الثلاثي الصهيوني - التايواني – الأبارثايد: تشابُه النشأة وحتمية الزوال

كما تحالفت الأنظمة الثلاثة المصطنعة مع بعضها البعض، كذلك فعلَ أعداؤها! فصارت العلاقات وثيقة بين كل من الثورة الفلسطينية ومنظماتها الفدائية، والمؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة مانديلا، والصين الشيوعية بزعامة ماو تسي تونغ.

  • نظام الأبارثايد (العنصري) في جنوب أفريقيا نشأ عام 1948
    نظام الأبارثايد (العنصري) في جنوب أفريقيا نشأ عام 1948

في اللحظة التاريخية ذاتها، ولدت 3 أنظمة معاً في أواخر أربعينيات القرن الماضي. ورغم البعد الجغرافي الهائل بينها، واختلافها في العِرق والدين، فإنَّ ملامح التشابه بينها كثيرة جداً. كتوأمٍ ثلاثيّ كانوا:

النظام الصهيوني (إسرائيل) في فلسطين – 1948.

نظام الأبارثايد (العنصري) في جنوب أفريقيا – 1948.

نظام الكومينتانغ (الصيني) في تايوان – 1949.

أهم تلك الملامح هي عزلة تلك "الدول" الجديدة عن المحيط الإقليمي. إنها "دول" غير طبيعية، ولم تنشأ نتيجة نمو وتطور عادي لمجتمع بشري، بل تم تصنيعها وإنتاجها بشكل قسريّ، وولدت قيصرياً، وبقدر كبير من التآمر والترتيبات المشبوهة من طرف قوى استعمارية غربية، بريطانيا أولاً، ثم أميركا.

لن نتكلّم كثيراً عن "إسرائيل" وظروف تأسيسها في فلسطين، فذلك معروف تماماً، وسنكتفي بالإشارة إلى أنها ولدت ككيانٍ مكروهٍ من كل محيطه وجيرانه الذين رأوا فيه عدواً ضاغطاً ومهدّداً ومخلباً للقوى الاستعمارية الغربية. 

أمّا دولة الأبارثايد في جنوب أفريقيا، فقد نشأت رسمياً في العام 1948، عندما أقرّ حزب المستعمرين البيض فيها (يسمي نفسه "الحزب الوطني") حزمة القوانين العنصرية، وبدأ بتطبيقها على أغلبية أهل البلد من الأفارقة. قبل ذلك، كانت هناك ممارسات عنصرية منذ أيام الحكم البريطاني المباشر في جنوب أفريقيا، ولكنَّها لم تكن سياسة معلنة ومكتوبة، إلى أن جاء حزب "الأفريكانو" البيض، ليجعل جنوبَ أفريقيا نظامَ فصلٍ عنصريّ معلناً وبلا مواربة. 

طبعاً، إنّ دولة جنوب أفريقيا الغنية بمواردها وموقعها الاستراتيجي تحوّلت سريعاً إلى حليفٍ وثيق الصلة بقوى الاستعمار القديم / الجديد في الغرب (وخصوصاً الأوساط اليمينية فيه، كحزب المحافظين البريطاني والحزب الجمهوري الأميركي)، التي رأت فيها حليفاً صلباً في معركتها ضد الشيوعية في العالم، وضد قوى التحرر الأفريقية الساعية للانعتاق من الاستعمار والعبودية في بقية أنحاء القارة. وصارت الأقليّة البيضاء الحاكمة، بالتعاون مع شركات غربيّة، تنهب ثروات البلد من الذهب واليورانيوم، وتحوّلها بطرق التفافيّة إلى أوروبا وأميركا.

أما تايوان، فإنَّها نشأت كنتيجة للحرب الأهلية المريرة في البرّ الصيني بين نظام الكومينتانغ بزعامة تشيانغ كاي شيك الموجود في السلطة منذ العام 1927 من جهة، والحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماو تسي تونغ من جهة أخرى. 

بعد 4 سنوات ونصف السنة من الصراع الدامي (1945-1949)، تعرَّض نظام الكومينتانغ للهزيمة، فما كان من تشيانغ كاي شيك إلا أن جمع بقايا قواته وفلول نظامه، وهربوا بشكل جماعيّ من البلد، واستقروا في تلك الجزيرة المواجهة للبر الصيني، تايوان، وأقاموا فيها نظاماً رأسمالياً مرتبطاً بقوى الغرب، وخصوصاً أميركا، التي رأت فيها بؤرة وقاعدة مستقبلية يمكن الاستثمار فيها لتهديد استقرار النظام الشيوعي في الصين الكبرى وزعزعته، ومنع نموها كقوةٍ عظمى، بل ومحاولة تقسيمها. بسطت أميركا حمايتها على تايوان، وأعلنتها خطاً أحمر، وأعلمت الصين الكبرى بأنها لن تسمح لها بإعادة ضمّها.

