في ذكرى حرب تموز 2006.. ترابط جبهات محور المقاومة بدأ مبكّراً

قوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد، "إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى". ولن نقول بعد الآن "أُكلتُ يوم  أُكل الثور الأبيض".   

  • قوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد
    قوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد

كُتب كثير عن حرب الـ 34 يوماً بين المقاومة اللبنانية والعدو الإسرائيلي. في هذه المقالة، نسلّط الضوء على نقطةٍ يتمّ أحياناً إغفالها، في خضمّ تحليل الأحداث الكبيرة التي جرت في أثناء العدوان الصهيوني على لبنان، وهي التوقيت.

الشرارة، التي اندلعت في إثرها المواجهة الكبيرة، كانت يوم 12 تموز/يوليو، حين اقتحمت قوات خاصة من حزب الله حدود شماليّ فلسطين المحتلة، وقامت بعملية خطف وقتل لمجموعة من الجنود الإسرائيليين. التوقيت لم يكن عشوائياً، بل كان مدروساً ومقصوداً بعناية، بحيث يؤدّي غرضاً أساسياً ـ بالإضافة طبعاً الى الهدف المعلَن؛ تحرير الأسرى اللبنانيين ـ هو تخفيف الضغط العسكري الفظيع على قطاع غزة.

فقبل أيام قليلة من عملية حزب الله العابرة للحدود، كانت المقاومة في غزة، حركة "حماس" بالتحديد، نفّذت عملية عابرة للحدود أيضاً، يوم 25 حزيران/يونيو، أسفرت عن النجاح في خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، ونقله إلى داخل قطاع غزة.  

جُنّ جنون العدو الإسرائيلي حينها، فقرَّر شنّ حملة عسكرية جوية ـ برية مجنونة على غزة، وبدأ بتدمير البنية التحتية، عبر قصف محطة الكهرباء ومصادر المياه والجسور، وتنفيذ عمليات اغتيالات لشخصيات وقيادات في المقاومة، واختراق جدار الصوت، وهدم المنازل وتجريف الأشجار، وإغلاق المعابر، ومنع كل اتصال لقطاع غزة بالخارج، وتدمير المؤسسات الفلسطينية، واعتقال ثلث وزراء الحكومة الفلسطينية وأكثر من 42 نائباً من المجلس التشريعي، والعشرات من القيادات الدينية والمجتمعية ورؤساء البلديات المنتخببن... إلخ.

عدوان إجرامي شامل تعرَّضت له غزة بهدف العثور على الجندي شاليط، أو إجبار المقاومة على تسليمه. بدأت غزة تئنّ وتصرخ من وطأة عدوان "إسرائيل"، الذي أطلقت عليه مسمى "أمطار الصيف"، وراحت تستنجد بالإخوة العرب طلباً للمساعدة، ولا من مجيب!

في ذروة انهماك العدو الإسرائيلي جنوباً في حربه على غزة، جاءت عملية حزب الله المفاجئة والكبيرة، "الوعد الصادق"، عبر حدود لبنان الجنوبية مع فلسطين المحتلة، والتي أسفرت عن خطف وقتل لثمانية من جنود العدو الإسرائيلي وضبّاطه. انقلبت الامور في تلك اللحظة، وتغيّر كل شيء. قرّر العدو بَدءَ حربه الكبيرة على لبنان لتدمير حزب الله واستعادة جنوده المأسورين (القتلى). وهكذا صار العدو يحارب في جبهتين، جنوباً وشمالاً، معاً. ومع اشتداد المواجهة في لبنان، ونظراً إلى قدرات المقاومة اللبنانية الهائلة هناك، خفّ الضغط الصهيوني على قطاع غزة شيئاً فشيئاً، الأمر الذي ساعد المقاومة في القطاع على الصمود والاحتفاظ بالجندي الأسير لديها.  

ذاك القرار الذي اتخذته قيادة حزب الله عبر الهجوم وعدم ترك غزة وحدها، كان في الواقع قراراً مبكّراً جداً يقضي بربط الجبهات، بعضها ببعض، ويدلّ على نظرة ووعي تاريخيَّين أينعت ثمارهما فيما نلمسه اليوم من ترابط مختلف جبهات محور المقاومة، أو "حلف القدس"، الذي لن يسمح بعد الآن للعدو بأن يستفرد بقوى المقاومة في المنطقة، كلّ على حدة. 

فقوى المقاومة صارت اليوم كالجسد الواحد، "إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى". ولن نقول بعد الآن "أُكلتُ يوم  أُكل الثور الأبيض".    

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

أحمد جبريل.. الرجل الذي بقي وفياً للبندقيّة

لم تكبّله الأيديولوجيا، ولم يكن يميِّز بين إسلامي ويساري ووطني وقومي عربي، ما دامت فلسطين هي...

الثلاثي الصهيوني - التايواني – الأبارثايد: تشابُه النشأة وحتمية الزوال

كما تحالفت الأنظمة الثلاثة المصطنعة مع بعضها البعض، كذلك فعلَ أعداؤها! فصارت العلاقات وثيقة بين...

قراءة في نتائج الانتخابات الإيرانية

الآن، وقد فاز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، فإنه يواجه مهمة شاقة وعسيرة، تتمثل في إخراج...

فوز كاستيو في البيرو: هزيمة جديدة لأميركا

إننا نشهد اليوم موجة صعود ثانية وقوية لقوى اليسار والاشتراكية في مختلف أنحاء أميركا الوسطى...

الانتخابات في نظام الجمهورية الإسلامية

شهدت إيران 12 انتخابات رئاسية منذ العام 1979، أسفرت عن 7 رؤساء جمهورية، و11 انتخابات لمجلس...

من أيار 2000 إلى أيار 2021: ذلّ "إسرائيل"

ها نحن في أيار/مايو 2021، نرى ذلّ "إسرائيل" يتكرّر أمام أعيننا. نجحت غزة المحاصرة والمعزولة في...