الحرب باسم الدين...التاريخ يُعيد نفسه في سوريا والمنطقة

يعود موضوع هجرة وتهجير الطوائف باسم الدين إلى آلاف السنين. حيث اتّجهت وتوزّعت الشعوب المهجّرة الشرق أوسطية باتجاه بلاد الشام والجبال الحصينة العالية والمنيعة فيها واتخذتها ملجأً علّها تجد الأمان في أرض جديدة تقيها الاضطهاد والتعذيب الناجمين عن التعصّب الديني-السلطوي.

    فلسطين عاصمتها القدس والحرب الدينية لتحريرها في التاريخ الوسيط »  المكتبة الوطنية الفرنسية «  Benitz A.
ظهر  في التاريخ حكام مسيحيون ومسلمون استعملوا الدين كأداة ليّنة في سبيل تحقيق مآربهم السياسية والمادية. هؤلاء حملوا راية الصليب وأولئك راية الإسلام  في سبيل تثبيت حكمهم وتحقيق مكاسب لهم على حساب الدين من دون تطبيقهم لشرائعهم الدينية من ضرورة  احترام عقائد الشعوب الأخرى و حريتهم في تقرير مصيرهم. باسم  الدين شنّت الحروب الدينية، تقهقرت وتهجّرت هذه الشعوب باحثة عن ملاذ آمن يجنّبها التعصّب الديني الذي لا يمت إلى الدين المسيحي ولا إلى الدين الاسلامي بصلة.


 استطاعت بعض الدول الحاكمة عبر الأزمنة الغابرة وحتى يومنا هذا استغلال الدين لبسط نفوذها السياسي والعسكري عبر نشر أفكار التعصّب الديني-المذهبي وتأجيج الحروب الطائفية بين المسيحيين والمسلمين وحتى بين أبناء الدين الواحد. هذه البروباغندا السياسية لعبت الدور الأبرز في جميع الحروب الدينية. فإذا نظرنا في التاريخ الوسيط وجدنا أن الحروب الصليبية انطلقت أحداثها الحقيقية مع الخطاب المذهبي  الشهير الذي خطب به البابا أربان الثاني يوم السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1095 وبذلك أجّج النفوس مذهبياً وبدأت الحماسة الدينية الغربية ضدّ الشرق. فارتبط اسم هذه الحرب بالصليب. أما الباحث في مجريات وقائع هذه الحملات فيجدها مزيجاً من القسوة والوحشية البشرية والتديّن العاطفي المتعصّب ويجد في هذه الحركة الدينية مزيجاً من التناقض  مع الصليب رمز الديانة المسيحية، ورمز الفداء و المحبة والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين؛ لم ولن يكون هذا الرمز المُقدّس يوماً أداة  للحروب والقتل وتعذيب البشرية.

قامت هذه الحروب الأشهر في التاريخ الوسيط والحديث  باسم الدين المسيحي وهدفت إلى حماية المسيحيين من بطش وظلم  الإسلام بحق هذه الطائفة وضرورة استرجاع الأراضي المقدّسة كرمز للديانة المسيحية من أيدي المسلمين و حصول المشاركين في هذه الحركة على الغفران و الحجّ إلى القدس. وقد شكّلت الاضطرابات السياسية والأحداث العسكرية العنيفة التي مرّ بها الغرب المسيحي في القرن التاسع والعاشر  مثال الهجمات التي شنّها الاسكندنافي ذات العقيدة الوثنية إضافةً إلى هجمات المسلمين على أماكن متفرّقة من أوروبا، شكلت عوامل مواتية ومساعدة لولادة  مفهوم الحرب الدفاعية وتأكيد شرعيتها  متمثلة بالحروب الصليبية. حيث نجد الفرنجة قاموا بحرق العديد من المكتبات في الشرق مثل مكتبة دار العلم في طرابلس تحت ذريعة أطلقها كاهن من وجهة نظره المتعصّبة أنها  مكتبة لا تحتوي إلا على المصاحف.

 

ولكن ما لبثت أن تكشفت الأهداف الحقيقية لهذه الحروب وتحوّلت إلى حرب مصالح اقتصادية وتجارية، حيث سعت الكنيسة إلى إطلاق سيادتها على العالم المسيحي ، في المقابل سعى النبلاء وفرسانهم إلى توسيع سلطاتهم السياسية ونفوذهم الاقتصادي لزيادة أملاكهم. من خلال ذريعة تحرير القدس تمكّنت أوروبا من أن تصبح القوة الاقتصادية، السياسية والعسكرية خلال القرن الحادي عشر، وأطلق عليها  لقب العصور الوسطى الناضجة أو العالية نظراً للمكانة الاقتصادية التي وصلت إليها خلال حكم دام قرنين من الزمن في الشرق.

