عملية "الخفاش الأزرق".. من عام 1958 إلى عام 2021 مستمرّة

التدخل الأميركي كان بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، كميل شمعون، لكن لم يكن لكميل شمعون ما أراد، إذ انقلب الأميركيون عليه، وطلبوا منه أن يستقيل، لتدعم واشنطن فيما بعد فؤاد شهاب.

  • التدخل الأميركي في لبنان كان بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، كميل شمعون
    التدخل الأميركي في لبنان كان بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، كميل شمعون

بين أوّل تدخُّل عسكري أميركي في لبنان عام 1958، فيما سُمي آنذاك عملية "الخفّاش الأزرق"، وآخر تحرُّكات للسفيرة الأميركية (عام 2021)، مجموعة عوامل وأسباب تتنوّع، بحسب أهداف الإدارة الأميركية، إلاّ أن الجامع الدائم لهذه العمليات والتحركات هو الهيمنة على لبنان، وجعله "بوّابة أمان للكيان الصهيوني".

بروس ريدل، زميل أول ومدير مشروع استخبارات مركز بروكينغز، وزميل أول في مركز سياسات الشرق الأوسط، تقاعد في عام 2006 بعد 30 عاماً من الخدمة في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)، يقول في كتابه الأخير "بيروت 1958": "كان التدخُّل الأميركي في لبنان عام 1958 أول عملية قتالية تشنّها القوات الأميركية في الشرق الأوسط. يخوض الأميركيون عمليات قتالية خطيرة في مختلف أنحاء المنطقة، في إطار ما يُسمّى "الحروب المتواصلة". كانت العملية في عام 1958 واسعة النطاق، فلقد تمركزت ثلاث مجموعات قتالية تقودها حاملة طائرات قبالة الشاطئ في البحر المتوسط، ووُضِع الجنود الأميركيون في أوروبا وأميركا في حالة جهوزية للتوجّه إلى منطقة الإنزال، وكانت الأسلحة النووية في طريقها إلى لبنان. هبط مظلّيون بريطانيون في الأردن، في عملية تمّت في إطار من التنسيق المُحكَم. كانت هذه العملية بمثابة نموذج أوليّ لعمليات شُنَّت لاحقاً، مثل عاصفة الصحراء وحرية العراق".

التدخل الأميركي هذا كان بطلب من رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، كميل شمعون، لكن لم يكن لكميل شمعون ما أراد، إذ انقلب الأميركيون عليه، وطلبوا منه أن يستقيل، لتدعم واشنطن فيما بعد فؤاد شهاب، قائد الجيش الماروني، والذي كان يحظى بتأييد الوطنيين اللبنانيين والرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفي عام 1982، عادت قوات "المارينز" الأميركية إلى بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، المدعوم والمخطَّط له من الإدارة الأميركية (لقد كان وزير الخارجية الأميركي، آنذاك، ألكسندر هيغ، مشاركاً في خُطط هذا الاجتياح).

وزعمت الولايات المتحدة أنها أرسلت قوة لحفظ السلام، لكنها كانت، في حقيقة الأمر، تقف إلى جانب الإسرائيليين. فالولايات المتحدة كانت ترفض التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت سوريا تُعتبَر دولة تدور في الفلك السوفياتي. لذلك، كان الانخراط معهما مستحيلاً بالنسبة إلى إدارة ريغان في عام 1982، إلاّ أن الرفض العارم وقتها، من جانب القوى الوطنية والإسلامية، ومقاومة الوجود الأميركي في لبنان، أدّيا فيما بعد إلى الانسحاب في إثر العمليات الاستشهادية التي قامت بها مجموعات إسلامية ("الجهاد الإسلامي") ضد "المارينز"،  وتحديداً تفجير ثُكَن "المارينز" في طريق المطار في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1983، والذي أدّى الى مقتل 241 جندياً من "المارينز".

