع روسيا، بيد أنها تنطوي على مغامرةٍ غير محسوبة العواقب، كما أنه خطأٌ استراتيجيٌّ قد تدفع كييف ثمنه غالياً، وذلك لِعِدَّةِ أسبابٍ، أهمها حساسية روسيا من أي تواجد عسكري غربي قرب حدودها، ما يدفعها إلى حشد قواتها على الحدود، وبالتالي حدوث المزيد من التصعيد، لأنَّ موسكو ترى في ذلك تطويقاً لها من الناحية الجيوسياسية وتهديداً لأمنها القومي، كما أن الفرق الهائل بين القدرات العسكرية لجيشي البلدين يجعل الكفة تميل لمصلحتها. وفي حال اندلاع الحرب، قد تتمكَّن روسيا من قضم المزيد من الأراضي، بما في ذلك إقليم دونباس، وضمّها إلى أراضيها. 

وعليه، ستكون القيادة الأوكرانية مخطئةً في حال اعتقدت أنَّ حلف الناتو سيتدخّل لمصلحتها في حالة نشوب الحرب أو سيساعدها على استرجاع شبه جزيرة القرم، لأنَّ الحلف يعي جيداً أنه لا يستطيع أن يطلق رصاصة واحدة على صدر جندي روسي، لأنه ذلك سيؤدي إلى إشعال فتيل حربٍ مدمرةٍ في المنطقة، قد يتسع نطاقها لتشمل دول أوروبا والعالم، وهو ما حدا بألمانيا وفرنسا إلى دعوة الطّرفين إلى "ضبط النفس".

لقد غاب عن ذهن الرئيس الأوكراني فلاديمير زلينسكي أحداث شبه جزيرة القرم التي استرجعتها روسيا في العام 2014. حينها، لم يفعل الغرب أي شيء لمصلحة بلاده. كما غاب عن ذهنه ما وقع في جورجيا في العام 2008، عندما أَوْعَزَ الغربُ إلى الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي، الموالي له، باجتياح جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية والدخول في حرب مع روسيا، ما دفع الأخيرة إلى اجتياح الأراضي الجورجية، والسيطرة على الجمهوريتين، وإلحاق هزيمةٍ عسكريةٍ بالجيش الجورجي الذي كان متسلّحاً بالعتاد الأميركي والإسرائيلي، في وقت كان ساكاشفيلي يُمَنِّي النفسَ بتدخّل الغرب لنجدته، لكن الأمر اقتصر على التنديد بالسلوك الروسي. 

في الختام، يتبيَّن أنَّ الولايات المتحدة الأميركية ماضية في سياستها العدائية تجاه روسيا، عبر إشعال الحرائق في حدائقها الخلفية، وذلك من خلال دفع أوكرانيا إلى شن حرب عليها، رغم التفاوت في القدرات العسكرية بين البلدين، فهل سيتكرر السيناريو الجورجي في أوكرانيا؟ الجواب في قادم الأيام.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
خالد البوهالي

كاتب مغربي

إقرأ للكاتب

لماذا التصعيد الغربي ضد روسيا على خلفية طردها الدبلوماسيين الغربيين؟

يدرك الغرب أنَّ عهد الأحادية القطبية التي اتّسم بها النسق الدولي منذ نهاية الحرب الباردة في...

ماذا يحدث في روسيا؟ ولماذا يساند الغرب الليبرالي أليكسي نافالني؟

لا ينكر أحد حقيقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – سواء اختلفنا أو اتفقنا معه - نجح منذ توليه...

بعد قرار بايدن تمديد معاهدة "ستارت".. هل تنضم الصّين إليها؟

تدرك الصين أنّ مستقبل الصراع الدولي سيكون بينها وبين أميركا، ولا سيَّما أنَّ هناك مؤشراتٍ عدّة...

خوان غوايدو وصفعة الغرب

تنطبق على خوان غوايدو، مقولة الزعيم السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشوف: "عندما يصفّق لي الغرب، أعرف...

لماذا يصرّ الديمقراطيّون على تفعيل البند 25 من الدستور الأميركي؟

العلاقة بين الديمقراطيين و ترامب، شابتها مشاحناتٌ و خلافاتٌ حادة حول العديد من الملفات، وكلّنا...

أميركا ترفع القيود عن تايوان.. إلى أين تمضي العلاقات الأميركيّة الصينيّة؟

مما لا شكَّ فيه أنَّ العلاقات الأميركيّة الصينيّة تمرّ بأسوأ مراحلها خلال حقبة ترامب، ولن تزيد...