ماذا لو؟!

باتت المشكلة في لبنان تمسّ الشعب في أقل حقوقه وحاجاته. في القرن الواحد والعشرين، يفتقر معظم الشعب اللبناني، إن لم نقل كله، إلى الكهرباء.

  • عندما أقرأ تاريخنا، أكاد لا أجد اتفاقاً حصل بين أبناء لبنان وأحزابه من دون أيّ رعاية أو تدخّل خارجيّ
    عندما أقرأ تاريخنا، أكاد لا أجد اتفاقاً حصل بين أبناء لبنان وأحزابه من دون أيّ رعاية أو تدخّل خارجيّ

ماذا لو قرّر ساسة لبنان الانقطاع عن العالم الخارجي وعن سفرائه ودبلوماسييه لأسبوع كامل، وأقفلوا هواتفهم، وانكبّوا على مناقشة مشاكلهم، من دون أن يعيروا التدخلات الخارجية اهتماماً! ماذا سيحدث إن فعلوا هذا الأمر، ولو لمرة واحدة في تاريخهم؟

باتت المشكلة في لبنان تمسّ الشعب في أقل حقوقه وحاجاته. في القرن الواحد والعشرين، يفتقر معظم الشعب اللبناني، إن لم نقل كله، إلى الكهرباء، بتغذية تقلّ عن 5 ساعات يومياً في أفضل الأحوال، خلافاً لما وُعد سابقاً على مدى عقود من الزمن. نادراً ما تجد الدواء في أوّل صيدلية تدخلها. البنزين يحتاج من يوميات الناس ساعات طويلة من الانتظار تحت أشعة الشمس... كلّها مشاكل وأزمات في بلد يكاد أهله يختنقون بسبب إهمال أغلب ساسته في السابق واليوم.

لنفترض أنّ هؤلاء القادة والزعماء قرَّروا غداً أن يجتمعوا على طاولة حوار وطنية بامتياز، رافضين أيّ تدخّل خارجي، وأن يناقشوا كلّ المشاكل التي يعانيها هذا الشعب، ويصارحوا أنفسهم وبعضهم البعض بكل هواجسهم وسبل حلّها وتبديدها، وأن يقنعوا بعضهم البعض بأن لا بديل لهم من لبنان، وأنه بحقّ وطنهم النهائيّ، ويعملوا على وضع خطط إنقاذية للوضع الاقتصادي والمالي، ويوقفوا المزاريب المالية والهدر والفساد، معتمدين على أنفسهم فقط، وكأنَّ العالم في الخارج لم يعد موجوداً، ولبنان هو الجرم الصغير الذي انطوى فيه العالم كله، وأنّ الشعب اللبناني هو آخر ما تبقى من البشرية. هل هم قادرون عندها على الاتفاق؟ إذا كان الجواب لا. عندها، يجب إعادة النظر في أصل وجود لبنان ككيان ودولة.

عندما أقرأ تاريخنا، أكاد لا أجد اتفاقاً حصل بين أبنائه وأحزابه من دون أيّ رعاية أو تدخّل خارجيّ. وبمجرّد أن نطّلع على أيّ اتفاق حصل في الماضي، نجد أنَّه اتفاق غير مكتمل، وكان ينقصه شيء أو يحتاج إلى تعديلات معيّنة لم تحصل إلا بعد تداعي التسوية بين الأحزاب والقادة، إلى أن نصل إلى خلاصة مفادها أنّ ما كان ينقص كلّ هذه الاتفاقيات السياسية التي حصلت في الماضي القريب والبعيد أنها لم تكن لبنانية 100%.

لنتكلَّم عن اتفاق الطائف مثلاً. هو اتفاق حصل في مدينة غير لبنانية، وبرعاية دولية واتفاقيات إقليمية وعربية سبقت عقد المؤتمر الذي استدعي إليه معظم الأحزاب اللبنانية المتقاتلة في الحرب الأهلية. هذا الاتفاق نتج منه نظام سياسي واقتصادي جديد تبيّن بعد انتهاء الوصاية السورية عليه أنه اتفاق هشّ وغير قابل للاستمرار. لماذا؟ لأنه لم يكن اتفاقاً لبنانياً 100%.

بدوره، كان اتفاق الدوحة نسخة مصغّرة عن اتفاق الطائف، وتمَّ برعاية عربية ودولية. دعونا نتكلَّم عن تسوية - هي الأقرب إلى يومنا هذا - كانت تحت سقف الطائف نفسه؛ تلك التي حصلت بين الرئيس ميشال عون والرئيس السابق سعد الحريري بعد أكثر من سنتين من فراغ رئاسي وحكومي. تم الاتفاق حينها على خارطة طريق بمباركة معظم القوى السياسية الرئيسية. من لا يعرف ما حصل بعدها، قد يقول إن ذلك كان اتفاقاً لبنانياً، والدليل أن أطرافه لبنانيون، وحصل في لبنان، ولم تسبقه حرب أو فوضى.

 جميل. انتظر قليلاً وستعرف كم كان لبنانياً. بعد سنة من انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري، اهتزّت التسوية هذه بضربة قاضية، بعد أن استُدعي الرئيس الحريري إلى الرياض ليقدّم بعدها استقالته منها. إذاً، كيف يكون هذا الاتفاق لبنانياً بعد أن تم إسقاطه خارجياً عبر الضغط؟ 

اليوم، يعيش لبنان أزمة وجودية. وما لم تعمل الأحزاب على حلها بعقليّة تختلف عن تلك التي كانت في السابق، فلن يرتاح الشعب اللبناني لسنوات، وربما عقود قادمة. عليهم، كما لم يحصل في الماضي، أن يجدوا اتفاقاً لبنانياً من دون أي تدخل خارجي. عندها، سيُجبر العالم بأسره على أن يحترم هذا الاتفاق، وأن يباركه ويدعمه. الجهة الوحيدة التي ستنزعج من اتفاق كهذا، هي العدو الصهيوني، الَّذي لا شكّ في أنه عمل في السابق ويعمل الآن على إفشال أي اتفاق لبناني - لبناني.

لنهزم هذا العدو مرّة جديدة، ولنجلس إلى طاولة لبنانية واحدة قبل أن يفرضها الخارج علينا بطريقة أو بأخرى، ولنعمل على إنقاذ ما تبقى من وطننا قبل فوات الأوان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن الخطيب

كاتب لبناني

إقرأ للكاتب

تأثير محادثات فيينا في أزمة لبنان والمنطقة

كثرت مؤخَّراً التقارير الغربية والتصريحات الإسرائيلية، والتي تحذّر من مساعدة إيران للبنان،...

لبنان والمنطقة ومعركة التحرّر السياسي والاقتصادي

تجمَع لبنان وسوريا والعراق وإيران، إضافة إلى القوة العسكرية، الأزمات المفتعلة عبر العقوبات...

ما الذي تريده إدارة بايدن من إيران.. وما الذي يمكن أن تقدّمه؟

لا شكّ في أن المفاوضات مع إيران ستكون صعبة جداً من وجهة النظر الأميركية، كما كانت سابقاً في عهد...

ما الهدف من خطوة مساءلة ترامب وعزله؟

أيامٌ قليلة تفصلنا عن نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أتى كما بات معروفاً من خارج...

إقالة إسبر.. لنعرف الهدف علينا معرفة السبب!

‏طال النقاش والأخذ والردّ بين دونالد ترامب وجو بايدن في سابقةٍ لم تحدث إلاّ نادراً في تاريخ...