عبير بسام

صحافية لبنانية

تركيا ونفق الإرهاب

انتهى مؤتمر طهران مُشدّداً على مكافحة الإرهاب، وهذا ليس بالأمر الهيّن، في جو مثير للجدل، بسبب التنوّع ما بين الدول التي شاركت في المؤتمر لناحية التجربة مع الإرهاب.

أكّد المؤتمرون على خطورة الدور الإستعماري الأميركي في دعم الإرهاب
أكّد المؤتمرون على خطورة الدور الإستعماري الأميركي في دعم الإرهاب

مُلفتةٌ هي النتائج التي وصل إليها المؤتمرون حول مدى التزامهم، إذ أن دولاً بينهم عانت في الغالب من الإرهاب، ودولاً حاربته، ودولاً شجّعت عليه، وهذا أغرب نوع من المجتمعين. فهل يحاول المؤتمرون استيعاب الإرهاب ونتائجه وبالتالي تحجيمها، وهل ينطبق هذا التحجيم على الدور التركي نفسه!

اليوم بات الدور الذي لعبته تركيا في دعم الإرهاب من المسلّمات، فما هو الإنطباع الذي تحاول تركيا أن تتركه من خلال المشاركة في هكذا مؤتمر. في حين أننا نعرف أن دولاً مثل أفغانستان وإيران وباكستان وروسيا قد عانت فعلياً من الإرهاب منذ بداية التسعينات وحتى اليوم، أي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي الحقيقة أن هذا التأريخ في حد ذاته يحتاج إلى دراسة معمّقة ودقيقة. إذ أن العالم شهد العديد من الحروب الداخلية والأهلية والتي عرّضت حياة الكثير من مواطنيها للخطر، ولكن تأريخ الإرهاب في حد ذاته مرتبط بسقوط الاتحاد السوفياتي. ولكن إذا ما دقّقنا في أسباب وجود الإرهاب فسنجد أن من المنطقي أن تزداد هذه الظاهرة في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

بحسب التعريفات المُتداولة فإن للإرهاب دوافع داخلية وخارجية. الداخلية لها علاقة بتخلخل موازين العدالة الإجتماعية، والفساد الإداري الحكومي، الناتجان من السياسات الإقتصادية الخاطئة، التي تتسبّب بمعاناة المجتمع من البطالة ومن التفاوت بين طبقاته، حيث يؤدّي ذلك إلى إصابة أفراد المجتمع بالعجز والإحباط، فيصبح لدى بعض أفراده شعور بعدم المسؤولية وأن ليس لديهم ما يحافظون عليه في بلادهم بسبب سوء توزيع الثروة. قد يدفع هذا الشعور البعض إلى الإنضمام إلى منظمات راديكالية تستغلّ مشاعر الشباب وتدفع بهم نحو عمليات انتقامية من المجتمع، إن لم تدفع بهم نحو الهجرة الدائمة.

وهناك أسباب خارجية لها علاقة بالغضب والعدوانية بين شعوب العالم، وأسباب ذلك تعود إلى التدخّل الأجنبي في سلب الموارد الطبيعة لبعض الدول، ما يؤدّي إلى دمار اقتصاد الدول المُستهدَفة وتفشّي الجوع والفقر فيها. كما أن هيمنة الدول الكبرى على الإقتصاد العالمي ينتج منها انتشار الظلم وتراجع السياسات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية في الدول المُستهدَفة. وهذا ما ارتبط تماماً بسقوط الاتحاد السوفياتي والذي ترافق مع نشوء القطبية الأحادية، التي حكمت العالم بمنطق الإقتصاد الليبرالي الحر، والذي أدّى إلى الفقر والجوع في معظم أنحاء العالم وخصوصاً في دول المعسكر الشرقي. حينئذ قامت أوروبا بحماية ودعم دول المعسكر الشرقي الأوروبي، والذي عانى  لفترة ليست بالقصيرة إلى موجات من العنف الداخلي وعدم الإستقرار، تحت جناح الإتحاد الأوروبي. أما الدول التي انقسمت عن الإتحاد السوفياتي في القسم الآسيوي فقد كانت الضحية الأكبر للإنهيار الإقتصادي الذي ضرب الدول والمجتمعات فيها وأدّى بالتالي إلى ظهور المجموعات الراديكالية الإسلامية المسلّحة والغاضِبة فيه.

