عندما يكون البيت هو السّجن.. الأسير غسان زواهرة

لم تنتهِ حكاية غسان. كتبت هذه السطور فيما الأسير غسان زواهرة معتقل منذ 18 آب/أغسطس 2021. بهذه الرحلة الجديدة، كما سبقها من رحلات، كان الاحتلال يحاول كسر شوكة غسان وإضعافه وإنزاله إلى مربع الاستسلام والهزيمة.

  • لم تتوقّف سلسلة الاعتقالات بحق الأسير غسان زواهرة
    لم تتوقّف سلسلة الاعتقالات بحق الأسير غسان زواهرة

عندما تكون فلسطينياً، ستعيش في دقيقة أو ربما في ثوانٍ قليلة الفرح ممزوجاً بالحزن. تقفز من الحالة الأولى إلى الثانية بجملة واحدة، كمن توقف قلبه وعاد إلى الحياة. هي قفزة الموت؛ لعبة خطيرة يتشارك فيها العقل مع القلب. لا رابح فيها ولا خاسر. الفرح يمارس لعبته الذكية، ويقول لك: "تم الإفراج عنه"، والحزن يمارس لعبته الخبيثة هو الآخر، ويقول: "تذكّر مباشرة بعد يومين أو أكثر أو ربما أقل أنَّ ابنك سيكون شهيداً، وأن شقيقه سيشاهد وداعه محمولاً على الأكتاف، والجموع البشرية تهتف له". 

تلك الحالة تختزل الألم. تشعر بأن الحزن والفرح ليسا ضدين، بل هما صديقان حميمان يتجادلان رغم اتفاقهما. يتصارعان رغم مصلحتهما المشتركة. يختلفان على الطريق، رغم أن الهدف ذاته. هي حالة من الهذيان النفسي، يُداوى فيها الحزن بالفرح، والعكس كذلك. وضمنياً، يبقى الاحتلال الصهيوني هو السبب.

قبل أن يلتقط أنفاس الطفولة في بيت الطفولة، ولو كانت تلك الطفولة داخل أزقة المخيم، اقتحم الاحتلال بيت الأسير غسان زواهرة في مخيم الدهيشة في مدينة بيت لحم واعتقله. لم يكن يبلغ من العمر 14 عاماً آنذاك. كان طفلاً يحث أصدقاءه على أن يلعبوا لعبة الحجلة أو ربما القناطر أو البنانير... ليبدأ لعبة جديدة من نوع آخر، هي لعبة الاعتقال. إنها لعبة خطرة جداً؛ لعبة الحرية. ما زال أبو إبراهيم يمارسها حتى اليوم.

من بين الكتب المدرسية وتجليد دفتر التاريخ، انتزع الاحتلال الطفل غسان زواهرة في العام 2002، ليجلد الكتب الثقافية لمدة 7 سنوات داخل سجون الاحتلال، ويصبح السجن هو المراهقة والمدرسة والعائلة. بعد ذلك أطلق سراحه، ليعيد اعتقاله إدارياً من جديد بعد عام من ذلك لمدة 16 شهراً. وفي العام 2014، جرى اعتقاله من جديد إدارياً، ليمكث سنة ونصف السنة أيضاً في السجن.

وبعد عدة أشهر، اعتقل غسان مرة أخرى إدارياً، ليمكث عامين في السجن. خلال هذه المدة، وفي بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2015، استشهد شقيقه معتزّ برصاصة أطلقها جنود الاحتلال عليه خلال مواجهات اندلعت في محيط قبة راحيل إلى الشمال من بيت لحم. هذه المرة كانت مختلفة، فمعتز صاحب الابتسامة الجذابة أصبح غير موجود. ومعها تبدلت الأدوار، فقد كان غسان هو قائد معتز، ليصبح الأخير، برصاصة واحدة في القلب، القائد الملحمي لغسان، ليجسّدا ما قاله الشاعر محمود درويش في قصيدته "مديح الظل العالي":

سقطت ذراعك فالتقطها 

وسقطت قربك فالتقطني 

واضرب عدوّك بي 

فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ

لم تتوقّف سلسلة الاعتقالات بحق الأسير غسان زواهرة، فقد اعتقل في العام 2016 إدارياً لمدة عامين، وأطلق سراحه في شهر تموز/يوليو 2018. وبعد 5 أشهر، اعتقل مرة أخرى، وذلك في العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، ليحوّل إلى الاعتقال الإداري مدة 6 أشهر، جرى تمديدها عدة مرات.

لم تنتهِ حكاية غسان. كتبت هذه السطور فيما الأسير غسان زواهرة معتقل منذ 18 آب/أغسطس 2021. بهذه الرحلة الجديدة، كما سبقها من رحلات، كان الاحتلال يحاول كسر شوكة غسان وإضعافه وإنزاله إلى مربع الاستسلام والهزيمة، ولكن في كل مرة يعصب جنود الاحتلال عينيه، يصبح أكثر رؤية للوطن. 