 كان التهديد الأميركي للصين جدياً إلى أقصى مدى، ومدعوماً بالأساطيل وحاملات الطائرات، في إشارةٍ إلى الصين بأنَّها مستعدة للذهاب حتى إلى الحرب الشاملة دفاعاً عن تايوان ونظامها التابع. لم تكتفِ أميركا بذلك، بل منحت نظام تايوان، الَّذي أطلقت عليه مُسمى "جمهورية الصين"، مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي، باعتباره ممثلاً للأمة الصينية (رغم أنه لا يمثل سوى 1.5% من الشعب الصيني)! 

ولم تبالِ أميركا حتى بالشكليات "الديمقراطية" للنظام التابع في تايوان، واحتضنته رغم ديكتاتوريته شبه الفاشية (استمرّ حكم تشيانغ كاي شيك وعائلته وحاشيته في تايوان طيلة 47 عاماً من دون انتخاب، حتى العام 1996، حين نظمت أول انتخابات رئاسية فيها).

الأنظمة الثلاثة المصطنعة والمقحَمة في ظروف غير طبيعية في محيطها، كان لا بد من أن "تكتشف" بعضها البعض. حصل ذلك سريعاً، فقد صارت تعاني من أوضاع متشابهة كثيراً؛ رفض من محيطها، واعتماد على أميركا، وشرعية تستندُ إلى القوة وفرض الأمر الواقع. 

ورغم بعد المسافات بينها، فإن العلاقات بين الثلاثي المصطنع بدأت تتسارع بوتيرة عالية، وتوثقت حتى وصلت إلى حدها الأقصى: التّعاون في المجال النووي! فنظراً إلى الخوف من محيطها الكبير الرافض لها، والقلق المتعمّق في أوصالها بشأن مستقبلها واستمراريتها، اعتبرت الجهات الحاكمة فيها أن السلاح النووي قد يكون الأمل والخلاص لها كوسيلة تهدد بها جيرانها وتردعهم. 

في العام 1981، استخدم الباحث الأكاديمي روبرت هاركافي وصْفَ "الدول المنبوذة" (Pariah States) في بحثه المهم بخصوص التعاون النووي المتصاعد بين الثلاثي "إسرائيل" – تايوان - جنوب أفريقيا، والصادر عن جامعة "وسكاونسن" الأميركية. كذلك، أشارت جريدة "نيويورك تايمز"، الصهيونية الهوى، في مقالها المنشور بتاريخ 28 حزيران/يونيو 1981، إلى أن وصف الدول المنبوذة (للإشارة إلى قلة علاقاتها الدبلوماسية والرفض الذي تقابل به في العالم) بدأ يستخدم في الأوساط الغربية عند الكلام عن التعاون المتصاعد في مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والتكنولوجيا النووية بين "دول المثلث" (triangular relationship) الإسرائيلي - التايواني - الجنوب أفريقي. وقالت الصحيفة، استناداً الى مصادر استخبارية، إنّ "إسرائيل" تتعاون مع تايوان لإنتاج صاروخ قادر على حمل رؤوس نووية، وإن نظام جنوب أفريقيا هو مصدر اليورانيوم لهم جميعاً. 

وكما تحالفت الأنظمة الثلاثة المصطنعة مع بعضها البعض، كذلك فعلَ أعداؤها! فصارت العلاقات وثيقة بين كل من الثورة الفلسطينية ومنظماتها الفدائية، والمؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة مانديلا، والصين الشيوعية بزعامة ماو تسي تونغ.

وفي آذار/مارس من العام 1965، استقبل ماو وفداً من منظمة التحرير الفلسطينية في بكين، وخاطبهم قائلاً إن "الإمبريالية تخاف من الصين والعرب، وإسرائيل وجمهورية تايوان أساسيتان للإمبريالية في آسيا، وأنتم البوابة الأمامية للقارة الكبرى، ونحن من خلفكم. لقد خلقوا إسرائيل من أجلكم، وتايوان من أجلنا. الغرب لا يحبّنا. يجب أن نفهم هذه الحقيقة. المعركة العربية ضد الغرب هي المعركة ضد إسرائيل".