وهذا يدفعنا إلى قراءة أعمق حول أهداف الدول المُهيمنة، التي دفعت عشرات آلاف المقاتلين المرتزقة نحو سوريا، وتسبّبت بتوسيع نطاق الإرهاب على أراضيها. هذا الإرهاب الذي سُلّح من قِبَل أميركا ودول غربية أوروبية وعربية، والسبب هو قمع أيّ قرار سياسي مُعادٍ لإسرائيل وداعِم للمقاومة، وبالتالي ضرب الإقتصاد السوري؛ ففي العام 2011 أصبحت سوريا من أغنى دول الشرق الأوسط، والدولة الوحيدة التي لم تكن مديونة للبنك الدولي أو أية جهة دولية؛ وشهدت البلد منذ العام 2000 رخاء اجتماعياً وإقتصادياً في مختلف المجالات. ولذا كان من المُلحّ العمل على خلخلة هذا العقد الذي بات مثالاً يُحتذى في العالم ومحاولة وضع سوريا بثرواتها الطبيعية وبموقعها الجيوسياسي الهام تحت سيطرة الدول الكبرى.

أكّد المؤتمرون على خطورة الدور الإستعماري الأميركي في دعم الإرهاب، وفي محاصرة الشعوب اقتصادياً من خلال التدخّل العسكري الذي لا يسمح بنمو المجتمعات وبمواجهة التخلّف والمشاكل فيها؛ فالإرهاب يلعب دوراً هدّاماً، إذ يعطّل المشاريع الإقتصادية التي يمكن أن تنهض بالدول. ولكن في المبدأ هناك فرق كبير ما بين الدول المجتمعة التي عانت من الإرهاب على أراضيها، وتلك التي تحاربه في سوريا والعراق، وما بين تركيا، التي يثير وجودها الإستغراب، وهي الدولة الداعِمة للإرهاب في سوريا والتي قامت بتمرير عشرات آلاف الإرهابيين والمرتزقة لقتال الدولة السورية ضمن مخطط أميركي وغربي مدروس. إن وجود تركيا في هذه المؤتمرات يبدو وكأنه يعطيها صكّ براءة مما ساهمت به من أجل تدمير حلب: العاصمة الإقتصادية التي نافستها عبر العصور، ورعاية النصرة وأخواتها في إدلب والتي تحاول حتى اليوم إيجاد مخرج لهم ولأزمتها معهم. ويبدو وكأن المجتمعين يلتّفون حول الدور التركي المشبوه في محاولةٍ لإعادة برمجتها على الساحة السياسية الدولية، ولو من خلال إدانة مجتمعة للدور الذي لعبته أميركا في دعم الإرهاب في سوريا.

في الحقيقة، إن تناقضاً يحمله الوجود التركي ما بين المجتمعين ففي حين يُبدي رئيس البرلمان التركي بن علي يدريلم تضامن تركيا مع إيران بخصوص العملية الإرهابية التي تعرّضت لها الأولى في منطقة جابهار، لم يبدِ أي أسف لما تتعرّض له سوريا من ضربات الإرهاب الذي رعته لثماني سنوات حتى اليوم! وفي حين ينتقد يلدريم الشعور باللامبالاة الذي يبديه الأوروبيون تجاه تعرّض المنطقة للإرهاب الذي يهدف إلى وضع المنطقة تحت الهيمنة الإستعمارية والمجازر التي يتعرّض لها اليمنيون، وعن تشويه إسم الإسلام بربطه بالإرهاب، فإن ما أراد أن يعبّر عنه كيل الاتهامات السعودية بتمويل ورعاية الإرهاب، مُتغاضياً عن دور بلده في رعاية جبهة النصرة وما تفرّع عنها في سوريا. ولكن هل هذا يعني أن المؤتمر سيُخرِج تركيا من نفق رعاية الإرهاب، الذي تضرّجت به يداها في سوريا؟ وهل هذا يشير إلى أن هناك ما هناك خلف الأكمة!