يروي الأستاذ هادي المصري في "النداء": "يقول الدبلوماسي المعروف روبرت أوكلي إن الحكومة الأميركية مدّت الميليشيات المارونية بالمال والسلاح حتى قبل عام ١٩٧٣ (لم تُنشَر هذه الوثائق حتى الآن). طبعاً، كانت الأسلحة والأموال تصل إلى هذه الميليشيات من عدة دول، كالأردن (عام ١٩٧٦ أرسل ملك الأردن ٤٠٠ طن من السلاح والذخيرة إلى اليمين اللبناني)، وإيران (في عهد الشاه)، والكيان الصهيوني وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها من البلدان. وطبعاً، كانت الولايات المتحدة الأميركية داعمة لهذه العملية ومشاركة فيها، عبر تاجر السلاح المشهور سركيس سوغانليان. كانت أقذر شخصيات العمليات الخارجية للاستخبارات المركزية الأميركية موجودة في بيروت. ولعلّ أبرز مثال عليها هو فيليكس رودريغز، الذي وُجِد في بيروت قبل الحرب (متورّط في عملية "خليج الخنازير" الفاشلة، وفي اغتيال المناضل الأممي تشي غيفارا). لم يَدُمْ هذا المخطط الأميركي للبنان، وانسحبت واشنطن أيضاً بفعل العمليات التي استهدفت الوجود الأميركي المباشِر، الأمر الذي دفع الإدارة الأميركية إلى سحب قواتها مطلع عام ١٩٨٤. وما زالت المحاولات الأميركية لإعادة سيطرتها الكاملة على لبنان مستمرة حتى الآن".

منذ عام 1948، تاريخ النكبة، ولبنان يتعرَّض لاعتداءات واجتياحات صهيونية بموافقة ومساندة من واشنطن، وبأسلحة أميركية الصنع، ومحرَّمة دولياً. فمنذ اجتياح عام 1978، مروراً باجتياح عام 1982 وبالحروب التدميرية وارتكاب المجازر، حتى حرب عام 2006 المدمّرة، كلها كانت بمباركة وبموافقة من الإدارة الأميركية، التي كانت السند الأساسي، بالإضافة الى حلفاء الكيان الصهيوني في المنطقة، وبتغطية من واشنطن، وحتى بتغطية شبه شاملة من المجتمعين الغربي والأوروبي، بحيث إن كل الإدانات التي كانت توجَّه إلى الكيان الصهيوني بسبب ارتكابه المجازر الوحشية بحق الأبرياء اللبنانيين والعرب، كانت تواجَه بـ "فيتو" أميركي ـ أوروبي – غربي، وبتواطؤ بعض الأنظمة العربية التابعة، سراً أو جهراً.

منذ عام 2005، وبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عملت الإدارة الأميركية على قلب موازين القوى في لبنان، بهدف إحكام السيطرة على تفاصيل الحياة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، والإطباق عليها. وكان الهدف الأساس تطويق حركة المقاومة اللبنانية ورأس حربة محور المقاومة في المنطقة، وضربها، فلم تعدم وسيلة إلاّ وجرّبتها، تارة بالتدخّلات العسكرية الصهيونية بإيعاز أميركي، وتارة أخرى بالضغط عبر وكلائها في لبنان وسفرائها المعتمَدين. لقد أنفقت الإدارة الأميركية 10 مليارات دولار (هذا ما صرّح به ديفيد هيل، وقبله جيفري فيلتمان)، من تسليح للجيش اللبناني والـ"أن جي أوز"  (NGO’s) ووسائل إعلام ومواقع إلكترونية. ثلث هذا المبلغ ذهب إلى تسليح الجيش اللبناني، وما زال هذا الجيش لا يملك صاروخاً واحداً يستطيع من خلاله الدفاع عن لبنان تجاه العدوان الصهيوني المتواصل، والجزء الأكبر من التمويل (70%) ذهب إلى المنظمات الآنفة الذكر، وسُخِّر في استثمارات سياسية في "الجماعات" التابعة لها، والتي تُدار من خلال سفارة أميركا في عوكر منذ عام 2005 لغاية الآن. وفي تصريح آخر لأحد الأمراء العرب، قال: لقد أنفقنا ما يزيد على 20  مليار دولار في لبنان، من أجل الهدف نفسه أيضاً. وكل هذه المحاولات باءت بالفشل.

