متى نرى آخر جندي محتلّ يخرج من فلسطين والعراق واليمن؟

ما حدث في أفغانستان من انتصار كبير على أقوى دول العالم، يمنح المجاهدين في البقاع الأخرى أملاً كبيراً بأن العدو مهما استكبر واستعلى، فإنه يمرّ بمرحلة ضعف شديدة يمكن أن يستغلّها المقاومون بقوة.

  • متى نرى آخر جندي محتلّ يخرج من فلسطين والعراق واليمن؟
    الخروج المذلّ للولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان أعطى درساً بليغاً للدّول المستعمِرة في العالم 

الخروج المذلّ للولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان أعطى درساً بليغاً للدّول المستعمِرة في العالم بأنّ المحتلّ، مهما بقي يعبث في البلاد التي احتلَّها، سيأتي يومٌ ويخرج منها ذليلاً بعد أن دخلها مستكبراً، لأنَّه ببساطة سيواجه مقاومين لا يهدأ لهم بالٌ إلا بعد أن ينجلي الاحتلال ويخرج آخر جندي من أرضهم، وهو ما شاهدناه في أفغانستان أخيراً، إذ أجبرت حركة "طالبان" المحتل الأميركي - وهي تقاومه على مدى 20 عاماً - على الخروج بهذه الطريقة المهينة، في ما اعتبره الأميركيون إنجازاً تاريخياً، واعتبرته "طالبان" انتصاراً كبيراً. وهكذا ينجلي كلّ مستعمر من الأراضي التي احتلَّها بالقوّة والعنف والاغتصاب، ولا يبقى محتلّ في العالم في أرض غيره، مهما طال الزمن أو قصر.

إنّ المقاومة لها تاريخ كبير في حياة الشعوب؛ فعندما يشعر المحتلّ بأنه يخسر في الأرض التي اغتصبها، وأنه غير مستعدّ للتضحية والفداء أكثر من ذلك، أو أنه يعتمد على مرتزقة فاشلين، فإنَّه يهرب من تلك البلاد، خوفاً من أن يقع فريسة للمقاومين ويتكبد خسائر فادحة، لأنه أصبح عاجزاً كلياً عن أداء مهامه، إذ جاء ليحقّق أهدافاً، فإذا به يواجه رجالاً أشاوس ليس لديهم ما يخسرونه، فإما الشهادة وإما الانتصار، ولا شيء غير ذلك في قاموسهم.

وعليه، إن وجد من يساعده داخل البلاد قدّمه فدية للمقاومين، وإن حصل على ما يريد بقي مدة كافية، وإن وجد مقاومة شرسة وتكبّد خسارة كبيرة في العدة والعتاد، فإنه يبحث عن مبرّرات للخروج حتى يحفظ ماء وجهه، ويجد المُعينات التي تدعوه إلى الخروج فوراً من تلك البلاد، وخصوصاً من أبناء شعبه الذين سئموا مثل هذه التدخلات.

وقد تكون أفغانستان اليوم ملهِمة للشعوب المقهورة التي ما زالت تعاني آثار احتلال قديم أو حديث؛ قديم كالاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية والقدس الشريف، وحديث كالاحتلال الأميركي للعراق، وكاحتلال السعودية وحلفائها لليمن. وربما نجد في العالم من يعاني من مستعمِر مستبدّ لا يعرف إلا لغة القوة والعنف والاستغلال والبلطجة في عالم يموج بالمتغيّرات والتحولات، رغم دعوات الأمم المتحدة إلى احترام حقوق الإنسان، فقد وصل جشع الإنسان وبشاعة ما يفعله إلى حدّ أقصى في التعامل مع أخيه الإنسان، بعد أن استأسدت الدول الكبرى، وبدأت ترسّخ مفهوم البقاء للأقوى وتنسى كلّ عوامل التفاهم والتناغم بين بني البشر.

عندما بثّت شاشات العالم كيف خرج آخر جنديّ أميركيّ من أفغانستان، إنما بثت في نفوسنا الإحساس والشعور بالفخر بأنَّ التحرير قادم لا محالة، وأن الفصائل الفلسطينية في القدس الشريف تستلهم الدروس والعبر مما حصل في أفغانستان، وخصوصاً إذا علمنا أنَّ المقاومة في فلسطين صلبة وقوية وصامدة، وأنَّ قيادتها الجديدة تفكر في هذا السيناريو الذي بدت ملامحه واضحة اليوم، فالمستعمر عندما يرى أن لا حاجة ولا قدرة له على الصمود، فإنه ينسحب من الميدان خوفاً من تكبد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري. لذلك، هو يراوغ من أجل مصلحته، لا من أجل حقوق الإنسان التي يتشدّق بها.

