ابراهيم شير

كاتب وصحفي سوري

الشمال السوري.. محاولات تركية لطمس الهوية

رفض الاحتلال التركي للشمال السوري لا يكفي، وبيانات التأكيد على وحدة الأراضي واستقلال البلاد لا تكفي أيضاً، من دون خطوات فعّالة لإعادة توحيد البلاد بشكلٍ كاملٍ، خصوصاً وأن أنقرة تواصل تمكين نفسها وحلفائها من الإرهابيين السوريين والعرب والأجانب وخصوصاً الأوزبك في الشمال، وباتوا هم القوّة الضارِبة لأنقرة في الخارج والداخل، تحديداً مع مُعارضي نظام أردوغان داخل البلاد.

تحرير الشمال السوري من تركيا وإنهاء وجود الجماعات الإرهابية يُعتَبر من قضايا الأمن القومي للمنطقة ككل
تحرير الشمال السوري من تركيا وإنهاء وجود الجماعات الإرهابية يُعتَبر من قضايا الأمن القومي للمنطقة ككل

بات البيان الختامي الكلاسيكي لمؤتمر أستانة يُثير علامات استفهام كبيرة، إضافة للسخرية حول أهم بنوده لدى الشارع السوري... البند الذي يؤكّد على وحدة أراضي البلاد واستقلالها، هو حبر على ورق لدى تركيا التي تحتل الشمال السوري بشكلٍ شبه كامل وتهدّد بالاجتياح واحتلال ما تبقّى منه، وتمارس سلطات الاحتلال بكل تفاصيلها سواء من ناحية التغيير الديمغرافي للمنطقة؛ مثل التعليم باللغة التركية؛ وإعطاء المواطنين السوريين هويات تركية أيضاً؛ وإزالة أبراج الاتصالات السورية وتركيب التركية بدلاً منها، والتعامل بالعملة التركية وتغيير أسماء المدن والقرى إلى اللغة التركية، وصولاً إلى بناء جدار حول مدينة عفرين تمهيداً ربما لضمّها بشكلٍ رسمي، هذا الاحتلال ترافق مع إيجاد أنقرة حكومة وهمية أو صوَرية يقودها سوريو الهوية أتراك الانتماء، حكومة ضعيفة لا تستطيع تعيين شرطي سَيْر في المناطق التي يُقال أنها تحكمها، تشبه الحكومة الفاشية التي أنشأتها ألمانيا أثناء احتلالها لفرنسا، وتعتمد أنقرة في إدارة هذه المناطق على الجيش والمخابرات التركية بشكلٍ رئيس إلى جانب المجموعات المسلّحة مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام والحزب التركستاني وغيرها من المُسمّيات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

التتريك للشمال السوري هو بداية خطّة أنقرة التي تُجاهِر بها من دون خَجَل أو خوف، فقد قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، الشهر الماضي، قال إن دمشق وحلب كانتا لتركيا في رسالة واضحة إلى النوايا التي تكنّها أنقرة لسوريا ككل، وإن لم تستطع، فإنها ستكتفي بالشمال فقط، وتوجِد ألمانيا الشرقية والغربية جديدة، وربما كوريا الشمالية والجنوبية، خصوصاً بعد تصريحات إبراهيم قلن المُتحدّث باسم الرئيس رجب طيّب أردوغان، الذي أكّد أن بلاده لا تنوي تسليم تلك المناطق للدولة السورية.

أسئلة كثيرة يجب أن توجَّه للمجتمع الدولي، إلى متى سيتمّ السكوت عن هذا الاحتلال العَلَني الذي يشبه الاحتلال الإسرائيلي بكل صفاته وممارساته، وهنا يجب أن نسأل، كيف لمواطنين سوريين يدّعون أنهم خرجوا من أجل ما أسموها "الحرية" أن يقبلوا بالاحتلال؟ خصوصاً وأن هذا الاحتلال دفع الشعب لخروجه الغالي والنفيس ولا يزال يحتل جزءاً غالياً على قلوب السوريين المتمثّل بلواء إسكندرون.

يفصلنا نحو أسبوع عن ذكرى السادس من أيار - مايو لعام 1915 هذه الذكرى التي تحرق قلوب السوريين أجمع، حيث أُعدِم 22 من خيرة الشعبين السوري واللبناني الرافضين للاحتلال العثماني، وسُمّي هذا اليوم بعيد الشهداء، ويحضرني في هذه المناسبة بيت شعر مهم للشاعر الشهيد عمر حمد:

"نحن أبنـاء الألى سادوا مجداً وعلا.. نَسل قحطان الأبي جد كل العرب".

هذا البيت كتبه قبل يوم واحد من شنقه مع رفاقه في هذا اليوم، لأنه كان يرفض الاحتلال العثماني.

رفض الاحتلال التركي للشمال السوري لا يكفي، وبيانات التأكيد على وحدة الأراضي واستقلال البلاد لا تكفي أيضاً، من دون خطوات فعّالة لإعادة توحيد البلاد بشكلٍ كاملٍ، خصوصاً وأن أنقرة تواصل تمكين نفسها وحلفائها من الإرهابيين السوريين والعرب والأجانب وخصوصاً الأوزبك في الشمال، وباتوا هم القوّة الضارِبة لأنقرة في الخارج والداخل، تحديداً مع مُعارضي نظام أردوغان داخل البلاد.

النظام التركي يلعب بورقةٍ خطيرةٍ ألا وهي الإرهاب، وفي أية لحظةٍ قد يقفز هذا الثعبان من جُحره ويلدغ مَن حوله، خصوصاً في ظلّ الصراع السياسي التركي في الداخل، حيث وجَّهت الانتخابات البلدية الأخيرة صفعة قوية لأردوغان بخسارته أهم المدن التركية، وبالتالي لو خسر موقعه في الشارع، خاصة بعد انشقاق صديق دربه أحمد داود أوغلو عنه، فقد يوجّه هذه الجماعات نحو الداخل التركي ليقوم بما يُسمّيه تأديب المُعارضين والشارع، وهذه الجماعات لن تكتفي بتركيا فقط بل قد تتوجّه إلى دول الجوار، ما يعني أن روسيا لن تكون بمأمنٍ منها، وهي التي لم تلتئم جراحها في الشيشان والقوقاز بعد.

تحرير الشمال السوري من تركيا وإنهاء وجود الجماعات الإرهابية بشكلٍ كاملٍ فيه وفي الجنوب التركي أمر مهم للجميع، ويُعتَبر من قضايا الأمن القومي لدول الجوار والمنطقة ككل، لأن وجود بؤرة إرهابية ومجموعات مرتزقة تعمل بالمال، يُهدِّد أمن العالم، لأنه يُسهِّل شراء الذِمَم والبنادق التي يحملونها، ووجودهم الآن تحت تصرّف نظام عَبَثي ومُتغطرِس سيُهدِّد العالم ككل، وخاصة مع ما يصفهم ب"أعدائه"، وبالتالي كَبْح هذا النظام وتقليم مخالبه وإنهاء غطرسته الدولية والإقليمية سيكون من أهم ضرورات المرحلة المقبلة، فالعالم لم يعد يحتمل حروباً ونزاعات أخرى.

عودة سيطرة الدولة السورية على جميع أراضي البلاد هي مسألة وقت ليس إلا رغم جميع ما سبق، إلا أن الخطر هو قضية "تتريك" سكان الشمال وهو ما سيؤثّر على سوريا المستقبل