تطوّر مقولات المستسلمين العرب عن مقاومة العدو الإسرائيلي

التطوّر في خطاب المستسلمين العرب، من "الصواريخ العبثية"، إلى "استفزاز إسرائيل"، إلى "العدوان على إسرائيل"، يعكس في الحقيقة التقدم المتواصل الذي تحقّقه قوى المقاومة الفلسطينية المسلّحة وفصائلها.

  • تطوّر مقولات المستسلمين العرب عن مقاومة العدو الإسرائيلي
    مع تطوّر صواريخ المقاومة ووصولها إلى العمق الصهيوني، تحول كلام المطبعين العرب إلى التحذير من "استفزاز إسرائيل".

إننا نتكلَّم هنا عن المغرضين، أصحاب الأجندات التطبيعية، ممن يتبنّون فلسفة الاستسلام للعدو الصهيوني، إمّا عن تصديقٍ واقتناع بتلك الفكرة "السلامية" تجاه "إسرائيل"، وإما ارتزاقاً ولقاء أجر.

في تسعينيات القرن الماضي، بعد اتفاقيتي "أوسلو" و"وادي عربة" اللتين سبقتهما اتفاقية "كامب ديفيد"، دخلت المنطقة العربية في جوّ "سلامي" طاغٍ، بعد أن أنجزت دول عربية رئيسية (مصر والأردن) معاهداتها مع الكيان الإسرائيلي، ومعها منظمة التحرير الفلسطينية.

في تلك المرحلة، كنا نسمع المطبّعين العرب، وأغلبهم من إعلاميّي نظام حسني مبارك، ومن الأردن، ومن فلسطين كذلك، يتوجهون إلى الشعب الفلسطيني بالقول: لا يوجد أمل من مقاومة "إسرائيل"، لأنها متفوقة بشكل ساحق وتام، ويستحيل التغلّب عليها، ومن يعمل لمقارعتها، فإنّه يحمل لوثة جنون أو يعيش في عالم الخيال والأوهام.

في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، وخصوصاً بعد طرد السلطة الفلسطينية من غزة وتحولها إلى معقل لفصائل المقاومة المسلحة، تغيَّرت نبرة المطبعين العرب، وصاروا يتكلّمون عن "عدم التكافؤ" في القوة بين "إسرائيل" والشعب الفلسطيني، ويشيرون إلى أن فصائل المقاومة المسلحة "لا تساوي شيئاً" قياساً بجبروت "الجيش" الإسرائيلي، وبالتالي إنّ المقاومة المسلحة فكرة سيئة، ولن تؤدي إلا إلى الويلات والدمار للشعب الفلسطيني.

ومع ثبات أقدام قوى المقاومة المسلحة في غزة، وتحسن قدراتها، وبدئها ببرامج إنتاج الأسلحة محلياً، صاروا يتكلَّمون باستخفاف شديد واستهزاء عن أسلحة المقاومة وتجهيزاتها في غزة، وصاروا يصفون الصواريخ التي بدأت بتصنيعها واستعمالها ضد العدو بأنها "مفرقعات نارية" و"ألعاب أطفال"!

وبعد أن تبيّن للجميع أن صواريخ المقاومة ليست مفرقعات أو ألعاباً، وأنها، على بساطتها، مؤذية للعدو وقادرة على الإضرار به، تغيّرت نبرة المطبعين العرب (وبدأت تنضم أصوات سعودية إلى زمرتهم)، وصار كلامهم يتمحور حول أن "الصواريخ عبثيّة"، لأنها غير دقيقة، ولا تخدم هدفاً عسكرياً، وأن "إسرائيل" قادرة على التصدي لها بسهولة، وبالتالي لن تحقّق أي إنجاز سوى الإضرار بالشعب الفلسطيني.

ومع التطوّر المستمرّ في كفاءة صواريخ المقاومة وإثبات قدرتها على الوصول إلى العمق الصهيوني، تحول كلام المطبعين العرب إلى التحذير من "استفزاز إسرائيل" ومخاطر ذلك على فلسطين والمنطقة كلها.

ومع الوقت، تغيرت نبرة كلامهم، وتحولوا إلى الردح لقوى المقاومة المسلحة علناً، وتوجيه شتى التهم إليها، من "التشيّع"، إلى "خدمة الأجندة الإيرانية"، إلى التآمر على الدول العربية... كشّروا عن أنيابهم، وانتقلوا إلى استراتيجية الهجوم الصريح عليها.

والآن، وفي ظلّ المواجهة الحالية المشتعلة في القدس وغزة مع العدو الإسرائيلي، فإن هؤلاء المستسلمين العرب، الذين صاروا في أغلبيتهم الساحقة من جماعة التطبيع في السعودية والخليج، انتقلوا إلى مرحلة جديدة، فصرنا نسمع كلاماً عن "العدوان الذي يشنّه الفلسطينيون على إسرائيل"، ممثلين بقواهم المسلّحة، حتى عدنا غير قادرين على التمييز بين كلام هؤلاء "العرب" وكلام أفيخاي أدرعي وقسم الدعاية في "جيش الدفاع الإسرائيلي"!

هذا التطوّر في خطاب المستسلمين العرب، من "لا أمل"، إلى "عدم التكافؤ"، إلى "المفرقعات النارية"، إلى "الصواريخ العبثية"، إلى "استفزاز إسرائيل"، إلى "العدوان على إسرائيل"، يعكس في الحقيقة التقدم المتواصل الذي تحقّقه قوى المقاومة الفلسطينية المسلّحة وفصائلها، والذي فرض حقائق جديدة على الأرض، وجعلهم يفقدون أعصابهم واتّزانهم.

المقاومة ماضية في طريقها بكل عزم وإصرار، وسوف تواصل مسيرها، وستتزايد قدراتها العسكرية وخبراتها القتالية بعد كلّ جولة مواجهة، وستكون مهمة المطبّعين العرب صعبة جداً في الإتيان بالمزيد والجديد من بروباغاندا الاستسلام، لأنَّ خطابهم الإعلامي وصل إلى الحضيض الذي ما بعده حضيض.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

فوز كاستيو في البيرو: هزيمة جديدة لأميركا

إننا نشهد اليوم موجة صعود ثانية وقوية لقوى اليسار والاشتراكية في مختلف أنحاء أميركا الوسطى...

الانتخابات في نظام الجمهورية الإسلامية

شهدت إيران 12 انتخابات رئاسية منذ العام 1979، أسفرت عن 7 رؤساء جمهورية، و11 انتخابات لمجلس...

من أيار 2000 إلى أيار 2021: ذلّ "إسرائيل"

ها نحن في أيار/مايو 2021، نرى ذلّ "إسرائيل" يتكرّر أمام أعيننا. نجحت غزة المحاصرة والمعزولة في...

خجلاً من تراثها الفاشيّ: "الكتائب" اللبنانية تغير اسمها!

بغضّ النظر عن الاسم، سواء كان "الفلانجة" أو "الكتائب" أو "الديمقراطي الاجتماعي"، فإن فاشية ذلك...

الحنين إلى الملَكيّات البائدة

حين قاد المرحوم جمال عبد الناصر بنجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر في العام 1952، كان يُطلق في...

أهمية التمسّك بالمبادئ في السياسة: أمثلة من العالم الحيّ

إنَّ إسقاط الحقّ التاريخيّ أمرٌ جلل، ومن العيب التعامل معه بذلك الاستخفاف الذي أظهره الجانب...