بعدها جاء المماليك، فحملوا راية الجهاد ضدّ الفرنجة وبدأت  بذلك حرب دينية جديدة ألا وهي تطهير الشرق من الصليبيين واستعادة  النفوذ الإسلامي في المنطقة. فكان  مقدراً  أن يدفع المسيحي والشيعي ثمن هذه الحرب مدفوعين  بحجة مساعدتهم للإفرنج في حربهم ضد الاسلام. أما الباحث في التاريخ فيجد أن المماليك أنفسهم أقاموا  اتفاقيات ومعاهدات وعلاقات اقتصادية وتجارية والغرب المسيحي والفرنجة. مثال على ذلك عندما أقدم السلطان  آيبك المملوكي على التعاون مع الملك لويس التاسع بعدما استغل هذا الأخير الصراع بين المماليك لتحقيق مأربه السياسية فنجد بذلك اتفاقية عام 1252 وقّعت بين الطرفين  تهدف إلى تحرير الأسرى الصليبيين من أيدي المماليك وإعفاء الملك لويس من الفدية المالية، أضف إلى ذلك تنازل السلطان  آيبك  عن استعادة مملكة بيت المقدس، بهذا ضمن الصليبيون بقاء نفوذهم في الشرق .  ليتبين أن هذه الحماسة الدينية يمكن أن تتراجع في حال وجدت المصلحة السياسية..

كذلك وقّع المماليك اتفاقاً جديداً مع الفرنجة عام 1261 ولكن السلطان الظاهر بيبرس كان يستخدم هذه الاتفاقية بخدمة مصالحه السياسية. ارتبط المماليك مع الدول الغربية بمعاهدات تجارية كما حصل مع جنوى والبندقية و غيرهما رغم معركة المماليك الدينية الهادفة إلى تحرير الشرق من الفرنجة. هكذا طغت المصالح الاقتصادية والتجارية على الهدف الرئيس  ألا وهو " الجهاد". أما المماليك فلجأوا إلى سياسة الهدم والتدمير، فقد هدموا مدناً عامرة وقضوا على حضارات عمرها آلاف السنين غير آبهين لقيمتها التاريخية مثل الناصرة وطرابلس تحت ذريعة منع الصليبيين من العودة إلى المنطقة ومسح كل أثر يتعلّق بهذه المرحلة.

هذا المنطق الذي كان سائداً  في الماضي ولا يزال حتى الآن لم تذهب ضحيته سوى الشعوب الفقيرة المغلوبة على أمرها سواء أكانوا مسيحيين أم مسلمين. حروب يمكن تسميتها بتجرّد بحرب استغلال الدين لتحقيق مآرب حكّام سعوا إلى إقامة مستعمرات تجارية اقتصادية باسم الأديان السماوية؛  مع العلم أن الذين شاركوا في هذه الحروب لم يكونوا  بأغلبيتهم  من سكان البلاد الأصليين بل كانوا مرتزقة وجيوشاً  اندفعت وقاتلت نصرةً للدين.

كيف تقام حروب دينية طائفية يذهب ضحيتها آلاف المدنيين الأبرياء وفي المقابل تقام علاقات سياسية واقتصادية بين الأطراف المُتنازعة؛ كل واحد منهم حمل راية ديانته وانطلق لتحرير الشرق من ظلم الآخر من دون تراجع أوتوقّف عن ذبح الأبرياء ونحرهم وأسرهم باسم الدين؟

الملاحظ أن كلا الحربين كانت وجهتها تحرير الأراضي المقدّسة إما من جور المسلمين أو استرداد أملاك المسلمين من الفرنج الغاصب. في حين  أن الحرب القائمة اليوم كما سنرى لاحقاً قائمة ضدّ بلدان فيها تنوّع طائفي ولم تكن وجهتهم يوماً القدس، لماذا؟ أم أن المخطّط السياسي الذي وضع لهؤلاء حدّد أماكن توجّههم وأين تكمن حدودهم؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليندا مرعي

باحثة لبنانية - دكتوراه في تاريخ لبنان الوسيط - فرنسا

إقرأ للكاتب

إلى أين تتّجه المنطقة؟

أسئلة كثيرة تُطرَح حول هذه الصفقة ماذا تريد أميركا والعرب من المنطقة تحديداً من كل من لبنان،...

سيّد المقاومة يكسر حاجز الصمت

ما هو تقييم السيّد حسن نصرلله للملف الحكومي والذي يتّهم مباشرة في عرقلة تشكيل الحكومة. كيف ينظر...

إسرائيل تلعب في النار مع حزب الله

منذ قرابة الشهر تشهد الحدود اللبنانية حدثاً غريباً يمكن اعتباره مهزلة جديدة إسرائيلية، عملية درع...

حكومة مُهترِئة قبل تشكيلها.. ماذا بعد تأليفها؟

يترنّح رئيس الحكومة المُكلّف في تأليف حكومته إلى اليوم، تارة نجد أن العُقَد حُلّت في سحر ساحِر...

إيران في مهب العقوبات الأميركية - الإسرائيلية

العقوبات على إيران ليست أكثر من سابقاتها، ففي الحقبة الماضية نجد أن العقوبات قوّت إيران وأظهرت...

الإسلام والتطرف الإرهابي

أضحى الإسلام اليوم مشكلة العالم أجمع تحت صيغة محاربة التطرف الإسلامي وأصبح اليوم كل من ينطق...