في الاعتقال ما قبل الأخير، أنجبت زوجته طفلة أطلق عليها اسم مينا. ربما كان يفكر في أن ترسو سفينته عليها، حتى لا يغرق شعبه بالطوفان، رغم أن مينا لم ترَ والدها خلال سنتين. وفي كل مرة، كانت ترى فيها شقيقها، كانت تقول له: "بابا".

وقفت أم الأسير غسان في آخر اعتقال له تشاهد جنود الاحتلال وهم يعتقلون ابنها، وكانت تصرخ بملء حنجرتها: "يا الله... نشوف فيكم يوم"، هذه الأم التي كان يغني لها غسان من داخل السجن: "يا أمي العسكر بيني وبينك... لو طولت بيعلى جبينك..."، وكان الأب المريض يعيش مشاعره الجياشة، ويقول ربما بينه وبين ذاته: "الحمد لله اعتُقل وسيعود، ولم يصب برصاصة ربما لن تعيده. الفراق صعب، ولكنه فراق الاعتقال. تعيش قابضاً على الجمر لفترة، ولكنه أهون من أن يحرقك هذا الجمر إلى الأبد".

جنود مدجّجون بالسلاح. رعب للأطفال. إزعاج بقنابل الصوت التي يطلقها الاحتلال. مواجهات تمتدّ مع هؤلاء الجنود داخل أروقة المخيّم حتى ساعات الصباح. منهم من يُصاب، ومنهم من يختنق بالغاز المسيل بالدموع. 

هذا ما يحدث في كلِّ اعتقال للأسير غسان زواهرة، وكأنه اتفاق ضمني بين سكان المخيم. في اللحظة التي يقتحم فيها الجيش بيت الشهيد معتز زواهرة، تكون كلمتهم واحدة: "راح غسان. أخذوه"، وتبدأ مواقع التواصل بالحديث عن كل شخص عاش وتعرض لموقف حصل مع غسان، حتى الذين اختلفوا معه ولم يختلفوا على دوره الذي يحاسبه الاحتلال عليه كناشط فلسطيني يعتبر الصراع صراع وجود، والأهم أن تاريخ الصراع مع الاحتلال ليس سوى تاريخ إنساني.

إذا قمنا بحساب السنوات التي قضاها خلف القضبان بالورقة والقلم، فسنجد أنه مكث في السجن أكثر مما مكث في الخارج. ربما بكلمة واحدة نختصر الحكاية. كان السجن بيته بكل ما تحمل هذه الكلمة من تفاصيل صغيرة وكبيرة. لا نتحدث هنا عن مفاهيم الصمود والإرادة والفعل المقاوم، رغم أهميتها، بل نتحدث عن البعد السيكولوجي والسوسيولوجي للأسير غسان.

يقف القلم حائراً، وربما في بعض الأحيان خائفاً، ويشعر في ظروف أخرى بالعجز عن توصيف الحالة التي يعيشها غسان بالكلمات. تحتاج كثيراً من الوقت لإعادة كتابة موقف صغير. تقوم بصياغته وتحاول التجربة من جديد. تشعر بوخزة في الضمير بأنَّ هذه الكلمات التي تعيد فيها ترتيب الموقف لا تساوي شيئاً أمام عيني طفله الذي يشاهد جنود الاحتلال يضعون الأصفاد في يدي والده، ويقومون بسحبه، رغم الدموع التي يعتقد الطفل أنَّه قادر على الاحتجاج بها، هذه الدموع التي تعتبر وسيلته الوحيدة للدفاع عن حقه بأن يكون والده معه في البيت لا في السجن، ولكن مع الاحتلال تبقى المعادلة مختلفة. الطفل أيضاً عليه أن يدفع الفاتورة. من هنا بات يدرك أبناء غسان بأن عليهم أن يقاتلوا لأجل هدم السجن وإبقاء والدهم معهم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ثائر أبو عياش

ناشط فلسطيني

إقرأ للكاتب

مفتاح الخزنة.. النفق

تبقى القضيّة الأكثر تعقيداً من نظام السجن هي كيفية إخفاء التراب. بحسب بعض الأدبيات واللقاءات...

الولادة في السّجن.. الأسيرة أنهار الديك

سيأتي هذا الطفل حاملاً حكايته معه؛ تلك الحكاية التي ستقوم بتشكيل حياته. هو الذي ولدت فيه فلسطين،...

جدار الأحبّة

صور الشهداء المعلقة على الجدران تزعج الاحتلال وتذكّره بتاريخه الإرهابي، ولكنه لا يدرك أن هذه...

عائلة أبو احميد.. العائلة السعيدة

إنَّ عائلة أبو احميد هي العائلة الفلسطينية السعيدة، لأن السعادة في فلسطين تكمن في المقاومة. هذه...

معركة الأمل.. سيف القدس

جاءت معركة "سيف القدس"، وهدمت الجدار، وكانت مثل الفلاح الذي يزرع الأمل فينبت نصر.

الميادين.. "فوق الصّفر تحت التوريط"

إنَّ "الميادين" منّا ولنا. هي القشة التي أنقذت المظلوم العربي من الغرق في الوحل الإعلامي الذي...