السمّ في عرض "المساعدة" الإسرائيلية للبنان

عرض "المساعدة" الإسرائيلية، في توقيته، يأتي بعد أيام من إعلان إيران، وهي الدولة الشقيقة والمناصرة للبنان، استعدادها للمساهمة في حلول لأزمة المحروقات وغيرها.

  • العرض الإسرائيلي يمثل محاولة سافرة وفظة لإثارة المزيد من عوامل التحريض والانقسام في الداخل اللبناني
    العرض الإسرائيلي يمثل محاولة سافرة وفظة لإثارة المزيد من عوامل التحريض والانقسام في الداخل اللبناني

تحنّ إسرائيل لـ"جدارها الطيب" الذي أنشأته على حدود جنوب لبنان في سبعينيات القرن الماضي؛ جدار تحوَّل إلى شريط محتلّ أذاق الجنوبيين مرارة الاحتلال والقمع والسجون، ومثَّل قاعدة عسكرية عدوانية لتوتير بقية المناطق اللبنانية وخلخلتها.

مجدداً، كما السمّ في العسل، تعلن "إسرائيل" استعدادها لتقديم المساعدة الإنسانية للبنانيين المأزومين، متجاهلةً كل التاريخ الدموي وغير الإنساني لجيشها وعملائه وسجونه في كامل لبنان. عرض يصطاد في بحيرة آلام اللبنانيين ومشاكلهم في لحظة حساسة من حياة لبنان، وهو يأتي متوسلاً هذه المرة غطاء دولياً، إذ يقول وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس إنه اتصل بقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عارضاً المساعدة.

الشكل الذي يقترحه غانتس للمساعدة يستجدي جواز عبور وشرعية أممية، لقناعة "إسرائيل" بأن أي تدخّل مباشر في الأزمة اللبنانية سيكون الرد عليه وفق استراتيجية المقاومة الحاسمة في التصدي لألاعيب "إسرائيل" وأحابيلها. 

والواضح أنَّ العرض بحد ذاته يمثل محاولة سافرة وفظة لإثارة المزيد من عوامل التحريض والانقسام في الداخل اللبناني، بينما تعرف "إسرائيل" ومن يهوى تدخّلها في لبنان استحالة وعدمية تحقيق عرضها المشبوه، اللهم إلا ما قد يثيره من أوهام بائدة لدى شريحة قليلة لا تزال تدغدغ روّاد استجداء التدخلات الخارجية، أملاً بالتأثير في موازين القوى الداخلية.

عرض "المساعدة" الإسرائيلية، في توقيته، يأتي بعد أيام من إعلان إيران، وهي الدولة الشقيقة والمناصرة للبنان، استعدادها للمساهمة في حلول لأزمة المحروقات وغيرها. توقيت يريد توجيه رسالة بأن ما يُمنح من دور لإيران في لبنان يوجب منح مثيله لـ"إسرائيل"، والعكس صحيح. إنّ "إسرائيل" لم تخفِ قلقها من مبادرة إيران تجاه الشعب اللبناني، ولم يتورع لبنانيون عن التهويل بضرر ما تقدمه إيران للشعب اللبناني على علاقات لبنان الدولية والعربية.

في الواقع، إنّ قسماً من اللبنانيين المرتبطين بمصالح واشنطن والغرب وأجنداتهما يفضّل انهيار البلاد على مرور المساعدة الإيرانية والمساهمة في درء أضرار الحصار والعقوبات التي يتعرض لها الشعب اللبناني، بل إن هذا البعض مستعد لمواجهة الجمهورية الإسلامية، على خلفية ادعائه بأنها شكل من أشكال "احتلال إيران" للبنان.

إنه تعنّت وحنق وجهل تحت قبة أيديولوجية عدائية تقف سداً أمام أي تغيير في بنية الاقتصاد اللبناني، وتمنع عنه أي مساهمة إنسانية أو اقتصادية توفّرها علاقات بيروت بمحيطها وبالجوار الأخوي، مقابل رضوخ واستسلام لكل ما تمليه واشنطن ودول خليجية، هي في صلب حصار لبنان وتأزيم قضاياه السياسية والاقتصادية.

في مطلق الأحوال، يقع لبنان، بتعقيداته وبالأزمات التي تتسبّب بها مصالح القوى الخارجية، على خطّ زلازل لا تتوقف وتهدّد بوصوله إلى نقطة اللاعودة من الانهيار، في رأي جميع مكوناته، وهي نقطة رأت فيها "إسرائيل" مناسبة ثمينة لإعادة بلورة تدخلها المزمن، فما عجزت عن تحقيقه في الحروب المتتابعة، ربما يتحقق عبر ضرب الداخل ودفع اللبنانيين إلى مرحلة جديدة من التناقضات والانقسامات، أملاً بسيادة الفوضى الشاملة وتحويل لبنان إلى بلد فاشل وعاجز ومنهار، ينعكس على مقاومته وصموده في وجه مشاريع التطبيع والالتحاق بمحور أميركا.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

"استراتيجيّة الإلهاء" عبر تحطيم المجتمعات العربيّة

عملت دوائر المخابرات ووسائل الإعلام ومنظمات في المجتمع المدني بكلّ طاقتها لتزوير الواقع وإيهام...

من إيران إلى كوبا وفنزويلا.. سياسات الحصار والعقوبات الغربية تنهار

ربما فقد الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية، الإحساس بالمهانة والندم من جملة الهزائم...

الخطة "ب": أعداء المقاومة يخترعون "احتلالاً إيرانياً"

نجاح المقاومة في إفشال شيطنتها وتجريمها وحصارها، أجبر أعداءها على اعتماد الخطة "ب" بطريقة...

قاتل متهوّر وعصابي يقترب من رئاسة حكومة الكيان الإسرائيلي

قياديّ سياسيّ إسرائيليّ ليس له من صفات السياسة إلا ما يتولَّد عن التدريب الوحشي لقادة "إسرائيل"...

ليلة سقوط "الدولة" الإسرائيلية

لم يعرف تاريخ الكيان الإسرائيلي مثل ما يشهده اليوم. فبين ليلة وضحاها تحوَّل اليأس وفقدان الأمل...

كيف تحوّل مقتل شرطيّة فرنسيّة إلى تصعيد للحملة على الإسلام والمسلمين؟

أحكام جاهزة يطلقها سياسيون وصحافيون ومفكرون يرون في البعد الإسلامي سنداً لأي جريمة أو هجوم، ما...