ناصر والزمن الجميل

القائد الأشم ..لتموز/ يوليو أُهدي عقداً من تبري ،وأنشد باكورة أشعاري أصوغ رواية العُرْب..هنا الأرض تضجّ بالنضال ..تَنْسُبُ التاريخ تكتب مجد رجال رجال.. وهناك من هم أشباه أشباه الرِّجال..وما برجال!! فهيهات هيهات الذّل ..هيهات هيهات الهوان...أبا خالد ..ونِعْم الخلود أنت.

الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والزمن العربي الجميل
الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والزمن العربي الجميل

في ذكرى الثورة تصطّّف المواعيد والبواريد والأناشيد ..وفلسطين القبلة والثورة واللواء..والدمّ يعزف كبرياء العروبة على إيقاع الجراح يرفع بياض القلوب المنتظرة على أجفان الصباح..لن تسقط الراية لن تموت القضية ..لن نتفرّق شيعاً وأحزاب.. ستظّل أعيننا تبصر الزمن الآتي بعصمة روحك الأبية المقاومة ... رحلت.. وما ارتحلت.. أو ترحل وأنت قلب الأمةٌ النابض ثورة.. والعين التي قاومت المخرز.. والصوت المدَوي (خلي السِّلاح صاحِ..صاحِ في كل ساح صاحِ صاحِ).....


بلى !!ربما !!رُحّلْت ،او غُيِّبت، قد ظنوا برحيلك رحيل القومية العربية ..وبموتك فناء الضمائر الحرّة الأبية ...أنهم جاهلون مخطئون ...وآحسرتاه على أغبياء الأمةٌ أنهم يلهثون خلف جلاوزة العالم وياكلون جيفة عقول مُحنطة بحنوط خانعة ..قد ظنوا بموتك، موت غزة والجليل، موت سيناء والصعيد.. موت الشام وأحرار الخليج.. لكن دمك انهمر كمطر الرحمة الإلهية ..وسيوله صارت تعصف بقلاع الظلم وتزلزل القصور الهشّة.. تعلن فتح المفتوح تمحو ظلام الكفر الصهيوني والمتصهينين .. وانتفض الجرح على الخنجر المغروس في صدر الأمةٌ وفلسطين رغم المؤمرات والمجاملات  ..ما زالت تهتف لن تقطعوا الشجر لن تقتلوا البشر....

أبا خالد يا خلود أرز لبنان وعطر ياسمين الشام .. نحن القوميون العرب تلامذتك لن نضيع في متاهات العُربان بل الغُربان الذين ضاعوا وضيّعوا هويتهم حين حكمهم الاستعمار فضلوا الطريق وتاهوا في صحراء التيه والطغيان ..فلتخرس بومة التاريخ المزعوم منذ الأزل ..حين حكّمت فينا رعايا خِراف نافقة تستجدي هوية لنفسها بعد أن ضيّعت حلمك العربي القومي بوحدة التاريخ والأمة والمصير ..بعد أن ضيّعت الحرف والكلمة وصارت تزحف ناحية البيت الأبيض "الأسود" وتل ابيب المقصد والعنوان ..هؤلاء هم الذين تلوثت أنفسهم وتعمرها أصلابهم فبعثوا بالأمة الفساد وصارت الوهابية المقصد والمسار.


أباً خالد.. يا بركان الغضب الثائر الذي حررّ واستبسل ليُخَلّد نهج الثوار..لا زلتُ أذكر الثالث والعشرين من تموز/ يوليو وأنا في السادسة من عمري حين صدحت الموسيقى العسكرية عبرالإذاعة والتلفزيون تعلن تطهير البلاد من رجس الأجنبي المحتل على أيدي الحركة الإصلاحية بقيادة اللواء محمد نجيب..حينذاك جنّ جنوني .هرولت نحو والدتي وقلبي يكاد ينفجر من شدة الفرح بالنصر ..لم تستوعب والدتي الخبر والمشهد،  وفي الأثناء يرن هاتف مكتب والدي ..حملت الهاتف معلناً لوالدي خبر النصر المؤزر وعدت إلى المذياع كأني احتضنه وأقبله متابعاً تقدم اللواء محمد نجيب ..ينتابني شعور الخلاص والإنقاذ من الديكتاتورية الأجنبية على أيد عربية شريفة ....في السادسة من عمري نعم.


