الحنين إلى الملَكيّات البائدة

حين قاد المرحوم جمال عبد الناصر بنجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر في العام 1952، كان يُطلق في الواقع موجة تغيير في العالم العربي.

  • كانت الأحزاب السياسية في زمن فاروق حكراً على طبقة الباشاوات والإقطاعيين الذين يمتلكون الثروة والنفوذ
    كانت الأحزاب السياسية في زمن فاروق حكراً على طبقة الباشاوات والإقطاعيين الذين يمتلكون الثروة والنفوذ

يعبّر كثيرون عن مشاعر مليئة بالحنين إلى زمن الملكيّات العربية التي قُضي عليها وانتهت منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، وهم يطلقون على تلك الفترة "الزمن الجميل"، ويصورونها في كتاباتهم وكأنها حقبة الفخامة والرقيّ والتسامح الديني والمجتمع المتحضر والتعدّدية السياسيّة والأحزاب والديمقراطية، وينشرون صوراً من تلك الفترة لشوارع هادئة، ومواطنين يرتدون ملابس أنيقة، وبيوت جميلة في أحياء نظيفة. 

بعض الذين يروجون لتلك الأفكار أناسٌ عاديون جعلتهم قساوة الحياة وسوء الأوضاع في بلادهم يحنّون إلى ماضٍ وهميّ متخيّل، ويهربون إليه من واقعهم الرديء، والبعض الآخر يعمل ضمن حملات منظمة ومموّلة جيداً من أطراف خليجية لها أجندات ولها ثأر مع الأنظمة العربية الثورية التي تلت عهد الملكيات.

حين قاد المرحوم جمال عبد الناصر بنجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر في العام 1952، كان يُطلق في الواقع موجة تغيير في العالم العربي، الذي كان في الإجمال يُحكم بواسطة أنظمة ملكية مرتبطة بالاستعمار وتابعة له. شنّ عبد الناصر حرباً لا هوادة فيها على الأنظمة الملكية وعائلاتها الحاكمة، وكانت النّتيجة النهائية للمدّ الثوري التغييري الَّذي قاده في العالم العربي نجاحه في القضاء على الملكيات العربية في مصر والعراق واليمن وليبيا، بينما فشل في إسقاط الأنظمة الملكية في السعودية والأردن والمغرب.

جميع الَّذين "يحنّون" إلى عصر الملكيات العربية يستندون في كلامهم ودعايتهم إلى ما جرى من أهوال وأحداث في ظل الأنظمة التي أمسكت زمام الأمور في عهد ما بعد الملوك، وهي أنظمة عسكريّة في الأساس تتشابه في كون القائمين عليها ضباطاً وطنيين ينتمون إلى طبقة عامّة الشعب، بعيداً من طبقة الباشاوات والإقطاعيين وكبار التجار. ويتم الحديث دائماً عن سلبيات الأنظمة الجمهورية حصراً؛ عن هزيمة مصر الكبيرة في العام 1967، وعن فظاعات حكم حزب البعث وصدام حسين في العراق، وعن جرائم القذافي في ليبيا وكتابه الأخضر. 

طبعاً، لا يمكن إنكار هذه السّلبيات والتقليل من شأنها، ذلك أنَّها غدت من حقائق التاريخ، ولكنَّ هذه الحقائق تقول لنا أيضاً إنَّ الأنظمة الجمهورية العسكرية كانت لها إيجابيات، بل وإيجابيات كثيرة، منها مثلاً نشر التعليم في صفوف المجتمع عن طريق المدارس والجامعات الحكومية بعد أن كانت الأمية سائدة في البلاد، وإتاحة العلاج والمستشفيات للناس بعد أن كانت حكراً على عِلية القوم، فضلاً عن التخلّص من بقايا الاستعمار والهيمنة الأجنبية على القرار الوطني، فهل كانت الأوضاع فعلاً بديعة ورائعة كما يحاول أهل الحنين إلى الملكيات تصويرها؟

نبدأ من مصر الَّتي كانت تحت حكم أسرة محمد علي باشا منذ 150 سنة، وآخر ملوكهم فاروق، فقد كان استقلال مصر شكلياً إلى حد كبير، حيث السيطرة الفعلية للقوات البريطانية الموجودة في قواعدها داخل مصر، وخصوصاً في منطقة قناة السويس. 

كان الملك فاروق يخشى السفير البريطاني، ويحسب له ألف حساب (هناك تسجيل للرئيس السابق أنور السادات يقول فيه إن الملك فاروق كان "بياخُد بالصّرَمْ" على يد سكرتير صغير في السفارة البريطانية). وقد شاع فسادُ الملك فاروق وأسرته وذاع، والحديث عنه يطول. وقد وصفه مندوبٌ بريطاني، في تقرير له، بأنه "غير متعلم وكسول ومتقلب المزاج وكاذب وغير مسؤول وعبثي ولا جدوى منه، لكنه يتمتع بذكاء سطحي، وله تصرفات فاتنة". 

