"الإرهاب"... نحو مساءلة في المصطلح

يبدو أنَّ النزعة إلى توجيه تهمة الإرهاب باتجاه القوى في محور المقاومة قد تتخذ هيئة التجاذب والأخذ والرد، وفقاً لتعاطي تلك القوى مع ملفات المنطقة.

  • حالات العنف والقتل لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تحدث في دول مختلفة حول العالم
    حالات العنف والقتل لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تحدث في دول مختلفة حول العالم

لا يكاد يمرّ أسبوع من دون الإعلان عن عمليات إطلاق نار في الولايات المتحدة ومقتل عدد من المدنيين جراءها، والتي تنفذها الشرطة الأميركية بحقّ مواطنين أميركيين أو أشخاص غالباً ما يطلق عليهم وصف "المرضى النفسيين". وقد كان آخرها الحادثة التي شهدتها مدينة إنديانابوليس، والتي راح ضحيّتها 8 من المارة، إضافةً إلى عدد من الجرحى، مع انتحار مطلق النار.

في الواقع، إنَّ حالات العنف والقتل لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تحدث في دول مختلفة حول العالم، ولا سيّما في الغرب. الأمر الذي يعنينا في هذه السطور، والموضوع الذي يمثّل مربط الفرس، هو نعت تلك العمليّات بـ"الفردية"، والإشارة إلى كونها ناتجة من "العنصرية" أو "المرض النفسي"، ولكن لو نفذها فرد "مسلم" أو "شرق أوسطي" لا يتوانى الإعلام وسلطات القرار الغربية عن صبغها بعنوان "الإرهاب"، من دون مساحة للتردّد أو المساءلة أو انتظار التحقيق. 

من المعلوم بدايةً أنَّ مصطلح "الإرهاب" لم يحظَ حتى الآن بحدّ جامع مانع من قبل دوائر القرار والمؤسسات الدولية في العالم، وذلك لاشتماله عند تعريفه على أغيار لم يرد الغرب خصّهم به. على مستوى التعريف، بعض العمليات التي تشنها الولايات المتحدة أو الكيان الصّهيوني أو حلف شمال الأطلسي (الناتو) تشكل مصاديق لتعريف "الإرهاب"، ما يجعلهم جميعاً صنواً في عملياتهم تلك مع من يسعون لمحاربتهم تحت مسمى ذلك المصطلح الذي اختصّ عرفاً بالمسلمين.

في الواقع، لا بدّ من الإشارة إلى أن مصطلح "الإرهاب" له صدى إسلامي ممتدّ من القرآن الكريم في الآية: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [سورة الأنفال: 60]، ولكن، بحسب الواقع والعرف والاستخدام، بل أكثر من ذلك من حيثية المطابقة مع ما قد يكون واقعاً، حاد المصطلح عن معناه الأول، وأضحى يصحّ عليه ما يصطلح على تحديده، وفقاً للمنطق الصوري، بـ"المنقول" المنطقي بنسبة كبيرة، أي ما كان يستخدم في معنى محدد، ثم نقل للاستخدام في معنى آخر بعد هجر المعنى الأول، من مثل مصطلح "الصلاة" الذي يعني مطلق الدعاء، ولكنه هجر معناه الأول، وبات يستخدم خصوصاً في الأعمال الطقسية المعروفة، أو مصطلح "الحج"، ويعني مطلق القصد إلى مكان محدّد، ولكنه هجر معناه الأول أيضاً، وانتقل لتحديد معنى الشعيرة المعروفة، ولم يعد يستخدم في معناه الأول إلا لماماً.

بهذا، بات "الإرهاب"، وبالنقل المنطقي، يعبر عن أعمال "جرمية" تتخذ طابع الهجوم على المدنيين أو الجهات المعادية، من دون الدخول في إطار تعريف هذا المصطلح، لما له من دلالات شتى تؤشر إلى معان ومدلولات لم يتأتَّ لمؤسسات دولية وصناع سياسات الخروج بمعنى أو تحديد مفيد له أو معبر عنه بطريقة أو بأخرى.

ومن اللافت في هذا الإطار أنّ الكيانات والجماعات المتلبّسة بهذا العنوان، والتي يصدق عليها حال "الإرهاب"، بما بات يُطلق على مستوى العرف والعادة، مثل "داعش" و"النصرة"، أضحت ترفض هذا التعريف، وباتت تحاول النأي عن معانيه بطريقة أو بأخرى، لما له من حمولة عرفية ثقيلة تؤكّد نفي هذا المصطلح وانتقاله إلى معانٍ توحي بالشر والعداء للإنسانية.

من هنا، وللتّخصيص، نأتي إلى الإدارات الأميركيّة وعلاقتها بمن تُطلق عليهم عرفاً اسم الإرهاب، ويصدق عليهم هذا المصطلح، بما له من صدى، وعلى مستوى التلبس به، ومن تستخدمه دوائر القرار في الولايات المتحدة والغرب عموماً ضدهم كدعاية وبروباغندا، سعياً لشيطنتهم وتشويه سمعتهم. وفي الغالب، بحسب الحصر العقلي، يدين كلا الفريقين بـ"الإسلام" ديناً.

ولمزيد من التأطير، نبدأ بموقف إدارة أوباما التي تبنت القوة الناعمة كسمة استراتيجية معبرة عن سياساتها في العالم على وجه العموم، وفي الدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص، والتي اقتضت بهذا التبني إبعاد نير الأكلاف المادية المباشرة عن كيانها وجنودها وثرواتها، وجعل الجاذبية والتأثير مع الدعم اللوجستي المالي والإعلامي والسياسي والاجتماعي عناوين للتغيير في المجتمعات المستهدفة، وبلورة العداء بين المسلمين أنفسهم، وفقاً لتقسيمهم بين مسلمين معتدلين ومسلمين راديكاليين، أو بمعنى آخر "إرهابيين".