لا يَخفى على أحد في لبنان دورُ السفارات الغربية في الضغط الاقتصادي على لبنان، ومنع دخول العملة الصعبة. والجميع يعلم بتسلّط السفيرة الأميركية على حاكمية مصرف لبنان المركزي والمصارف اللبنانية، ودور السفارة الأميركية في الإيعاز إلى المصارف اللبنانية في تهريب مليارات الدولارات إلى خارج لبنان، ومنع دخول الدواء والغذاء والمساعدات من الدول العربية الشقيقة التي ترغب في المساعدة، ومنعها من التدخل المباشِر لدى وكلائها وعملائها في لبنان، من أجل رفض أيّ محاولة للتوجه شرقاً (الصين وروسيا وإيران) للاستثمار شبه المجاني. وكل هذا لتأليب الشعب اللبناني ضد "سلاح المقاومة"، لأنه وحده الكفيل بحماية ما تبقّى من استقلال لهذا البلد وصيانته، ولفرض توطين الفلسطينيين، وتغيير الديموغرافية اللبنانية، من خلال إبقاء اللاجئين السوريين، ناهيك بترسيم الحدود اللبنانية لمصلحة الكيان الصهيوني، وتبعية لبنان له.

البلد يئنّ من الجوع وانقطاع الكهرباء والمياه ومعظم المواد الغذائية الضرورية والأدوية، وغيرها. كل هذا يجري بضغط أميركي صهيوني عربي، عبر الحصار والعقوبات التي فرضوها على الشعب اللبناني كله، من دون استثناء! وما جرى، ويجري حالياً، في لبنان من فرض العقوبات الاقتصادية على بعض مكوّنات المجتمع اللبناني، وتأثره المباشِر بـ"قانون قيصر"، وآخره فرض عقوبات على عدد من الشخصيات اللبنانية السياسية والاقتصادية، ما هو إلا سياسة تعتمدها أميركا في صلب سياستها على مستوى العالم أجمع. وما لم تستطع أميركا ان تحصل عليه من خلال التدخل المباشِر وبالحروب والضغوط السياسية، تحاول أن تمارس لعبة التجويع للحصول عليه. ولا يهمّها عدد الجياع والأطفال الذين سيموتون في العالم، بل إن المصلحتين الأميركية والصهيونية فوق كل اعتبار.

إن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على شعوب منطقتنا، من اليمن حتى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا وإيران، ما هي إلاّ الحلقة الأخيرة في السلسلة، للوصول الى "عنق الزجاجة"، ثم الذهاب نحو التسويات، التي لا بدّ منها. لا أحد يرغب في الحروب إلاّ إذا كان في مأزق. فهل تعاني أميركا هذا المأزقَ الآن؟ أم الكيان الصهيوني؟ 

عملية "الخفّاش الأزرق" ما زالت مستمرة منذ عام 1958، لكن بألوان متعدّدة. مرةً باستعمال وكلاء الداخل، ومرةً عبر الوكيل الصهيوني وعملائه، وتارةً أخرى بالتدخل المباشِر، عسكرياً كان أو دبلوماسياً. والهدف دائماً الإطباقُ الكامل والمحكَم على لبنان، وجعله بوابة أمان للكيان الصهيوني. لكن هذا لم ولن يحدث، بإذن الله.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

إقرأ للكاتب

ترامب أوصل رئيسي إلى الرئاسة الإيرانية!

لا شكّ في أن السيد رئيسي ينتظر تحديات كثيرة، على مستوى الوضع الداخلي، وخصوصاً الاقتصادي، نتيجة...

هارفارد: آن الأوان لتأديب "إسرائيل"

يبدو أن الماكينة الإعلامية في إدارة البيت الأبيض أعطت الإشارة لبعض كتّابها، بالإضافة إلى نخبة من...

السوريون يثأرون: الأسد رئيساً للمرة الرابعة

كثيرون ممن راهنوا على سقوط الأسد خلال الحرب السورية، أُصيبوا بالخيبة بعد إعلان النتائج، لأنها...

الاحتلال الإسرائيلي يخسر معركة الرأي العام في الداخل والخارج

مرة أخرى، هُزم الكيان الصهيوني، وأثبتت مقاومة الشّعوب أنّ مقولات "العين تقاوم المخرز"، و"صاحب...

المقاومة الفلسطينية تقلب مفاهيم الوعي رأساً على عَقِب!

ما يجري الآن في فلسطين، بالرغم من قساوة المشاهد الآتية من هناك والتدمير والقتل الممنهجين...

المقاومة الفلسطينية تحفر في الوعي: النصر والتحرير آتيان

استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تراكم الكثير من الخبرات القتالية والصاروخية و"العقول الإلكترونية".