السوريون يثأرون: الأسد رئيساً للمرة الرابعة

كثيرون ممن راهنوا على سقوط الأسد خلال الحرب السورية، أُصيبوا بالخيبة بعد إعلان النتائج، لأنها أكدت أن الأسد بقي وهم رحلوا، وأن بقاءه جاء نتيجة تمسُّك الشعب السوري به أولاً، وبدعم حلفائه ثانياً، وليس العكس.

  • ما ظهر من إقبال جماهيري في معظم المناطق المحرَّرة السورية أكدت أن الشعب السوري كان يثأر لـ 11 سنة حرباً حرمته متعة الحياة
    ما ظهر من إقبال جماهيري في معظم المناطق المحرَّرة السورية أكدت أن الشعب السوري كان يثأر لـ 11 سنة حرباً حرمته متعة الحياة

فوز الرئيس بشار الأسد بولاية رابعة، هزيمة أخرى مدوية، ولعلها توازي دويَّ صواريخ غزة التي سقطت على "تل أبيب"، في مفاعيلها السياسية والمعنوية لدى العدو الصهيونيّ وحلفائه من الأقربين والأبعدين.

قد يقول قائل إن النتيجة كانت محسومة، بما أن الرئيس الأسد ما زال على رأس السلطة، وفي إمكانه تنظيم الانتخابات والإتيان بالنتائج التي يريدها. لكنّ ما ظهر من إقبال جماهيري في معظم المناطق المحرَّرة السورية، ونسبة المشاركة في التصويت والتي بلغت 78.6% (منحته 95.1% أي 13 مليوناً وأكثر من 540 ألف صوت من أصل 18 مليون سوري يحق لهم الاقتراع)، ومشاركة كل الفئات العمرية من سن 18 وما فوق، والاحتفالات الشعبية التي عمَّت معظم ساحات المحافظات على نحو غير مسبوق حتى ساعات الصباح، أكدت أن الشعب السوري كان يثأر لـ 11 سنة حرباً حرمته متعة الحياة، ودمَّرت ما دمرت من بشر وحجر. وجاءت بمثابة إعلان نصر نهائي على أعداء سوريا، لأنه لم يكن المقصود تفتيت سوريا من خلال "الثورة المزعومة" فحسب، بل تفتيت المقسَّم في المنطقة، وتقسيمه.

وكثيرون ممن راهنوا على سقوط الأسد خلال الحرب السورية، أُصيبوا بالخيبة بعد إعلان النتائج، لأنها أكدت أن الأسد بقي وهم رحلوا، وأن بقاءه جاء نتيجة تمسُّك الشعب السوري به أولاً، وبدعم حلفائه ثانياً، وليس العكس. والمخيّب لآمالهم أيضاً هو تزامن انتصار غزة على الكيان الصهيوني مع فوز الأسد، ليُحدثا تطوراً دراماتيكياً على مستوى القيادات السياسية الصهيونية والغربية، على حد سواء.

مصادفة الانتصارين في غزة وسوريا، ليست زمنية فحسب، ترتبط بالمكان والزمان، بل بمفاعيلهما الإيجابية على محور الممانعة، وهي تؤكد أن قوس صعود الانتصار بدأ بانتصار عام 2000 في لبنان، مروراً بحرب تموز/يوليو عام 2006، وصولاً إلى انتصار غزة عام 2021، وصمود الشعب السوري وانتصاره بانتخابه الرئيس بشار الأسد، وتأكيد شرعيته وزعامته التاريخية، والتي كرَّسته رئيساً لولاية رابعة تمتد إلى سبع سنوات، أي حتى عام 2028.

هذه الانتصارات المتتالية، بعثت وتبعث رسائل إلى كل من حاولوا النيل من السوريين، وهم يشكلون الجبهة المقابلة، والتي تمتدّ من واشنطن إلى الكيان الصهيوني، مروراً بالاتحاد الأوروبي، وحلفائهم. أُولى هذه الرسائل أن المحور بات أقوى بفعل التصاق الشعوب الموالية له وثقتها بقادته، الذين أثبتت التجارب الماضية أنهم ثابتون ويتمتعون برؤية قلّ ما أخطأت، وحساباتهم كانت مربحة وصحيحة.

وثانيتُها الانتصارات المتتالية، والتي ذكرناها أعلاه، بالإضافة إلى قوته العسكرية، والتي باتت أقوى.

