ماذا لو لم تنتصر المقاومة في العام 2006 ولم تحمِ لبنان من الإرهاب؟

15 عاماً على هزيمة "إسرائيل" في العام 2006 وإفشال الهجمة الإرهابية – التكفيرية، ولسان حال أعداء المقاومة يشحن الساحة اللبنانية بخطاب الاستفزاز والاستعداء ضد من حمى لبنان وصان حدوده واستقلاله.

  • ماذا لو لم تنتصر المقاومة في العام 2006 ولم تحمِ لبنان من الإرهاب؟
    استطاعت المقاومة اللبنانية هزيمة "أقوى جيش في الشرق الأوسط" في حرب تموز 2006

عندما حاصرت القوات الألمانية آلاف الجنود البريطانيين في منطقة دنكرك البحرية الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، هبَّت الأمة البريطانية تلبية لنداء تشرشل لإنقاذهم. آلاف المراكب والزوارق المدنية قطعت المانش لنقل الجنود تحت القصف الألماني، وآلاف القتلى من العساكر والمدنيين العاملين في المراكب سقطوا بفعل القصف. عندما وصل الجنود إلى بريطانيا، ظنوا أنهم سيقابلون باللوم والتجريح لما تسبّبوا به من آلام وخسائر. وقع الأمر بخلاف ما ظنّ المنسحبون من دنكرك، فاستقبلوا بحفاوة.

ذهب البريطانيون إلى فرنسا وقاتلوا فيها، ليس دفاعاً عن الفرنسيين فحسب، بل دفاعاً عن بريطانيا التي كان هتلر يرغب في تحطيمها وإذلالها بعد احتلالها. دفع تشرشل بكلّ ما لديه من أثمانٍ إلى المعركة، وقاتل حتى أوقف الزحف الألماني، ونجت بريطانيا من الاحتلال النازي.

أورد هذه المعلومات التاريخية لمقارنتها بحالة النكران والرفض، لا بل الإدانة لما أنجزته المقاومة اللبنانية أولاً في هزيمة "أقوى جيش في الشرق الأوسط" في حرب الأيام الـ33 في العام 2006، واستكمال هذه الحالة بتطويق حفنة من المقاتلين وتجريمهم وتشويه سمعة حزبهم، لأنهم ذهبوا إلى سوريا درءاً لخطر الإرهابيين المتوحشين عن لبنان، ولمنع وقوع سوريا في قبضة نظام متطرف لا هُوية له إلا الذبح على الهوية.

إصرار بعض اللبنانيين من بقايا اليمين وقوى الرجعية المحلية على عدم الاعتراف بأهمية واستراتيجية إنجازات المقاومة وتشويهها، ومن ثم العمل على الانقضاض على دورها ووجودها، فاق في بعض ترجماته دور كل من العدو الإسرائيلي والتنظيمات الإرهابية للتخلّص من مكانة المقاومة وحضورها، وبات السلاح الرديف المعوّل عليه في خطة تجويف مفهوم المقاومة وإسقاطه من الداخل.

السعي إلى تطويق المقاومة وشلّها وشيطنتها لم يعد يُفهم في سياق الخصومة أو التنافس وغيرها من مفاهيم الصراعات الديمقراطية. تجردت القوى اليمينية والرجعية من أي منطق عقلاني وواقعي، متجاوزة كل السقوف والحدود، كما لو أنها تسعى بأسلوب انتحاري إلى دفع اللبنانيين نحو خيارين؛ إما تجريد "حزب الله" من سلاحه، وإما الفوضى والفتنة. 

وفي هذا السعي خلفيات ومقاصد يختلط فيها الهدف الداخلي بالمآرب الخارجية، إذ وصلت القوى التي تعتمد خطاب التحريض والتوتير إلى حد الإفلاس والعجز عن فرض هيمنتها وتصورها في لبنان، ولم يعد ثمة رافعة لها سوى الانخراط في شبكة المصالح الإقليمية والدولية التي تخطّط لمنطقة مستسلمة وراضية بسلام إسرائيلي مجرد من قوى ممانعة ورافضة لمنطق الهزيمة.

15 عاماً على هزيمة "إسرائيل" في العام 2006 وإفشال الهجمة الإرهابية – التكفيرية، ولسان حال أعداء المقاومة يشحن الساحة اللبنانية بخطاب الاستفزاز والاستعداء ضد من حمى لبنان وصان حدوده واستقلاله، وبنى له منعة وقوة، ووصلوا إلى أن يستصرخوا الغرب لنصرتهم في معركتهم، مرة للتدخل في تفكيك "حزب الله" وحصاره وتجويع بيئته، ومرة لجر التدويل والتدخلات والوصاية المباشرة، وربما الحرب العسكرية، كما حصل في أكثر من مفصل تاريخي، ولا سيما في العام 1982.

يتساءل المراقب عمّا كان سيؤول إليه حال لبنان وشعبه ومقاومته لو قُدّر لـ"إسرائيل" هزيمة المقاومة في العام 2006، أو لو نجح الإرهاب التكفيري في بناء قواعد له في الأراضي اللبنانية. في أقل السيناريوهات رعباً، كان على من تبقى من المقاومين أن يواجهوا مهرجاناً من الطعنات الأخوية في الظهر، وقهراً منظماً يمهد لإلحاق لبنان بقطار المسافرين إلى تل أبيب، ودهس كل من يقف في طريقه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

قاموس اليأس كمقدّمة للتحكّم بلبنان

القاموس اللبناني فقد مفردات تعكس الأمل والتفاؤل، لتحلّ محلها تعابير سلبية يتقاطع فيها الإحباط مع...

اعتراف ماكرون بتعذيب علي بومنجل وقتله يكشف تاريخ الكذب الفرنسيّ

الرئاسة الفرنسية، وإن كانت خطت في اتجاه إيجابي، إلا أنَّ الباحثين الجزائريين في موضوع حقبة...

الاعتداءات الجنسية على القاصرين تُسائل القيم الفرنسية وتهزّ المجتمع

النسب التي تتحدث عن الاعتداءات الجنسية زلزلت علماء النفس والاجتماع، نظراً إلى حجمها ونوعيتها...

نوبل للسّلام ومنافسة الهُويات المتناقضة

تبدو بعض أسماء المرشحين والمرشحات مستفزة، إلى درجة أن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان اعتبروا...

رفض الاعتذار عن حرب الجزائر.. سمّ في حنجرة فرنسا

بين اليمين المتطرف واليمين المعتدل واليسار، فشلت إدارة ماكرون في تمييز نفسها واتخاذ موقف مسؤول...

ترامب "المختلّ" والإمبراطورية المترنّحة

"مجنون، مخادع، أحمق، مهرّج، عنصري، مغرور، غير كفوء، أميّ، أناني، وجاهل". كلّ هذه الأوصاف التصقت...