كانت الأحزاب السياسية في زمن فاروق حكراً على طبقة الباشاوات والإقطاعيين الذين يمتلكون الثروة والنفوذ. وقد وصف جمال عبد الناصر ذات مرة أيام فاروق بأنها "ديمقراطية النُصّ في الميّة"، حيث لا دور للفلاحين والحرفيين وأهل البلد سوى "انتخاب" سعادة الباشا! 

كان "جلالة مولانا" مَلولاً ويحب أن يسلّي نفسه، عن طريق تغيير الحكومات باستمرار (بلغ عدد الحكومات في عهد فاروق الذي دام 15 عاماً 24 حكومة!)، والتنقل ما بين النحاس باشا والنقراشي باشا وحسين سري باشا، الَّذين لا فرق بينهم إلا كما يختلف الغراب عن الغراب! ولا يوجد أكثر بلاغة من وصف جمال عبد الناصر لأفراد تلك الطبقة في أحد خطاباته بأنهم أصدقاء الاستعمار الذين "كانوا يملكون الوطن، ولا يعيشون فيه، ولا يعيشون له". 

كان عامّة المصريين يعيشون في جهل مدقع، حيث لا مدارس ولا تعليم، وتنتشر بينهم الأوبئة والأمراض، ويتنقلون على الحمير والدواب، فيما يعمل الفلاحون في أوضاع تشبه العبودية والسخرة في الأراضي التي يمتلكها الإقطاعيون. لا توجد صناعات ثقيلة، ولا بنية تحتية، ولا خدمات. هناك النخبة فقط! ولها المدارس الأجنبية وجامعة "فؤاد الأول" ونادي السيارات وسامية جمال. تلك كانت حقيقة الأوضاع في مصر أيام فاروق. أما الجيش الذي يقوده الباشاوات، فقد ظهر فساده وسوء حاله في حرب فلسطين 1948 والهزيمة المريرة التي تعرَّض لها هناك. 

وفي العراق، قبِل الملك فيصل الأول بالانتداب البريطاني في العام 1922 تحت مسمّى "المعاهدة العراقية البريطانية"، التي كانت في الواقع وصاية تامة، وجعلت الجيش العراقي الجديد تحت إشرافهم الكامل، كما نصّت على نظام قضائي خاص بالإنجليز في العراق مختلف عن أهل البلد. 

وتقول الوثائق البريطانيّة إنَّ مرتب الوزير العراقي كان 141 جنيهاً، بينما يتقاضى "مستشاره" البريطاني 172 جنيهاً في الشهر! استمرّت السيطرة البريطانية على العراق حتى بعد حصوله على استقلاله الشكلي في العام 1932. وكانت الأحزاب العراقية التي تأسَّست في العراق الملكي في حقيقتها تجمعات من إقطاعيين وتجار وآغوات وسماسرة شيوخ يشرف عليهم جميعاً السفير البريطاني، وكانت السنوات الـ19 الأخيرة من الحكم الملكي دكتاتورية فاسدة يتولاها الثنائي عبد الإله – نوري السعيد في ظل الملك الصغير فيصل الثاني. 

وقد بلغ ازدراء نوري السعيد للديمقراطية الشكلية القائمة في البلد إلى حد أنه قام في العام 1954 بإلغاء البرلمان كلّه، لأن نتائج الانتخابات لم تعجبه، بعد أن أتت بـ11 عضو معارضة! والجدير بالذكر أنَّ أكثر من نصف فترة الحكم الملكي، البالغة 37 سنة، كان العراق يخضع فيها للأحكام العرفية التي كان يتم إعلانها بواسطة الملك وحكومته لأصغر الأسباب (أعلنت الأحكام العرفية أكثر من 16 مرة!). لم يكن التعامل مع الأقليات يختلف كثيراً عما جرى في العهد الجمهوري، والمثال الأبرز كان القمع الشديد الذي تعرض له العراقيون الآشوريون في الموصل في العام 1933 في أواخر أيام الملك فيصل الأول، الذي تصفه أدبياتهم بالمذبحة (قتل أكثر من 3 آلاف شخص). 

وتعرض تحرك كردي بزعامة محمود البرزنجي للقمع الشديد أيضاً. وحصلت أحداث عنف واحتجاجات شعبية في العام 1931 في الديوانية والبصرة والسماوة والموصل، بسبب قانون رسوم البلديات. كما أُطلِق النار على متظاهرين سلميين، وتم قتل عمال مُضربين في البصرة وكركوك. 