وثالثتُها إيمان هذه الشعوب بأن خياراتها ورهاناتها كانت صحيحة بالرغم من محاولات الحصار والتجويع والقتل. فالمحور المعادي لم يعدَمْ وسيلة إلا واستعملها، بما فيها "مسرحيات الهجوم الكيميائي" في دوما وخان شيخون وغيرهما من المناطق، والتي أثبتت التحقيقات العالمية والإعلامية أنها لعبة من لُعَب المخابرات البريطانية والأميركية، قامت بها "منظمة الخوذ البيضاء" وسرعان ما انكشفت بالوثائق والأدلة، ناهيك بكل أنواع الأسلحة الفتّاكة والمدمّرة، والتي استعملت في حرب سوريا وحرب عام 2006 في لبنان. 

الرسالة الرابعة مفادها أن المحور بات متماسكاً أكثر من ذي قبل، وأن أي معركة قادمة في أي جبهة سيكون الرد عليها من جانب المحور مجتمعاً، كل بحسب إمكاناته، وبحسب الدور المنوط به، إن كان سياسياً أو عسكرياً أو إعلامياً.

الرسالة الخامسة تتمحور حول ما أكدته خطابات النصر، من قيادات المقاومة في غزة وقيادات الممانعة، عبر التنسيق والإدارة، الأمر الذي جعل الكيان الصهيوني والقيادة الأميركية يعيدان حساباتهما، مرة تلو الأخرى. وهذا يعني أن ما كان قبل حرب غزة الأخيرة لم يعد كما كان من قبل، فتوحُّد القيادات ضمن غرفة عمليات واحدة لإدارة المعارك القادمة بات جاهزاً.

سادستها أن سوريا، بقيادة الأسد، والرسائل التي بعثها عبر الوفد الفلسطيني المشترك إلى حركة "حماس"، تعني أن سوريا في حالة الاستقرار، وبعد حلحلة الوضع الاقتصادي، سيكون في مقدورها أن تساهم أكثر في "تشبيك" قوى المقاومة، بعضها مع بعض، وتوسيع قواعدها اللوجستية، بحيث لا تقتصر على أرض غزة والجنوب اللبناني، بل تمتد إلى العاصمة دمشق، بما تمثله من قاعدة تاريخية لرفد العمل الثوري والمقاوم في المنطقة.

كثيرة هي الدلالات، والأيام القادمة كفيلة بتظهير معظمها، وخصوصاً بعد عودة الحركة الدبلوماسية إلى سوريا، والاتصالات العربية والغربية بالقيادة السورية، تحت الطاولة وفوقها، من أجل إعادة العلاقات على كل الأصعدة.

آن الأوان للذين راهنوا على سقوط سوريا أن يروا بأعينهم وأن يلمسوا بأيديهم، أنه لا يمكن الرهان على الأعداء من الصهاينة والأميركيين والأوروبيين، ومن المتعاملين معهم. وأثبتت التجارب أن الرهان عليهم يعني زيادة الدعم للصهاينة، والهزيمة لهم ولشعوبهم. فهذه هي حقيقة التاريخ والجغرافيا، وهذه ما شهدت به الأعوام الماضية. فالمشاريع الصهيونية، من ترحيل المسيحيين في إبّان الحرب الأهلية اللبنانية، إلى توطين الفلسطينيين، إلى إعادة تشكيل الديموغرافية اللبنانية من خلال النازحين السوريين، واستحدامهم وَقوداً للفتن، ما هي إلا تأكيد للخبث الغربي والخبث الصهيوني من أجل القضاء على أمتنا، واستغلال ثرواتها، وإحكام السيطرة عليها، واستعبادها... عودوا إلى رشدكم رحمة بأبنائكم والأجيال القادمة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أكرم بزي

كاتب لبناني

إقرأ للكاتب

هارفارد: آن الأوان لتأديب "إسرائيل"

يبدو أن الماكينة الإعلامية في إدارة البيت الأبيض أعطت الإشارة لبعض كتّابها، بالإضافة إلى نخبة من...

الاحتلال الإسرائيلي يخسر معركة الرأي العام في الداخل والخارج

مرة أخرى، هُزم الكيان الصهيوني، وأثبتت مقاومة الشّعوب أنّ مقولات "العين تقاوم المخرز"، و"صاحب...

المقاومة الفلسطينية تقلب مفاهيم الوعي رأساً على عَقِب!

ما يجري الآن في فلسطين، بالرغم من قساوة المشاهد الآتية من هناك والتدمير والقتل الممنهجين...

المقاومة الفلسطينية تحفر في الوعي: النصر والتحرير آتيان

استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تراكم الكثير من الخبرات القتالية والصاروخية و"العقول الإلكترونية".

الذكاء الاصطناعيّ ومصادرة عقول البشر!

بات الفاصل بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي شبه معدوم، لاختلاطهما في أساسيات العيش في...

الاتفاق الصيني الإيراني: صفعة القرن!

شكَّل موقع إيران الجغرافي نقطة محوريّة من حيث الامتدادات الجيوسياسية من محاور لا تقل أهمية عن...