 إلاّ أنني أحسّ بمعاناة كل رجل وإمراة بمعاناة كل طفل عانى ما عاناه من التشرّد والظلم والإضطهاد ...هرولت ناحية المخيم الفلسطيني لاستطلع كيف قابل الشعب الفلسطيني خبر التحرير لمصر.


 توّجهت ناحية هؤلاء الرجال استمع إلى أحاديثهم كانوا يسكنون في مخيمهم الموقت مخيم اللاجئيين الفلسطينيين، حيث السفارة الأميركية القديمة قد اختارت لهم تلك الأرض القريبة من مبناها ظنًاً منها أنهم سيبقون تحت ناظريها...إلاّ أنها كانت مخطئة ...هؤلاء كانوا يودّون العودة إلى ديارهم في فلسطين وقلوبهم تنبض بالوطنية وشعور الانتماء إلى مسرى الأنبياء ..التفاؤل بادِ على وجوههم وإن العودة تقترب منهم أكثر فأكثر ...(قد خاب ظنهم بأمة متخاذلة لكن الأمل مشرقٌ ومفتاح العودة في أمان ...)


في اليوم التالي كنت ترى كل دفاتر الطلبة في المدارس قد طبعت على غلافها صورة اللواء نجيب...لم يكن اسم جمال عبد الناصر معروفاً في تلك اللحظات لكنه الإسم الذي سار خلفه الشباب الشجعان الذ ين ثاروا على الوضع المأزوم وثاروا على التطبيع الغربي الإسرائيلي والغفلة العربية ....سارت المسيرات في كل أقطار البلاد في عمان والكويت وكل العواصم العربية تهتف باسم جمال عبد الناصر ...أبا خالد يا لغة الضاد ..يا أرزوجة الصعيد وأوتار عود الشام ..حمايتي معك تتعدى حدود الرواية ...حالي كحال عشية العشيقة على دالية العنب تلتف حولها فتصير من سُنْخِية واحدة ....نحن كذلك أبناء الأمةٌ العربية ...نهتف باسمك يا حبيب الجماهير ...ليس تقديساً للرمز أو الشخص ...لسنا (اتباع كل ناعق نميل مع كل ريح) لسنا اتباع كل ناعق ولن نكون بل (سنكون حيث يجب أن نكون)..نحن أتباع الحق والثورة التي جسدّتها أنت ..وانتصارات شعوب رفضت التبعيّة والإملاءات والإسقاطات الخارجية.

 

لسنا الأعراب الذين يتآمرون على اليمن السعيد..وسوريا العروبة بقيّة جمال عبد الناصر ..سوريا درع المقاومة درع فلسطين.. لأنها بقية العروبة أرادوا اغتيال جمال عبد الناصر ثانية.. لكننا نقول لهم إننا جميعا نرتدي الدروع دروع عبد الناصر ..وما زلنا نهتف، نرددّ، وبالفم الملآن وقلوب قوية ..نقسم بالقران الكريم (لن ينال عهدي الظالمين) جمال أيّا حبيب قلوبنا نمّ قرير العين ..أباً خالد كلنا فلسطين ..كلنا سوريا ..ما زال طيفك خالد فينا كخلوداسمك في ذاكرة الزمن ..في حنايا الأفئدة.. مازال قلبك ينبض بالوحدة في همسات الأرواح الطاهرة الابية ..فمن نور وجهك علق نور الانسانية ومن فمك نطق الحرف الدليل ..أيا مشروع القومية العربية ..أيا كرامة الأمةٌ وهوية العز والوحدة من المحيط إلى الخليج ..من نظرتك الثاقبة وجهّنا البوصلة ناحيكِ فلسطين، فسلام عليك يوم انتشلت الأمةٌ من رحم المعاناة ..ويوم أشعلت ثورة الحق القويم، ويوم أيقظت الضمائر الحرّة من سباتها العميق.