استراتيجيّة "طالبان" في السيطرة على الحكم في أفغانستان

استطاعت حركة "طالبان" أن تصمد في وجه المؤثرات الأميركية، بعد أن تحققت "القوة العظمى" من استحالة إقصائها من المشهد السياسي الأفغاني.

  • استطاعت حركة
    استطاعت حركة "طالبان" أن تصمد في وجه المؤثرات الأميركية

سيطرت حركة "طالبان" على أجزاء كبيرة من أفغانستان بعد الخروج المذلّ للقوات الأميركية. لم يكن ذلك ليحدث لولا "اتفاق الدوحة"، والذي خرجت بموجبه القوات الأميركية من الأراضي الأفغانية، نظراً إلى كلفة هذه الحرب الهائلة منذ العام 2001، حين غزاها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن بذريعة محاربة تنظيم "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن.

كانت "طالبان" في ذلك الوقت تسيطر على معظم أجزاء أفغانستان، بعد أن استولت عليها في العام 1996، وأعدمت رئيس البلاد نجيب الله، غير أن الولايات المتحدة الأميركية وقعت أيضاً في المستنقع الأفغاني، رغم القنابل الهائلة التي ألقتها على جبال تورا بورا للقضاء على هذه الجماعات، ولم تفلح في تحقيق أهدافها بأيّ حال من الأحوال، رغم مرور عقدين على الاحتلال الأميركي.

يبدو أن أميركا لم تتعلم الدرس من الاتحاد السوفياتي سابقاً، حين خرج من أفغانستان بعد حرب دامت 10 سنوات، ولم يحقق شيئاً على الأرض، وبقيت أفغانستان أرضاً عصيّة على كل محتلّ، مهما كانت قوته وعظمته.

استطاعت حركة "طالبان" أن تصمد في وجه المؤثرات الأميركية، بعد أن تحققت "القوة العظمى" من استحالة إقصائها من المشهد السياسي الأفغاني، وهي التي حاربتها في الفترة الماضية بشراسة، وقتلت زعيمها الملا عمر، وحاولت فكّ رباطها مع تنظيم "القاعدة" أيام أسامة بن لادن، فلم تستطع، وباءت محاولاتها كلها بالفشل، وبقيت على مبادئها وقيمها التي آمنت بها ودافعت عنها منذ إنشائها، ولعل أبرزها على الإطلاق محاربة أي محتلّ للأراضي الأفغانية، والسيطرة على المشهد السياسي في البلاد، وعدم الاعتراف بأي حكومة أفغانية يمكن أن تقود أفغانستان، وتكون على ارتباط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما حصل خلال السنوات الماضية، وسارت على دربه في مفاوضات الدوحة، حين قبلت بإجرائها بوساطة قطرية، ولكنها المفاوضات التي تريد الحصول من خلالها على مكاسب سياسية وعلى شرعية دولية في حقها بالحفاظ على أفغانستان بمنأى عن أي تدخّل أجنبي.

قبل هذه المفاوضات، كانت حركة "طالبان" تُهاجم هذه القوات الراسية في أفغانستان بقوة، وتلحق بها الخسارة تلو الأخرى. وكانت هذه الهجمات تُقلق الولايات المتحدة الأميركية كثيراً، وتُزعجها مراراً وتكراراً، كما كانت تستنزف القدرة الأميركية على البقاء بسلام في القواعد العسكرية وأثناء الطواف العسكري في البلاد، حتى وصلت إلى نتيجة مُحقّقة، وهي أن لا مجال لإلحاق الهزيمة بهذه الحركة، فهي تزداد قُوة يوماً بعد يوم، وتملك أدوات الصبر الطويل، فليس لديها ما تخسره، بل على العكس، هي تربح كل يوم تقتل فيه جنوداً أميركيين أو أفغاناً.

وبعد أن تحقَّقت أميركا من وجوب الخروج بطريقة تحفظ ماء وجهها، إن كان لها وجه نظيف، أرادت أن تبيّن للعالم أنَّها مُحِبَة للسلام، وأنها تقدم استراتيجية دولية للخروج من أفغانستان مقابل انخراط الحركة في العملية السياسية والقبول بالحكومة الأفغانية، وهي استراتيجية دوغمائية، في نظر "طالبان"، لا تمتّ إلى الواقع بصلة، لأنَّ أميركا تريد أن تخرج بهذه الطريقة، وإن كانت لا تُعجب "طالبان"، ولا تلتزم بها بأي حال من الأحوال.