ولم تتوانَ إدارة أوباما، بحسب تصريحات الرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب، عن صناعة تنظيم "داعش" ودعمه وتعزيزه، وترسيخ مفهوم "الإرهاب" فيه وبما يمثله، سعياً إلى تنفيذ أجندة البيت الأبيض في المنطقة، وخدمة لمصالحها ومصالح الصهاينة على وجه الخصوص.

بعدها، نأتي إلى موقف إدارة جو بايدن الذي صرح مؤخراً أن عداء الولايات المتحدة سيتركز أساساً على الصين وروسيا، لنسأل عن طبيعة علاقة إدارته بما يصدق عليهم عرفاً مصطلح الإرهاب، ومن صنّفتهم إدارات أميركية حالية وسابقة زوراً بالإرهابيين، مع الأخذ بالاعتبار أنَّ نحت جواب واضح محدّد يعتمد عليه في تعزيز المعنى المتكامل لمفهوم "الإرهاب" وعلاقة إدارة بايدن به قد يكون من المبكر استجلاؤه، لقصر مدة تسلم هذه الإدارة سدة السلطة في البيت الأبيض، لكن أخذاً بما هو متاح قد يمكن استجلاء نوع من الإجابة الأولية عن هذا الاستفهام.

ذكر أوباما عند اغتيال أسامة بن لادن أن "خطر القاعدة انحسر كثيراً عن الولايات المتحدة". نظر بعضهم إلى هذه العبارة نظرة سخرية بعد بروز "داعش" و"النصرة" وأشباههما، لكن، إن أخذنا بما قدمناه، وبما بات معروفاً من كلام ترامب عن تأثير إدارة أوباما في وجود هذين الفريقين، فلن يكون أوباما قد جانب الصواب تماماً بكلامه عن ابن لادن و"القاعدة"، على اعتبار أنّ امتداد الأخيرة الإرهابي اتخذ شكل التبعية المطلقة للولايات المتحدة، تنفيذاً لأجنداتها، وعملاً وفق خططها التكتيكية والاستراتيجية وما جرى من قولبة شكل أبو محمد الجولاني في مقابلته الأخيرة، وما أعلن عن عمل الخليفة الداعشي أبو محمد القرشي كمخبر لدى الاستخبارات الأميركية. وفي ذلك خير دليل على ما نقول.

أمّا في ما يعني الجهات والتيارات والقوى التي تستخدم بحقها دوائر القرار وصناع السياسات الأميركية ظلماً وبهتاناً وزوراً مصطلح "الإرهاب"، فكيف ستكون علاقة إدارة بايدن بها؟ في البدء، لا يمكننا أن نمر مرور الكرام على تصنيف إدارة ترامب في أواخر أيامها "أنصار الله" حركة إرهابية، وهو الأمر الذي تراجع عنه بايدن منذ الأيام الأولى من ولايته...

وعليه، يبدو أنَّ النزعة إلى توجيه تهمة الإرهاب باتجاه القوى في محور المقاومة قد تتخذ هيئة التجاذب والأخذ والرد، وفقاً لتعاطي تلك القوى مع ملفات المنطقة. أما استراتيجية بايدن تجاه محور المقاومة، فلا يمكن أن يطمئنّ المرء إلى وجود تغيير جذري في علاقتها به، على الرغم من التقدم الذي تشهده المفاوضات حول الكثير من الملفات، على رأسها الملف النووي الإيراني.

أمّا على مستوى ما يتّخذ شكل العقوبات وفق عدّة عناوين، منها وسم إدارة بايدن بعض الكيانات والأفراد بالإرهاب، فقد يصدق عليه أنّ هذا المصطلح اتّسع برغبة من الولايات المتحدة، وتنفيذاً لمآربها ومصالحها، وبات مطاطياً، لتنعت به من تشاء وكما ما تريد... وهو الأمر الّذي يوجب على قوى محور المقاومة أن تسعى إعلامياً على أقل تقدير في تفصيل معنى مصطلح الإرهاب وتحديده وما ينطبق عليه ويؤشر له، مع شموله الاستهدافات العدوانية "الإرهابية" لقوى الولايات المتحدة و"إسرائيل" وشمال الأطلسي (الناتو) وقوى التحالف معهم، لتعزيز الخطاب المواجه لخطاب تلك القوى، سعياً إلى تسمية الأمور بمسمّياتها الجدّية والفعليّة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نزار عثمان

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

"هبّة القدس".. الخيار مقاومة

أمام "هبّة القدس"، لا يستطيع المرء إلا أن يكتب بقلبه قبل عقله، وربما حياديته، فالحياد في هذه...

الانسحاب من أفغانستان.. هل يحمل نذر استثمار أميركيّ في "الإرهاب"؟

قد يكون من الصعوبة بمكان قراءة الاستراتيجية الأميركية التي يمكن أن يسعى بايدن لتمريرها وتنفيذها،...

هل انتهت "صفقة القرن" فعلاً؟

يبدو أن "صفقة القرن" خبت على مستوى الإعلام بنسبة كبيرة، وفي دوائر القرار بنسبة أقل، لكنها لم...

قراءة في الرؤية الروسية للسياسة الدولية

القادة الروس ومَن يقدّمون المشورة لهم يرون الصين كقوّة عالمية صاعِدة. ويعتقدون أنه لا يمكن حل...