نتنياهو وعقدة التّشكيل والتّأليف

سيحتاج نتنياهو في هذه الحالة إلى صوتين يحسمان النتائج لمصلحته، في حين أنّ ساعر لن يقبل بشكل شبه حتمي التحالف معه، وخصوصاً أنه انشقّ عن "الليكود" تحت ذريعة تسلط نتنياهو واستبداده برئاسة السلطة والحزب.

  • نتنياهو وعقدة التّشكيل والتّأليف
    على الرغم من حصول نتنياهو على أغلبية 52 عضواً من الكنيست قرروا تسميته لتشكيل الحكومة المقبلة

لم تخرج التوقعات عن إطار سياقها المتوخّى في ما يتعلق بتكليف بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة ضمان نجاحه في إتمام هذه المهمة من دون عناء أو صعوبات، والتي قد تصل إلى درجة المستحيل، في ظل مسارعة خصومه إلى البدء بصيغة توافقات من أجل تدوير الزوايا للتعامل مع مرحلة ما بعد إعلان فشله في القيام بتشكيل الحكومة، وهو السيناريو الذي سيقود نحو واحدٍ من مسارين؛ الأول تكليف أحد خصومه بمهمة تشكيل الحكومة في حال انقضاء مهلة الأيام الثمانية وعشرين الممنوحة له من قبل رئيس "دولة" الاحتلال رؤوفين ريفلين، واحتمال تمديدها 14 يوماً إضافياً.

أما المسار الآخر، فهو يتمثّل في فتح الأبواب على مصراعيها لانتخابات خامسة محتملة ولا تبدو مؤشراتها ضعيفة، بل إنها ترتفع مع انقضاء كلّ يوم يشهد المزيد من المساومات والتجاذبات البينية، وتتعمق فيه الخلافات الائتلافية وتتصادم المصالح الشخصية والحزبية، وبصورة خاصة مع واقعية الخلافات القائمة والمتجذرة بين خصوم نتنياهو الذين يجمعون على استثناء وحيد هو إسقاطه من السلطة.

وعلى الرغم من حصول نتنياهو على أغلبية 52 عضواً من الكنيست قرروا تسميته لتشكيل الحكومة المقبلة، مقابل 45 عضواً رشّحوا يائير لابيد، رئيس حزب "ريش عتيد" أو ما يعرف بحزب "هناك مستقبل" المصنف من اليمين الوسط، فإنَّ مهمة التأليف بالنسبة إليه يكتنفها الكثير من المزاوجة بين شبه المستحيل واللايقين، من حيث السيناريوهات المتداولة قبل الوصول إلى مفترق الطرق المتمثل بتكليف أحد الخصوم أو الذهاب نحو انتخابات خامسة في أيلول/سبتمبر المقبل، وهو ما سيجعل جهوده تنصبّ بين مروحة من السيناريوهات والاحتمالات؛ السيناريو الأول هو أن يتمكَّن من التحالف مع رئيس حزب "يمينا" نفتالي بينيت، أو يعيد استقطاب جدعون ساعر الَّذي انشق عن "الليكود"، وأسّس حزب "أمل المستقبل"، وحصل على 6 مقاعد، أو يستقطب الفائزين من القسم المنشق عن "القائمة العربية المشتركة"، وخصوصاً الفائزين من قائمة منصور عباس، زعيم حزب "القائمة العربية الموحدة"، الذي ينتمي أعضاؤه إلى الحركة الإسلاميّة، والذين حصدوا 4 مقاعد في الكنيست.

هذا السّيناريو سيكون معقّداً وشائكاً، ويعتريه الكثير من الصعوبات والمفاوضات، لأنَّ الجميع كانوا يرفعون شعار "إسقاط نتنياهو" ومحاسبته من جهة. ومن جهة ثانية، إنَّ التحالف معه ليس مستبعداً لدى البعض، ولكن تختلف نسبته، وخصوصاً لدى بينيت، الذي قد يفاوضه على تقاسم رئاسة الحكومة مناصفة - أي تناوبهما على رئاسة الحكومة لمدة سنتين لكل منهما - هذا الشرط قد يرفضه نتنياهو، وخصوصاً أن زعيم حزب "يمينا" لن يقبل بأن يكون ضحية ألاعيبه، على غرار سلفه رئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس، الذي وافق على تشكيل حكومة ائتلافية في الانتخابات الأخيرة معه، بناء على المسار ذاته، وفق صيغة تتمثل في أن يتولى رئاسة الفترة الأولى، فيما يتولى غانتس الفترة الثانية، غير أن نتنياهو نجح في الذهاب نحو انتخابات رابعة تحول دون تسلم غانتس فترة ولايته لعدم تقديمه إلى القضاء. وبالتالي، ربما يرفض الشرط المحتمل الذي قد يضعه بينيت، وهو أن يتولى بنفسه الفترة الأولى، لضمان عدم تكرار هذه المناورة.