ويبدو أن ما حصل هو مراوغة أميركية لحكومة أفغانستان والرئيس أشرف غني، لأنهما يمثلان الحلقة الأضعف في هذه المفاوضات التي لم تحقق نجاحاً بأي حال، وخرجت منه "طالبان" منتصرة، بينما خرجت أميركا ذليلة، كما خرجت من كل أفغانستان، رغم إعلانها أنها ستُبقي على بعض قواتها لإعانة ما تبقّى من حكومة غني.

ويبدو من خلال المشهد الأفغاني أن حركة "طالبان" لن تعترف بالحكومة الأفغانية وبالرئيس أشرف غني، ولا يمكن أن تنخرط في العملية السياسية في أفغانستان، لأنها لا تؤمن بهذا النوع من السياسة، فسياستها الخاصة تتعارض كلياً مع سياسة غني وأعوانه، وتتعارض مع السياسة الأميركية غير المعلنة، وبالتالي هي اليوم لا تبالي بما يُقال هنا وهناك عن استيلائها على مناطق شاسعة من أفغانستان، وربما تصل إلى كابول في قادم الأيام، في ظل خروج أميركي سريع من البلاد. 

ما كانت أميركا لتتراجع يوماً في أفغانستان، وهي التي أخلت أكبر قاعدة عسكرية لها هناك، وبالتالي إن المشهد السياسي في هذا البلد سيشهد تطورات جديدة وسريعة، تريد من خلالها "طالبان" إحكام السيطرة كلياً على مجريات الحكم.

وبناء على ذلك، يبقى السؤال: كيف تتعامل الدول العظمى في العالم مع هذه الحركة؟ وكيف تعامل الأخيرة دول العالم؟ هل ستتعامل معها وفق سياساتها الخاصّة التي آمنت بها؟ 

سترجع أفغانستان اليوم إلى المربع الأول الذي كانت عليه قبل العام 2001، وهو السيناريو المحتمل والأكثر ترجيحاً، وبالتالي ستكون لحركة "طالبان" الكلمة النهائية ربما في هذا البلد، لأنها لا تسمح للآخرين بالتدخل في شؤونها، ولو كان الآخر دولة عظمى بحجم أميركا وروسيا، رغم أن الأخيرة تربطها علاقات جيدة بها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فوزي بن حديد

كاتب تونسي

إقرأ للكاتب

لماذا ترنّح الاتفاق النووي الإيراني من جديد بعد فوز رئيسي؟

يظلّ الاتفاق النووي الإيراني مترنحاً خلال هذه الفترة الفاصلة بين تسليم روحاني الحكم وتسلّم رئيسي...

أميركا تتودّد إلى "أنصار الله" حتى تُنهي الحرب في اليمن

المؤكد اليوم أن الولايات المتحدة الأميركية تتودّد إلى قوات "أنصار الله"، وتتحدث معهم عبر وسيط...

السّنوار الثائر يتحدّى "إسرائيل"

تحدَّث السنوار بلغة الواثق بالنصر على العدوّ الصهيوني، إن استمرّت الحرب على غزة، وتوعّد الاحتلال...

لماذا ترفض "إسرائيل" الوساطة الدولية لوقف إطلاق النار؟

ستظل الحرب قائمة بين الصهاينة والمجاهدين ما دام ليس هناك من يتدخل بقوة للتهدئة أو للحسم، ولإجبار...

المقاومة الفلسطينية تهزم "تل أبيب" وتُغيّر المعادلة

تبقى التكهنات قائمة حول ما يمكن أن تقوم به "إسرائيل" في الأيام القادمة، ولكن مهما فعلت، فإنها لن...

في يوم القدس العالمي.. رسائل مشفّرة من رجال المقاومة لإدارة بايدن والاحتلال الصهيوني

إذا أرادت الإدارة الأميركية أن تكون مختلفة عن إدارة ترامب السابقة، فعليها أن تبرهن ذلك واقعاً،...