"هبّة القدس".. الخيار مقاومة

أمام "هبّة القدس"، لا يستطيع المرء إلا أن يكتب بقلبه قبل عقله، وربما حياديته، فالحياد في هذه المواقع خيانة. هذه الهبة تظهر اليوم كخيار لا يدافع عن فلسطين والقدس فحسب، بل يدافع عن المقاومة كخيار.

  • أمام
    أمام "هبّة القدس"، لا يستطيع المرء إلا أن يكتب بقلبه قبل عقله

بدت الحالة في الأشهر القليلة من عمر ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وكأنّها تحمل في طياتها عاصفة سوداء سُلّطت على منطقتنا، عنوانها التطبيع و"صفقة القرن". في الواقع، الفاعل في هذه العاصفة، إضافةً إلى الإيعاز الأميركي والدعم الصهيوني، كان يتمثّل بدول عربية ارتضت لنفسها التبعية لإرادة ترامب الّذي أعطى كلّ ما يستطيع دعماً لـ"إسرائيل"، بعد أن حرم دعم اللوبي الصهيوني في انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2016، سعياً لنيل دعمه وتأييده في الانتخابات الأخيرة التي لم ينل حظّ الفوز فيها.

اللافت في تلك المرحلة أنّ حمى التطبيع تجاوزت بطريقة أو بأخرى بعض الزعامات، لتنال مكانتها لدى بعض الشعوب، أو هكذا أريد للأمر أن يظهر، من خلال الجيوش الإلكترونية ومراصد الرأي العام، ولا سيما في بعض الدول العربية في الخليج الفارسي.

وقد ظهر الأمر في وسوم، من مثل "فلسطين ليست قضيتي"، أو من خلال مقالات نُشرت في كبرى الصحف الخليجية التي تعلن صراحة أنَّ بيت المقدس مقرّه جزيرة العرب، وليس فلسطين، معتمدة على بعض الروايات المكذوبة التي لا يعتدّ بمتنها ولا بمصادرها.

يبدو، بحسب الواقع، أن حالة التسارع باتجاه التطبيع من قبل عدة أنظمة عربية أدت إلى حالة من الإحباط في الشارع العربي المراهن دوماً على المقاومة كخيار لا بديل منه لتحرير المقدسات والأراضي المحتلة في فلسطين والجولان، على الرغم من الأبواق التي روّجت للتطبيع بوصفه "باباً للسمن والعسل، والراحة والبحبوحة، والحماية والأمن".

سعت أبواق الفتنة هذه ومن يقف خلفها من مموّلين، إلى بناء هيكل من وهم قوامه أسس ثلاثة؛ الأول اتخاذ ذريعة أمام شعوبهم بأنَّ الجمهورية الإسلامية في إيران تمثل خطراً على قيمهم ومفاهيمهم، وعملهم في ذلك على توظيف الحيز المذهبي البغيض، والثاني هو الترويج المزور لأحقية اليهود والصهاينة بالقدس وفلسطين، على اعتبار أنَّ هذا الأمر وعد إلهيّ، والعمل على إحياء الصيغة "الإبراهيمية" لإثبات القرابة مع الصهاينة، وأنهم أبناء عمّ. 

أما الثالث، فيتمثل في أن الخلاف مع الصهاينة مرحلي، وقد طال به الزمان، وبالتالي، ووفقاً لما تقتضيه الذرائعية البراغماتية من حلول، لا بدَّ من الأخذ بما هو متاح من حلول، لأنَّ للصهاينة حضوراً بارزاً في الخارطة العالمية للمصالح ورؤوس الأموال والسيطرة على دوائر القرار الدولية، من خلال اللوبيات المختلفة والمؤسسات الإعلامية الضخمة، متناسين أنَّهم بذلك يضربون معاني القيم التاريخية والإرث الحضاري والديني للعرب.

لن ندخل في هذه العجالة في نقاش هذه الأسس الثلاثة لوهنها، لكنها بأسلوب أو بآخر فعلت فعلها لدى رؤوس التطبيع من الأعراب وأتباعهم من المستفيدين والأبواق والتابعين، ممن اختلط عليهم الأمر وتأثروا بالبروباغندا المستشرية كالحمى، الأمر الّذي انعكس بنوع من تزييف الوعي وطرح الأمثولات الترويجيّة التي يسوقها المال الخليجي، من خلال المؤسَّسات الإعلامية ذات الصّدى الواسع والانتشار الكبير، سعياً لخلق رأي عام مناهض لمفهوم المقاومة، وعملاً لتشريع العمالة بأبشع معانيها تحت مسمّيات وطروحات وتبريرات، سعى طارحوها إلى إلباسها ثوب المنطق والواقعية والعقلانية والاعتدال.

أدى هذا الترويج لانقسام حادّ، أو هكذا أريد له أن يكون، من قبل المؤثرات الإعلامية، من مؤسسات وفضائيات وجيوش إلكترونية وغيرها، إلى تحديد معسكرين؛ تميز الأول، في عرفهم، بكونه المعسكر "الواقعي"، وهو الذي ينظر إلى الكيان الصهيوني نظرة حميمة، وينفض يده من كل قيم العدالة والإنسانية، التي تقضي بعودة الأراضي المحتلة إلى أهلها الأصيلين، والمعسكر الآخر حالم مغامر تمثل، في عرفهم، بمحور المقاومة. 