رغم ذلك، في حال التوصّل إلى اتفاق، فإنّ حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو، ومعه حركة "شاس" للمتدينين الشرقيين، وحزب "يهدوه هتوراه" للمتدينين الغربيين، وحزب الصهيونية المتدينة، و"يمينا" بزعامة نفتالي بينيت، سيحصلون مجتمعين على 59 مقعداً فقط من مقاعد الكنيست، وعددها 120 مقعداً، وهو ما لن يحقق للأول النصاب المطلوب لتشكيل الحكومة.

وسيحتاج نتنياهو في هذه الحالة إلى صوتين يحسمان النتائج لمصلحته، في حين أنّ ساعر لن يقبل بشكل شبه حتمي التحالف معه، وخصوصاً أنه انشقّ عن "الليكود" تحت ذريعة تسلط نتنياهو واستبداده برئاسة السلطة والحزب، وأي تحالف مع الأخير سيؤدي إلى تراجع مصداقيته وانهيار حزبه الجديد بشكل متسارع. ولذلك، سارع بعد صدور النتائج غير الرسمية إلى إغلاق أي أفق للانضمام إليه.

هنا، سيسعى نتنياهو إلى قلب رهانه للنجاح في جذب الفائزين من الحركة الإسلامية الجنوبية برئاسة منصور عباس لمصلحته، بعد نجاحه في خلق الانشقاق والانقسام داخل "القائمة العربية المشتركة" على ذاتها، لتخوض الانتخابات بقائمتين، هما تحالف "المشتركة" (الجبهة والتجمع والتغيير) برئاسة أيمن عودة، والقائمة الموحدة والحركة الإسلامية، ولتعمق الشرخ بين أقطاب المشتركة التي كانت ممثلة بـ15 مقعداً.

مثل هذا الخيار غير مستبعد، وخصوصاً أنَّ الخلافات بدأت تظهر من حيث حقيقتها بين القائمة المشتركة، بعد إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقاربه مع منصور عباس، زعيم حزب الحركة الإسلامية (الإخوانية)، في ظل تطور وتنامي العلاقات التركية الإسرائيلية، وطلب نظام إردوغان من عباس التحالف مع نتنياهو لتحقيق المزيد من التقارب مع "إسرائيل" - كما حصل سابقاً في قبول حزب التنمية المغربي التطبيع مع الكيان بطلب من إخوان تركيا - مقابل حصول على دعم ومال قطري أيضاً، وهو ما كشفه منصور دهامشة، سكرتير الجبهة الشعبية، "بأن الحركة الإسلامية بزعامة عباس تدعم نتنياهو وترغب في إبرام صفقات معه، استعداداً لدعم حكومته المستقبلية من الخارج"، وذلك قبل بدء الانتخابات بأسبوع، إثر فشل المحاولات التي بُذلت لرأب الصدع بين مكونات القائمة من قبل رئيس لجنة المتابعة محمد بركة، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة تراشق الاتهامات بين الجبهة الحركة الإسلامية برئاسة منصور عباس.

وفي حال حصول مثل هذا الخيار، فإن نتنياهو لا يكون قد نجح في إحداث الانقسام داخل القائمة المشتركة فحسب، بل سيكون أيضاً قد كرس الانقسام والتشتيت، وسرق أصوات العرب، وأضعف قوة الكتلة الانتخابية العربية وتأثيرها، وهو أمر جيد لمعسكر اليمين، علماً أن حصول "القائمة المشتركة" على 15 مقعداً منعه في جولات الانتخابات الأخيرة من تشكيل حكومة متينة ومستقرة، ولكنه سيصطدم في المقابل برفض الأحزاب الدينية الحريدية التحالف مع العرب.

أما السيناريو الآخر، فإنه يدور حول احتمال استقطاب نتنياهو الأعضاء الفائزين من الأحزاب القابلة للتشرذم أو الانقسام أو الانهيار. يعتبر هذا السيناريو من الخيارات الأقرب بالنسبة إليه، وخصوصاً أن معظم الأحزاب يشهد حالة تصدّع كبيرة وانقسامات، باستثناء الأحزاب الدينية التي باتت تشهد نمواً واضحاً وملموساً خلال العقود الأربعة الماضية، مقابل سيناريو يتضمّن تمكّن الأحزاب الرافضة لوجود نتنياهو في السلطة من توحيد صفوفها وتشكيل حكومة ائتلافية.

في المقابل، وقبل فترة التكليف، كان خصوم نتنياهو يسعون إلى حل الخلافات الشائكة في ما بينهم - وقد يستفيدون من فترة تكليفه لكسب الوقت لتحقيق هذا الهدف - ولا سيّما بعد أن بدأت تطفو على السطح تسريبات تتضمن صيغة من التفاهم الأولي على تقسيم ولاية رئاسة الحكومة مداورة بين بينيت أولاً، تشجيعاً له على الانسلاخ عن الكتلة اليمينية المؤيدة لنتنياهو، ويائير لابيد الساعي لإسقاط الرئيس المكلف كهدف أوّلي.

