صفحات من تاريخ لبنان

لا شكّ أن انتخاب عون مؤشر على ميلان ميزان القوى قليلاً، ولكن باتجاه مستمر نحو دحر الاحتكار الأمريكي الأوروبي للأوضاع في الشرق الأوسط .

لبنان ليس ضعيفاً او مُستضعفاً عندما يجد القيادة التي تُنظّمه وتُسلّحه وتقوده
لبنان ليس ضعيفاً او مُستضعفاً عندما يجد القيادة التي تُنظّمه وتُسلّحه وتقوده

البلاد العربية وضِعت على طاولة فوقها خريطة وزجاجة نبيذ وأصبح بعد ذلك خريطة وزجاجتين......الخ حتى سَكَرَ سايكس وبيكو، مندوب الاستعمار البريطاني ومندوب الاستعمار الفرنسي، هما من وضعا خريطة المنطقة وشربا النبيذ وبدأ كل منهما بتقسيمها إلى دول.

 

كنا بلاد الحجاز وبلاد الشام وبلاد الرافدين، كنا ننتقل من منطقة إلى منطقة من دون عائق ومن دون قيود ومن دون سدود، وقرّر الاستعمار أن  يُلغي الخط الحديدي الحجازي، الذي كان الهدف منه ربط كل هذه المناطق بعضها ببعض وجعلها يسيرة على العربي أن ينتقل من مكان إلى آخر في بلاد العرب.

في العهد التركي كان المسلمون في لبنان يَحظون بالرعاية وبحصّة الأسد من الاقتصاد، فاعتمد الاستعمار التركي الذي يُسمّى عثمانياً العائلات السنيّة  ليُعطيها امتيازات كبرى.

منها امتياز ميناء بيروت، امتياز ميناء طرابلس، امتياز خط السكة الحديد..... .الخ .

أي أن الزبدة الاقتصادية في هذا البلد تحت الحُكم التركي كانت تذهب إلى المسلمين والسنّة تحديداً وليس الشيعة.

هذه التفرِقة التي مارسها الحُكم العثماني خلقت في لبنان ردود فعل، فتمسّك المسيحيون، وانتبه لهذا الكلام، الموارنة تحديداً، بالعروبة، حامية لهم من الاضطهاد الطائفي.

فحافظ رُهبان عين طورا على الحرف العربي الذي مُنع أيام أتاتورك تحت سياسة التتريك، ونقلوا مطبعة، حافظت على طباعة اللغة العربية، خُبّئت في جبال عين طورا وفي الأديرة.

 

قام سايكس وبيكو بوضع حدود بين لبنان وسوريا، وفصلا بذلك سوريا الطبيعية بجزئها اللبناني عن الشامي، وحتى هذه اللحظة ونتيجة سِكر الإثنين، يوجد خطّان للحدود بين سوريا ولبنان، وما بينهما عرب خالد، بني خالد، وتعدادهم قرابة ال 400 ألف، هم حتى الآن بلا جنسية، لا لبنانية ولا سورية، كونهم بين الخطين، خط سايكس وخط بيكو، وهذه مسألة يناقشها اللبنانيون منذ فترة.

إذ أن إضافتهم ل اللبنانية، أي إعطائهم الجنسية اللبنانية، سيزيد عدد السنّة في لبنان 400 ألف، وهذا ما لا يريده الموارنة.

 

وعندما حكمت فرنسا لبنان واستعمرته، غيّرت هيكلية المصالح الاقتصادية، فأصبحت الطائفة المَحظيّة وذات الامتيازات الاقتصادية المحصورة من حصّة الموارنة، بينما خفضت حصص الطوائف الأخرى، السنّة تحديداً. أما الشيعة فبقوا محرومين لأنه لم يكن هنالك مَن يدافع عنهم.

 

الدروز في لبنان منذ تلك اللحظة اختاروا حماية لهم (البريطانيون)، وكان الإنكليز يُفكّرون بدهائهم التقليدي، بأن الدروز يمتدّون في فلسطين وفي لبنان وفي سوريا، ولذلك إذا احتضنوهم، ستكون لهم جيوب خاضعة لهم تمتد من فلسطين إلى لبنان إلى جبل العرب في سوريا، خاصة أن جبل العرب خاض ثورة ضدّ الاستعمار الفرنسي.

السلطان باشا الأطرش كان بطل تلك المقاومة، فرغم الشكل الاتّفاقي للاستعمارين الفرنسي والبريطاني كان هنالك ما صنع الحداد بينهما تحت الطاولة.

فكان يخلق كل منهما مشكلة للآخر إن تمكّن.

لذلك رحّب الفرنسيون بالحاج أمين الحسيني بعد العام 1948 في لبنان واستقرّ فيه ، بناء على دعم أو موافقة المندوب السامي الفرنسي، بطلب من بعض العائلات اللبنانية المسيحية.

كان ذلك نوع من فرك الحصرم في عين إنكلترا، التي كانت سبباً في مأساة فلسطين.

أصبح الوضع في لبنان مُرتباً بهذا الشكل تحت الاستعمار الفرنسي .