وفي مناسبة أخرى، قال ماو: "نحن ندعم الفلسطينيين. يجب أن يعود العرب الفلسطينيون إلى وطنهم. ليست لدينا علاقات دبلوماسية مع الحكومة الإسرائيلية. العرب هم الأغلبية الساحقة، وكل الشعوب العربية تعارض طرد مواطنيها العرب من فلسطين. ما لم نقف إلى جانبهم، فسوف نرتكب خطأً كبيراً. لهذا السبب نحن معهم، لكن الأمر لا يتعلق فقط بإسرائيل، بل بمن يقف وراءها. لذلك، فهي مسألة عالمية، وخصوصاً في ما يتعلّق بالولايات المتحدة الأميركية".

في بدايات تسعينيات القرن الماضي، سقط النظام العنصري في جنوب أفريقيا على يد المناضل نيلسون مانديلا ورفاقه من الأفارقة الأحرار. تبخّر نظام الأبارثايد، واختفى من الوجود وكأنه لم يكن! حصل ذلك بطريقة حضارية ليس فيها مذابح ولا سفك دماء، وقام مكانه نظام وطني حقيقي معبّر عن البلد وأهلها. 

وقد تخلَّت القوى الكبرى في الغرب عن نظام الأبارثايد وتركته يواجه مصيره البائس لأسباب كثيرة، أهمّها عنصريته الفجّة والصّارخة، والتي تجعل إمكانية الدفاع عنه أخلاقياً معدومة. كما أن القوى الحية والتقدمية في دول الغرب نفسه، ومعها أنصار الحرية حول العالم، شكّلت عنصراً ضاغطاً على حكومات أوروبا وأميركا، ما أجبرها في نهاية المطاف على التخلي عن النظام الذي صار ضرره عليها أكبر من نفعه.

وبقي النظامان الآخران من التوأم الثلاثي. أما تايوان، فإن الخناق عليها يضيق يوماً بعد آخر، والصين الكبرى لن تتركها، فهي مصممة على إعادة توحيد الجزيرة مع الوطن الأم. وبعد أن نجحت في استرجاع هونغ كونغ من بريطانيا قبل ربع قرن، لم يبق أمامها سوى تايوان، التي ليس لديها أي أمل واقعي في المستقبل كدولة مستقلة عن الصين. 

سوف تزول تايوان حتماً، إن لم يكن الآن، فبعد حين. كما أن "إسرائيل" سوف تزول. ليس هناك مستقبل للكيان الصهيوني. لم يعد لـ"إسرائيل" تلك الحظوة لدى الغرب، كما كان يحدث في السابق، وانكشفت عنصريتها، وانفضحت جرائمها أمام العالم الذي لم يعد مستعداً لتقبّل أنظمة احتلال واستعمار. 

ليس هذا كلام تمنيات أو إنشاء، بل إن بوادر التفكك بدأت تظهر على "إسرائيل" منذ حرب تموز/يوليو 2006، حين فشلت بشكلٍ مخزٍ في مواجهة المقاومة. وفي حرب غزة الأخيرة، ظهر ضعفها الداخلي وهشاشتها أمام الصّواريخ التي عطّلتها كلّها وأدخلتها إلى الملاجئ والخنادق. لن تقدر "إسرائيل" على الصمود في مواجهة قادمة أشد وأكبر مع محور المقاومة الذي يزداد قوة وعزماً في المنطقة. 

مضى زمن الصهاينة الأوائل المناضلين المؤدلجين؛ زمن موشيه ديان وبن غوريون وغولدا مائير. مضى ولن يعود. مضى زمن انتصاراتهم، وولّى إلى غير رجعة، وإنَّ الصّبح لناظره قريب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

في ذكرى حرب تموز 2006.. ترابط جبهات محور المقاومة بدأ مبكّراً

قوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد، "إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر...

أحمد جبريل.. الرجل الذي بقي وفياً للبندقيّة

لم تكبّله الأيديولوجيا، ولم يكن يميِّز بين إسلامي ويساري ووطني وقومي عربي، ما دامت فلسطين هي...

قراءة في نتائج الانتخابات الإيرانية

الآن، وقد فاز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، فإنه يواجه مهمة شاقة وعسيرة، تتمثل في إخراج...

فوز كاستيو في البيرو: هزيمة جديدة لأميركا

إننا نشهد اليوم موجة صعود ثانية وقوية لقوى اليسار والاشتراكية في مختلف أنحاء أميركا الوسطى...

الانتخابات في نظام الجمهورية الإسلامية

شهدت إيران 12 انتخابات رئاسية منذ العام 1979، أسفرت عن 7 رؤساء جمهورية، و11 انتخابات لمجلس...

من أيار 2000 إلى أيار 2021: ذلّ "إسرائيل"

ها نحن في أيار/مايو 2021، نرى ذلّ "إسرائيل" يتكرّر أمام أعيننا. نجحت غزة المحاصرة والمعزولة في...