وعلى صعيد السياسة الخارجية والدور الإقليمي، كان العراق مركز "حلف بغداد" الذي تم تشكيله برعاية وإشراف أميركا وبريطانيا العظمى لمواجهة الاتحاد السوفياتي وحركات التحرر الوطنية في المنطقة. ولا ننسى الإدارة السيئة للجيش والقوات العراقية التي شاركت في حرب فلسطين في العام 1948 (كان عبد الكريم قاسم أحد ضباطها هناك)، وعادت مهزومة على يد عصابات الهاجانا اليهودية. كما أنه يمكن لوم حكومة نوري السعيد باشا على دورها في الهجرة الواسعة لليهود العراقيين إلى "دولة إسرائيل" في بداية الخمسينيات. 

وفي ليبيا، تكشف الوثائق البريطانية أنَّ إدريس السنوسي، قبل أن يصبح ملكاً، كان على قائمة دفعات الرواتب، إذ كان يتلقى مبلغ 154 جنيهاً إسترلينياً شهرياً لغاية العام 1947. كما أنه شكل برعاية الإنجليز قوات ليبية قوامها 4 آلاف عنصر، لتقاتل بإمرة بريطانيا ضد دول المحور في الصحراء المصرية. وكانت عودته من مصر إلى ليبيا بترتيب وطلب من وزارة المستعمرات البريطانية، التي قررت اعتماده ملكاً فيها بعد ثبوت إخلاصه للعرش البريطاني. 

وقد أعلن السنوسي استقلال مملكة ليبيا في العام 1951 مع وجود قوات الاحتلال البريطاني والفرنسي في البلد، بل إنه لم يلبث أن أضاف إليها قواعد عسكرية أجّرها للأميركيين. أما بشأن الديمقراطية والأحزاب، فقد قام الملك بتنظيم انتخابات في العام 1953 تحولت إلى مهزلة حقيقية، إذ نجح المعارضون في طرابلس (حزب المؤتمر الوطني)، فلجأ الملك ورعاته الإنجليز إلى تزويرها، ومن ثم طرد زعيم الحزب بشير السعداوي من البلد وتجريده من جنسيته الليبية! 

وقد ظل السنوسي مخلصاً لبريطانيا وملتزماً بتأييد سياساتها في المنطقة، ومن ذلك أنه رفض حضور مؤتمر القمة العربي الأول الذي دعا اليه عدو بريطانيا في المنطقة جمال عبد الناصر في العام 1964، ما أدى حينها إلى اندلاع احتجاجات وتظاهرات طلابية في الجامعة الليبية، بمساندة طلاب ثانويات في المدن الرئيسية في البلاد، فما كان من الشرطة إلا أن واجهت الاعتصامات والإضرابات بالقمع والعنف، فأطلقت عليهم الرصاص، ما أدى إلى مقتل مجموعة منهم واعتقال الكثيرين، وأقفلت الجامعة وعدداً من المدارس. 

أما بالنّسبة إلى النفط الذي تم اكتشافه في ليبيا في العام 1958، فقد كان في الواقع تحت سيطرة 12 شركة غربية (برتش بتروليوم وتكساكو وشل أويل والبقية) كانت تحصل على 90% من عوائده، في مقابل 10% تدفعها للمملكة اللبيبة! وبقي الحال كذلك إلى أن تم تأميم النفط في زمن القذافي. 

في الخلاصة، لم يكن ذلك الزمن جميلاً، والصور الكاذبة التي تنشرها جماعة الحنين إلى الملكيات تعود في الحقيقة إلى قصور الأمراء والباشاوات والأحياء التي كان الأجانب والخواجات يعيشون فيها، وهي لا تعبر أبداً عن حياة الناس وأحوال البلاد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

خجلاً من تراثها الفاشيّ: "الكتائب" اللبنانية تغير اسمها!

بغضّ النظر عن الاسم، سواء كان "الفلانجة" أو "الكتائب" أو "الديمقراطي الاجتماعي"، فإن فاشية ذلك...

أهمية التمسّك بالمبادئ في السياسة: أمثلة من العالم الحيّ

إنَّ إسقاط الحقّ التاريخيّ أمرٌ جلل، ومن العيب التعامل معه بذلك الاستخفاف الذي أظهره الجانب...

ريغان و"المجاهدون" الأفغان

بشأن لقاء الرئيس الأميركي ريغان مع قيادات "المجاهدين" الأفغان في العام 1985، يخبرنا الأرشيف أنَّ...

مفهوما "الاستكبار" و"المُسْتضعَفين" في أدبيات الثّورة الإيرانيّة

لنلاحظ لغة الإمام الخميني في خطابه يوم 16 تموز/يوليو 1979: "إنّ يومَ القدس يومٌ عالميٌّ، وليس...

ثورة الشّاه البيضاء وأحداث العام 1963 في إيران

من أهم "الإصلاحات" التي طرحتها ثورة الشاه البيضاء كان بيع المؤسسات والشركات الصناعية العامة...

عن بايدن والاتفاق النووي.. إيران في موقع قوة

تعمل إيران وفق خطة عملٍ واضحة وتتخذ قراراتها بهدوء وبعد تحليلٍ عميق وواقعيّ للخيارات...