علي رزق

صحافي مصري

مصر التي في .. التخييل الميديوي

باتت مصر "مصرين "، الأولى تتخلّى كل يوم عن مكوّن وملمّح من جوهر هويّتها ومظاهر تلك الهوية، لتغدو مسخاً شائهاً، وصولاً إلى كراهية قِيَم مثل الكرامة الوطنية والاعتزاز بالذات والعروبة، مع حرص على التغنّي بتلك القِيَم ونسبتها زوراً إلى "مصر الأخرى ".

كسر السادات ثابتاً حينما فصل مصر عن محيطها العربي وعن موقعها المركزي في ذاك المحيط
كسر السادات ثابتاً حينما فصل مصر عن محيطها العربي وعن موقعها المركزي في ذاك المحيط

"وفي مصر رأيت الكثير.. لكني لم أتكّلم "، العبارة منسوبة إلى هيرودوت، تلك الشخصية الخلافية، التي يراها  البعض أول مؤرّخ لمصر، ويجزم آخرون أنه لم يَزر مصر نهائياً.

الشاهد.. إن ما ينقل عن مصر منذ عصر البردي إلى عصر منصّات العوالم الافتراضية، ليس كاملاً، وربما ــ وهو الأقرب للدّقة ــ ليس مشوشاً بقدر ما هو غير حقيقي، متواطأ عليه، أقرب ما تكون إلى "صورة / image"  مُفتعلة، يحرص على ألا يكسرها الجميع رغم كثرة الشروخ.

مصر ليست تلك المنقولة عبر الشاشات ولا حتى عبر الوافِد الجديد "صفحات التواصل الاجتماعي"، تلك حقيقة .. بعدها يمكن البدء بتفسير عشرات الظواهر السياسية والمجتمعية المُلتبسة والتي يراها البعض مُلغّزة.

المقدمة السابقة ــ على طولها ــ ليست في سياق تفسير ما جري في 11/11، أو الفعالية التي تناقلت الميديا العربية وبعض العالمي منها أخبارها تحت عنوان " ثورة الغلابَة "، فقط ، وإنما محاولة لإيجاد "أرضية فهم" لما يجري على أرض المحروسة منذ سنوات.

البداية ــ ربما ــ كانت قفزة بهلوانية قام بها الرئيس الأسبق محّمد أنور السادات ليرتمي في حضن العدو ــ وداعمه ــ بالتاريخ والجغرافية والدماء التي كانت وقتها طازجة لم تزل. فانكسر "ثابت " من ثوابت الوعي الجمعي.

كسر السادات ثابتاً آخر حينما فصل مصر عن محيطها العربي وعن موقعها المركزي في ذاك المحيط، وخلال أربع سنوات تقريباً كسر العديد من الثوابت متفاوتة الحجم والأهمية، ليتحوّل الوطن إلى "كتلة "تسبح في الفراغ، في حين يرفض "الموروث "النفسي والعقلي الانتقاص من حجم الوطن وقيمته لتوائم مع الصورة الجديدة، فكان الحل الذي لا يمكن نسبته لشخص أو لجهة بعينها هو "اختراع " صورة للوطن وتأطيرها بالشوفونية المكذوبة.

تمضي السنوات ويتواصل نمو الهوّة بين واقع الوطن وصرّته الميديوية وصولاً إلى العبث وربما القطيعة التامة.

باتت مصر "مصرين "، الأولى تتخلّى كل يوم عن مكوّن وملمّح من جوهر هويّتها  ومظاهر تلك الهوية، لتغدو مسخاً شائهاً، وصولاً إلى كراهية قِيَم مثل الكرامة الوطنية والاعتزاز بالذات والعروبة، مع حرص على التغنّي بتلك القِيَم ونسبتها زوراً إلى "مصر الأخرى ".

هل ثمة منطق في سيادة نغمة "نختلف مع الرئيس وننتقده بأشد العبارات لكن لا نقبل أن يأتي الانتقاد من الخارج "؟

نغمات أخري مُشابهة في الرياضة والفن والثقافة ــ واقعة عادل إمام في قرطاج قبل أيام نموذجاً ــ إنها ليست الشوفينية بل هو الحرص على الصورة المُتخيّلة تلك الصورة التي يرتضي أغلبنا "مسح البلاط بها " في الكواليس!