هل نرى فعلاً آخر جندي صهيوني محتلّ يخرج من كل أراضي فلسطين يوماً؟ وهل نرى آخر جندي أميركي يخرج من العراق ذليلاً؟ وهل نرى آخر جندي سعودي أو إماراتي أو عربي يخرج من اليمن السعيد، لتبقى الشعوب تمارس ديمقراطيتها وتعيش في أراضيها حرة أبية بمنأى عن الاستعمار والاحتلال الذي أزعج الشعوب وقضى على كلّ جميل في البلدان التي احتلَّها؟ لم يخرج مستعمرٌ من بلاد إلا ودمّرها ونهب خيراتها واعتدى على شعبها. لذلك، إنّ الحرية هي أغلى ما يكتسبه الإنسان بعد الاستعمار.

هناك مقاومون صامدون لا يعرفون معنى الراحة، ويدركون جيداً مدى ضعف العدو وعدم قدرته على الصمود طويلاً في وجه هؤلاء الأشاوس، ويعتقدون، بل يوقنون، بأنّه سيخرج يوماً بعد أن يملّ ويسأم، فهل يعمل السنوار القائد الحمساوي فعلاً على هذا السيناريو في فلسطين؟ وهل يعمل الحشد الشعبي في العراق على منوال "طالبان"؟ وهل سيطرد "أنصار الله" المحتل السعودي من اليمن؟ كيف يجعل هؤلاء القادة المستعمرين يهربون ويتركون الأرض لأصحابها، مهما طال بهم الزمان أو قصر؟

ما حدث في أفغانستان من انتصار كبير على أقوى دول العالم، يمنح المجاهدين في البقاع الأخرى أملاً كبيراً بأن العدو مهما استكبر واستعلى، فإنه يمرّ بمرحلة ضعف شديدة يمكن أن يستغلّها المقاومون بقوة، وهو ما حدث في أفغانستان، إذ أظهر الجيش الأفغاني المرتزق هشاشة عظيمة وضعفاً كبيراً، واستسلم بسهولة لقوة المجاهدين الأفغان، رغم ما صرفت عليه أميركا من أموال كثيرة للتدريب والتأهيل، فكيف لفاسد ومغتصب أن يكوّن جيشاً وطنياً؟ إنَّ الوطنية تنبع من الداخل، ولا تأتي من الخارج، ولا تتكوَّن من هشاشة، إنما تُبنى على أصول قويّة لا تتزعزع ولا يقوّضها شيء.

جيوش العالم لا تُقاس بالمدد البشريّ والعتاد العسكريّ فحسب، فإن ذلك لا يكفي لإحداث مفارقة على الأرض، إنما تحتاج إلى عقيدة صلبة ووطنية لا تخبو على مدى طويل، من المقاومة الشديدة إلى الانتصار العظيم، فأغلب الجيوش المحتلة انهارت بعد أن تبين خواؤها من الداخل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فوزي بن حديد

كاتب تونسي

إقرأ للكاتب

تونس أمام منعرج جديد من الحكم بعد قرار تمديد الحالة الاستثنائية

تغيّر الوضع كثيراً بين الأمس واليوم، ولم يعد هناك مجال للرجوع إلى الوراء، كما قال الرئيس التونسي...

ما لم تفهمه "إسرائيل" وضّحه السيد نصر الله في خطابه بالدّليل

يبدو أنَّ العدوّ الصهيوني لم يفهم رسالة المقاومة بعدُ، ولم يعتبر من الدروس السابقة في الحروب...

استراتيجيّة "طالبان" في السيطرة على الحكم في أفغانستان

استطاعت حركة "طالبان" أن تصمد في وجه المؤثرات الأميركية، بعد أن تحققت "القوة العظمى" من استحالة...

لماذا ترنّح الاتفاق النووي الإيراني من جديد بعد فوز رئيسي؟

يظلّ الاتفاق النووي الإيراني مترنحاً خلال هذه الفترة الفاصلة بين تسليم روحاني الحكم وتسلّم رئيسي...

أميركا تتودّد إلى "أنصار الله" حتى تُنهي الحرب في اليمن

المؤكد اليوم أن الولايات المتحدة الأميركية تتودّد إلى قوات "أنصار الله"، وتتحدث معهم عبر وسيط...

السّنوار الثائر يتحدّى "إسرائيل"

تحدَّث السنوار بلغة الواثق بالنصر على العدوّ الصهيوني، إن استمرّت الحرب على غزة، وتوعّد الاحتلال...