المفاوض والمقاتل الإيراني

في معركتها لاستعادة حقوقها باتفاق لا تعديل عليه ولا تجاوز لقواعده، تحدث طهران تحولاً غير معروف من قبل في العلاقات والتوازنات الدولية.

  • المفاوض والمقاتل الإيراني
    المفاوض الإيراني، كما القادة في قطاعات الأمن والاقتصاد والمجتمع

كم تشبه مفاوضات إيران مع الدول الغربية ومفاوضاتها غير المباشرة مع أميركا، مفاوضات باريس بين فيتنام والإدارة الأميركية خلال حرب فيتنام! مفاوضات على الطاولة، وقتال وصمود عاشه الفايتكونغ في الميدان، بل كان الثوار الفيتناميون يشنون أعنف الهجمات على القوات الأميركية، ويلحقون بها خسائر فادحة، بينما كان ممثلوهم في باريس يجالسون قتلة شعبهم من موقع الند.

يمدّ الإيرانيون يدهم لمفاوضات مع 4+1 من موقع القوة، ويتمسكون بحقوقهم واستقلالهم وسيادتهم. وفي خلفية الوفد المفاوض، لا يقاتل الإيرانيون ضد الحصار والعقوبات فحسب، إنما يخوضون أيضاً مواجهةً بكل الأدوات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية مع الممثل العسكري الإرهابي للدول الغربية، وهو "إسرائيل" ومن تحالف معها في المنطقة من دول ومجموعات وتنظيمات باعت نفسها لجميع أنواع المخابرات الأجنبية.

لم يمرّ يوم على إيران منذ نكوث دونالد ترامب بالاتفاق النووي، إلا وكان في حسابها تلك الاستراتيجية القائمة على مسارين متلازمين؛ الأول هو الرد العملي والمدروس على كل خطوة عقوبات أميركية وأوروبية، من خلال العودة إلى مراحل تطوير البرنامج النووي السلمي ما قبل الاتفاق، والآخر بناء المجتمع الإيراني وتجهيزه اقتصادياً وعسكرياً، بما فيه التعامل مع كل اعتداء بالشكل والمضمون المناسبين، وآخرها الرد على اعتداء نطنز. 

في هذه المعركة المتعددة المحاور والمحتدمة بكل الأشكال، لم يتخلّ قادة إيران عن أداء دور محوري وفعال ضد الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية في المنطقة، وأثبتوا موقع بلادهم الريادي ودورها في منع سقوط المنطقة في يد أعدائها.

في معركتها لاستعادة حقوقها باتفاق لا تعديل عليه ولا تجاوز لقواعده، أحدثت طهران تحولاً غير معروف من قبل في العلاقات والتوازنات الدولية؛ تحولاً ينسف ما درجت واشنطن والغرب عليه، من خلال فرض الشروط والإملاءات على الدول التي تعتبر من خارج نادي الدول العظمى، وإرغامها على الخضوع تحت طائلة التهديد بالحرب والحصار والضغوط والتآمر.

المفاوض الإيراني، كما القادة في قطاعات الأمن والاقتصاد والمجتمع، تمكنوا من بناء جبهة وطنية موحدة ومتمكنة حققت لطهران أرضية صلبة للتعامل مع الأزمات والمحن، وفي طليعتها الحرب الشعواء التي تشن عليها منذ عشرات السنوات.

فشل إدارة دونالد ترامب بكل جبروتها وأدواتها في إركاع طهران لم يكن حدثاً عادياً عابراً. القوة الأعتى في العالم وقفت عاجزة عن تحطيم الدولة الإيرانية، وسقطت رهاناتها على تراجعها ويأسها وخوفها واستسلامها تحت تأثير حركة الأساطيل والتجويع والمؤامرات، تارة عبر الإرهاب المحلي، وتارة عبر اغتيال كبار القادة والعلماء وما رافقه من حملات ضغط في كل مجالات العمل الحيوية.

صمود إيران وقوتها الحقيقة ليسا في تعاظم ترسانتها الحربية وصلابة اقتصادها والتفاف شعبها حول الدولة، إنما في الأساس في وضوح الرؤية ومتانة الأهداف والتمسك بالقرار المستقل والسيادة الكاملة، دفاعاً عن حقها في التنمية والتحرر ومقاتلة الاستكبار والظلم في منطقتها وفي قارات العالم.

الصبر والحكمة والتحدي هي ثلاثة عناصر في استراتيجية المفاوضات المصيرية التي تخوضها إيران، تماماً كأي مقاتل في الميدان لا قبل له بالهزيمة أو الاستسلام أو التخلي، رغم هول الأعداء في الجهة المقابلة وقوتهم، كأنه كُتب على إيران دولة وشعباً أن تقاتل منذ انتصار الثورة الإسلامية من دون هوادة!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

كيف تحوّل مقتل شرطيّة فرنسيّة إلى تصعيد للحملة على الإسلام والمسلمين؟

أحكام جاهزة يطلقها سياسيون وصحافيون ومفكرون يرون في البعد الإسلامي سنداً لأي جريمة أو هجوم، ما...

ماذا لو لم تنتصر المقاومة في العام 2006 ولم تحمِ لبنان من الإرهاب؟

15 عاماً على هزيمة "إسرائيل" في العام 2006 وإفشال الهجمة الإرهابية – التكفيرية، ولسان حال أعداء...

قاموس اليأس كمقدّمة للتحكّم بلبنان

القاموس اللبناني فقد مفردات تعكس الأمل والتفاؤل، لتحلّ محلها تعابير سلبية يتقاطع فيها الإحباط مع...

اعتراف ماكرون بتعذيب علي بومنجل وقتله يكشف تاريخ الكذب الفرنسيّ

الرئاسة الفرنسية، وإن كانت خطت في اتجاه إيجابي، إلا أنَّ الباحثين الجزائريين في موضوع حقبة...

الاعتداءات الجنسية على القاصرين تُسائل القيم الفرنسية وتهزّ المجتمع

النسب التي تتحدث عن الاعتداءات الجنسية زلزلت علماء النفس والاجتماع، نظراً إلى حجمها ونوعيتها...

نوبل للسّلام ومنافسة الهُويات المتناقضة

تبدو بعض أسماء المرشحين والمرشحات مستفزة، إلى درجة أن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان اعتبروا...