قد تكون هذه المهمّة بسيطة نظرياً بالنسبة إلى خصوم نتنياهو، إلا أنَّ التطبيق العملي والفعلي لها يصطدم بالكثير من الخلافات، من بينها صعوبة توزيع الحقائب الوزارية في ما بينهم وعدم وجود تجانس بين الخصوم المؤتلفين. 

لذلك، إن أيّ حكومة على هذا الشكّل لن تستمر طويلاً في حال نجاح تشكيلها، ما يعني أنّها مجرد جسر عبور نحو انتخابات خامسة. لذا، سنشهد صراعاً بين خصوم نتنياهو للاستئثار بالوزارات الخدماتية والتعليمية والدينية التي تعد على تماسّ مباشر مع المستوطنين، للتأثير فيهم وكسب أصواتهم في الانتخابات المقبلة.

وعلى الرغم من انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الرابعة إلى حدود 67%، وكثرة القائمات الحزبية المتنافسة، والتي بلغت 39 قائمة، وشكل الحكومة التي ستتمخض عنها، فإننا نستطيع تلمّس أهم إفرازاتها على الشكل الآتي:

-أولاً: الصراع السياسي اليوم ليس صراعاً قائماً على الإيديولوجيا داخل الكيان، بل هو صراع مصالح وأشخاص.

-ثانياً: التنافس يحصل داخل اليمين فحسب، في ظلّ غياب الثنائية التنافسية التقليدية (اليسار واليمين).

-ثالثاً: نجح نتنياهو في إبقاء نفسه الشخصيّة الأكثر بروزاً داخل الكيان. وقد ينجح في إبرام صفقة تتضمّن تعيينه رئيساً لـ"دولة" الاحتلال، مقابل تنازله عن رئاسة الحكومة وإسقاط التهم عنه.

-رابعاً: الأحزاب الوحيدة التي تحافظ على قوّتها ونموّها وتماسكها نوعاً ما هي الأحزاب الدينية، التي تؤثر، وبشكل كبير، في أي تركيبة ائتلافية، وفي برامج الحكومة، بما يزيد من مصالحها وتأثيرها في صنع القرار في السياستين الداخلية والخارجية.

-خامساً: انقسام العرب وتخليهم عن شعار الوحدة للدفاع عن القضية، وهو انقسام نابع في الدرجة الأولى من إعلاء مصالح الإيديولوجيا الإخوانية على المصالح الوطنية، وتبعيتها لتركيا التي استثمرت على مدى عقدين سابقين في دغدغة الشعور الإسلامي لتحقيق مصالح رئيس نظامها التوسعية في المنطقة، وهو ما سيكرس حقيقتين؛ الأولى أن ادعاء الحركات الإسلامية الإخوانية المقاومة هو مجرد بالونات إعلامية، والأخرى أن هذا الانقسام سيغيب الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ويزيد من عمليات التطبيع.

-سادساً: أي حكومة ستشكّل في ظل هذا الواقع ستكون أكثر تطرفاً تجاه الفلسطينيين والمنطقة، لضمان بقائها وزيادة شعبيتها وتصدير أزماتها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمّد نادر العمري

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

طوق من الإجراءات الغربية المعادية لن يثني سوريا عن إتمام الاستحقاق

تصرّ الدولة السورية على إنجاز كلّ الاستحقاقات الدستورية بمواعيدها المحددة، باستثناء الانتخابات...

هل نضجت الظروف الإقليمية أمام المبادرة الروسية لحل الأزمة السورية؟

بعد مرور 10 سنوات من الحرب على سوريا، فإنَّ هذه المبادرة، رغم امتلاكها مقومات النجاح، ما زالت في...

سيناريوهات مقاربة بايدن مع الملف النووي الإيراني

إلى جانب التحديات الداخلية، تنتظر بايدن ملفات حسّاسة وتحدّيات لا تقل خطورة على صعيد السياسة...

ناغورنو كاراباخ.. تفاقم الصّراعات الجيوسياسيّة

من الواضح أنه لن تكون هناك حلول جذرية قريبة للصراعات القائمة على مستوى النظام الدولي، في ظل...

الصّراع على استقطاب العشائر السورية

عمليّة استقطاب العشائر شمالي شرق سوريا ليست وليدة اللحظة وخصوصاً بعد التطورات المتسارعة التي...

نكسة جديدة وفلسطين هي الضّحيّة

عراب هذا الاتفاق هو رجل الأعمال الإسرائيلي الأميركي الملياردير حاييم صبان، وهو الصديق والشريك...