يافث القرشي

باحث وكاتب مغربي

البلطجة الأميركيّة: إيران وفنزويلا نموذجان

بعد عشرة أيّام فقط من فشل الانقلاب المدعوم أميركيّاً في فنزويلا، وفشل خطط الاجتياح العسكريّ لهذا البلد، ها هو ذا النظام نفسُه بصَدَد إشعال صراع آخر على بُعد آلاف الكيلومترات مع إيران. لا يوجد جديد في السياسة الخارجيّة الأميركيّة. خلال سبعين سنة من تاريخ الولايات المتّحدة الأميركيّة كقوّة عُظمى، تدخّلت هذه الدولة أزيد من خمسين مرّة من أجل تغيير أنظمة لا تراها مناسبة في كلّ من أميركا اللاتينيّة، آسيا، وإفريقيا. هذا المقال يرسم علاقة الاستمراريّة القائمة بين ماضي السياسة الخارجيّة الأميركيّة وحاضرها عبر تحليل نموذجيّ فنزويلا وإيران.

البلطجة الأميركيّة: إيران وفنزويلا نموذجان
البلطجة الأميركيّة: إيران وفنزويلا نموذجان

في الحال الفنزويليّة، كان الرهان الأساسيّ على إرباك الجيش الفنزويليّ وتشجيع الضباط على الانشقاق وذلك عن طريق دعم حلفاء غوايديو في الداخل الفنزويليّ بتصريحات إعلاميّة من الجانب الأميركيّ حول فرار مادورو إلى كوبا. من الواضح أنّ الولايات المتّحدة كانت تريد استعادة نموذج انقلاب 2002 الذي ما زال مطبوعاً في أذهان الفنزويليّين، حين طلب هوغو شافيز اللجوء السياسيّ في كوبا، قبل أن تعيده إلى السلطة تظاهرات شعبيّة حاشدة، بعد يوم فقط من الانقلاب. من المهمّ ألّا ننسى انقلاب 2002، فهو أقرب نقطة وصلت إليها الولايات المتّحدة في سعيها إلى خلع النظام الاشتراكيّ في فنزويلا، لذلك بدت محاولة إعادة السيناريو السابق مع بعض التحسينات حلّا يستحقّ التجربة، خصوصاً أنّه لا يكلّف الولايات المتّحدة إلّا سمعتها، و هو الأمر الذي لم تأبه له منذ خمسينات القرن الماضي.
لن تنتهيَ المغامرة الأميركيّة في فنزويلا قريباً، فهي ليست وليدة اليوم، لذلك من المحتمل جدّاً أن تعود الإدارة الأميركيّة، قريباً، إلى نهج أساليب جديدة بهدف الإطاحة بنظام مادورو، مع الإشارة إلى أنّ الخيار العسكريّ هو أحد الاحتمالات القائمة. خطط الغزو العسكريّ لفنزويلا قائمة منذ عهد بوش، مباشرة بعد صعود شافيز وقيامه بإصلاحات اشتراكيّة غير مسبوقة في أميركا اللاتينيّة. لكن غزو العراق اضطّر الولايات المتّحدة لتعليق هذه الخطط، كما يرى الناقِد السياسيّ الأميركيّ نعوم شومسكي، الذي يرى بأنّ غزو العراق جنّب فنزويلا حرباً. غير أنّه بعد صعود ترامب، تواترت التصريحات حول غزو فينزولا مجدّداً، فحسب تقرير لصحيفة الغارديان، فإنّ دونالد ترامب قد اجتمع بوزير الخارجيّة السابق ريكس تليرسون، و مستشار الأمن القوميّ السابق إ تش آر ماكماستر، متسائلاً عن سبب عدم غزو الولايات المتّحدة لفنزويلا، مقترحاً إعداد خطط لغزو البلد، و هو الأمر الذي صدم كلّاً من ماكماستر و تيلرسون. محاولة ماكماستر و تيلرسون ثنيَ ترامب عن هذه الفكرة أدّت إلى عزلهما معاً، و استبدالهما بكلّ من جون بولتون و مايك بومبيو، اللذيْن يتشاركان معه في فَهْمها للعلاقات الخارجيّة.

 

بدأَ الفصلُ الحالي من العداء الأميركيّ لإيران في الثامن من حزيران من العام 2018، حينما أعلن دونالد ترامب خروج الولايات المتّحدة من جانب واحد من الاتّفاق النوويّ الموقّع مع إيران، و هو القرار الذي أتبعه ترامب بفرض " أعلى مستوىً من العقوبات الاقتصادية على إيران"، مُقتبساً تعبيره. هذا القرار غير قانونيّ على أعلى المستويات، بدليل أنّ الاتحاد الأوروبيّ نفسَه، والذي طالما تناغم مع الولايات المتّحدة بخصوص أغلب ملفّات الشرق الأوسط، قد وجد نفسَه مضطرّاً لرفض القرار الأميركيّ و الوقوف مع إيران، على مستوى التصريحات الرسميّة على الأقلّ. اليوم و بعد مرور عام بالضبط على الخروج من الاتّفاق النوويّ، تقرّر الولايات المتّحدة توسيع دائرة العقوبات لتشمل قطاع المعادن، و بالموازاة مع ذلك، تحرّك الولايات المتّحدة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن إلى مياه الخليج، و هي من أضخم السفن في العالم، و تمتلك قدرات هجوميّة كافيّة لتدمير بلد بأكمله. إضافة لهذا، تقرّر أميركا إرسال المزيد من السفن الحربيّة وبطّاريات الباتريوت إلى منطقة الخليج. كلّ هذا ردّاً على ما زعم البنتاغون بأنّها "تحرّكات إيرانيّة استعداداً لضرب أهداف أميركيّة في المنطقة".
كان للجملة السابقة أن تكون أكثر دقّة لو استُبدلت كلمة " إيران " بكلمة "أميركا"، فحتّى الآن، كلّ التحرّكات العسكريّة في المنطقة هي من الجانب الأميركيّ حصراً. الحشد العسكريّ و الضغوط الاقتصاديّة و حرب التصريحات ووشوشةُ الفجيرة كلُّها ليست من عمل إيران، لكن الولايات المتّحدة لم تخجل يوماً من الضرب و التشكّي في الوقت نفسه. ليس من الواضح تماماً ما إذا كانت الولايات المتّحدة ستنجح في مساعيها ضدّ إيران، لكن الاستفزازات العسكريّة و الاقتصاديّة الأميركيّة تتكلّم بنفسها و تكشف بوضوح نوايا الولايات المتّحدة. إن إدارة ترامب لا تشكّل استمراريّة للفهم الأميركيّ القديم للهيمنة فحسب، بل تشكّل تطوّراً نوعيّاً في هذا الفَهْم. لقد أصبح ترامب محاطاً بمسؤولين لا يخجلون من إعلان إعجابهم بمذهب مونرو، و الذي يعني التدخّل بشكل مباشر في الدول المستقلّة من أجل تغيير أنظمتها. يقول تريتا فارسي، رئيس مجلس العلاقات الأميركيّة الإيرانيّة، إنّ جون بولتون كان يحلم بشنّ حرب على إيران لمدّة عشرين سنة، و من الممكن جدّا أن تكون هذه أفضل فرصة له لإنجاز ذلك.