الموارنة لهم الحِصص الاقتصادية الكُبرى ولهم رئاسة الجمهورية .

السنّة لهم رئاسة الحكومة وحِصص اقتصادية أقل قليلاً، ولكن حافظوا على بعض الامتيازات التي كان الأتراك قد منحوها لهم . أما الشيعة فقد بقوا  محرومين.والدروز كانوا ينعمون بدعم بريطانيا سراً وعلناً لهم في كل اتّجاه

هذا ما يُسمّى لبنان، هل كان لبنان ضعيفاً ومُستضعفاً كل الوقت، كلا.

كانت كل طائفة في لبنان لها وضع ومدعومة من دولة خارجية مُعيّنة

ولبنان بشكل عام ليس ضعيفاً، بل الشعب اللبناني شعب مُقاتل صلب دؤوب خلاّق، لم يُهاجَم مرة وتُدمّر مبانيه إلا وسار جنباً إلى جنب مع إعادة الإعمار والبناء من قِبَل اللبنانيين.

وأمااليوم

جوهر ما يُنادي به السيّد حسن نصر الله ويتفّق به مع الجنرال ميشال عون، هو ضرورة خلق لبنان الموحّد، حيث يكون اللبناني مُتساوياً مع أخيه اللبناني  بغضّ النظر عن الطائفة في الواجبات والحقوق.

ولا شكّ أن انتخاب الجنرال ميشال عون هو مؤشّر على بداية هذا التغيير،

بهذا الانتخاب أصبح لبنان جزءاً من التحالف وليس ضحية من ضحاياه أو تابعاً من توابعه، يتلقّى النتائج من دون أن يكون مُشاركاً في عملية الطبخ التي تسبق النتائج.

الآن لبنان شريك كامل في التحالف ضدّ الإمبريالية والصهيونية ومُخطّطاتهما في المنطقة، وهذه الشراكة جاءت في البداية من خلال المقاومة اللبنانية التي مثّلها حزب الله وقادها حزب الله والسيّد حسن نصر الله .

والآن يضمّ لأول مرة أكبر تجمّع ماروني بقيادة ميشال عون إلى مثل هذا التحالف.

أصبح لبنان الآن شريكاً في هذا التحالف الذي يضمّ سوريا وإيران وروسيا  في مواجهة المُخطّط الصهيوني

 

لماذا انزعجت إسرائيل جداً وبدأ استراتيجيوها يُخطّطون لمواجهة وضع عون نصر الله الجديد. لأن خطاب عون الأول طرح ما يريده نصرالله، في النهاية لم يخفِ شيئاً.فقد ذكر استرجاع وتحرير كامل التراب اللبناني. الحفاظ على ثروة لبنان المائية وعلى ثروات لبنان، ويقصد بذلك الغاز والنفط الذي مُنِع لبنان حتى الآن من استخراجه.

هذا إعلان حرب، لأن اسرائيل هدّدت بأنه إذا بدأوا يحفرون ستضرب كل عمليات الحفر في اللحد.

تصوّر مثلاّ أن ميشال عون يزور موسكو ويوقّع اتفاقاً مع الروس للتنقيب واستخراج النفط والغاز من بحر لبنان. ماذا سيحصل؟ هل تستطيع إسرائيل أن تضرب السفن الروسية المحمية بالأسطول الروسي، اذا ما بُدىء بالتنقيب عن النفط والغاز. سؤال كبير؟ لماذا يزور نتنياهو موسكو بين الحين والآخر؟ لأنه يعلم أن دخول الدبّ الروسي إلى الشرق الأوسط  هو دخول لا يبحث عن طريق للخروج.

وكما قال معاوية ل عمر بن العاص: إن الحكمة أن أدخل مدخلاً لا اضطّر للخروج منه، بينما قال له عمر بن العاص: الحكمة أن أدخل مدخلاً أعرف كيف أخرج منه. فالدبّ الروسي دخل مدخلاً  لا ليضطّر أن يخرج منه بل ليبقى فيه .هذا تغيير في ميزان القوى، لا تُنهيه إلا حرب نووية تُدمّر العالم.

لبنان ليس ضعيفاً او مُستضعفاً عندما يجد القيادة التي تُنظّمه وتُسلّحه وتقوده.

عندما كانت المقاومة الفلسطينية في لبنان، كان اللبنانيون شركاء نضال وكفاح واستشهاد في سبيل عروبة فلسطين.

بلاد الشام أوطاني وبلاد العرب أوطاني من الشام لتطوان.

لا شكّ أن انتخاب عون مؤشر على ميلان ميزان القوى قليلاً، ولكن باتجاه مستمر نحو دحر الاحتكار الأمريكي الأوروبي للأوضاع في الشرق الأوسط .

على الأقل نستطيع أن نقول لم يعد هذا الاحتكار قائماً، ولن يقوم بعد الآن، وسيكون هنالك شريك في تقرير مصير الشرق الأوسط، هو روسيا، التي ستحرص على الحفاظ على الحدّ الأدنى من المصالح الوطنية لشعوب المنطقة.