أخذ الضخّ الإعلامي لذلك المحور وجه التهجّم على محور المقاومة، وكيل الاتهامات القائمة على التلفيق والاختلاق لمطامع تحاكم النيات وتجد صداها لدى أتباعهم في المنطقة، لإيجاد مساحة من التبرير لمواقفهم الخائنة التطبيعية. وقد جنّدوا في سبيل ذلك كل إمكانياتهم التأثيرية، ومن أبرزها التمويل غير المتناهي، متلاقين في ذلك مع الولايات المتحدة، التي أعلنت على لسان ديفيد هيل مدّ بعض الجمعيات غير الحكومية في لبنان بمبالغ تجاوزت المليارات من الدولارات، على سبيل المثال لا الحصر.

كلّ ذلك لمواجهة محور المقاومة الذي بات بمحركاته ودوافعه العقدية والعملانية لا يشكّل خطراً على الكيان الصهيوني فحسب، بل على مشيخات التطبيع أيضاً، عبر فضح ادّعاءاتهم وإظهار زيف مبتنياتهم الذاتية والموضوعية.

بهذا، بات اتخاذ خيار المقاومة في ظل هذه التبعية والتطبيع أشبه بسلوك وادٍ غير ذي زرع، وأضحى تحدياً يواجه من يتخذه صعوبات جمة، وشعر الفلسطيني بأنه منفرد ووحيد في مواجهة مد جارف قوامه إرادة الأميركي والصهيوني والمال العربي التطبيعي، لفرض أجندة وخيارات غير عادلة على القضية الفلسطينية، يعمل من خلالها على تأطير خريطة جديدة للمنطقة، عُنونت، كما هو معلوم، بـ"صفقة القرن"، الأمر الذي دفع الفلسطينيين بكل أفرقائهم وفصائلهم للاتجاه إلى الوحدة والمقاومة في مواجهة هذا المخطط. ولولا ما يمثله محور المقاومة، وعلى رأسه الجمهورية الإسلامية في إيران، من ثقل في الساحة الدولية، لشعر العربي، وخصوصاً الفلسطيني، كأنه يتيم على مأدبة اللئيم.

انتهت ولاية ترامب، وغابت "صفقة القرن" نسبياً عن المشهد بصيغتها الأولى، إلا أن الصهاينة لم يتوقّفوا عن هدم الممتلكات الفلسطينية في القدس والضفة وتهجير أهلها. واليوم، وأمام خيار الانتخابات، يسعى الصهاينة إلى استبعاد القدس منها، سعياً لتهويدها وصهينتها، فكان الخيار مقاومة شهدتها الأيام العشرة الأوائل من شهر رمضان المبارك.

ونأتي هنا إلى "هبة القدس"، وما ترافق معها من أصوات تدعو إلى تأجيل غير محدد المدة للانتخابات الفلسطينية، وعلى رأس المنادين بذلك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، رغم أن الواقع والتجربة يقولان إن الاستثمار في هذه الهبة المباركة كفيل بإنهاء الانقسام الفلسطيني عن طريق المقاومة، وقلب الطاولة على الإسرائيلي، وإجباره على الخنوع مرغماً، ولو بعد حين، والقبول بإجراء الانتخابات في القدس. أتى ذلك بالتوازي مع صدور تصريح للناطق باسم "حماس"، عبد اللطيف القانوع، بأن الحركة لن تكون جزءاً من تأجيل الانتخابات في فلسطين، فهل من يتّعظ؟

أمام "هبّة القدس"، لا يستطيع المرء إلا أن يكتب بقلبه قبل عقله، وربما حياديته، فالحياد في هذه المواقع خيانة. هذه الهبة تظهر اليوم كخيار لا يدافع عن فلسطين والقدس فحسب، بل يدافع عن المقاومة كخيار ومبدأ وأساس أيضاً... وعن وحدة الفلسطينيين كقدر مطلوب ومحتم، بل أكثر من ذلك، يدافع عن قيم ومثل العروبة الأصيلة والدين الحنيف، في وجه من يدّعي الانتماء إلى العروبة والدين اللذين زُيّفا بوعّاظ السلاطين وأبواق التطبيع... فضلاً عن وقوفها سداً مانعاً أمام طموحات الصهاينة والأميركيين، وأمام أي صيغة جديدة لما قد يكون "صفقة قرن" جديدة بحلة أخرى.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نزار عثمان

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

"الإرهاب"... نحو مساءلة في المصطلح

يبدو أنَّ النزعة إلى توجيه تهمة الإرهاب باتجاه القوى في محور المقاومة قد تتخذ هيئة التجاذب...

الانسحاب من أفغانستان.. هل يحمل نذر استثمار أميركيّ في "الإرهاب"؟

قد يكون من الصعوبة بمكان قراءة الاستراتيجية الأميركية التي يمكن أن يسعى بايدن لتمريرها وتنفيذها،...

هل انتهت "صفقة القرن" فعلاً؟

يبدو أن "صفقة القرن" خبت على مستوى الإعلام بنسبة كبيرة، وفي دوائر القرار بنسبة أقل، لكنها لم...

قراءة في الرؤية الروسية للسياسة الدولية

القادة الروس ومَن يقدّمون المشورة لهم يرون الصين كقوّة عالمية صاعِدة. ويعتقدون أنه لا يمكن حل...