هارون عبد الرحمن

كاتب فلسطيني

مصير القدس بين نبوءة الروم ونبوءة العرب

يعتقد المسيحيون "الإفانجيليون" أو المسيحيون التبشريون أن المسيح يعود للعالم حين تقوم دولة لليهود في فلسطين، ويبنى الهيكل، فيظهر المُخلّص هناك؛ فيؤمن به بعض اليهود، ويهلك في مُعاداته بعض آخر. ورغم أن ثلث اليهود سيتعرّض للإبادة وفق هذا السيناريو المستقبلي، إلا أن هذا لا يمنع ساسة الكيان الصهيوني من ضرب أقوى التحالفات مع الفريق المسيحي المذكور. لعلّ "نتنياهو" يعتقد أنه "يأخذهم على قدّ عقلهم" – فقط حتى محطة بناء الهيكل - وأن هناك نبوءة يهودية ما ستغلب هذا الترتيب المسيحي حين يجدّ الجدّ. بل لعلّ الكذّاب المبير لا يُقيم أي وزن لأيّ دين، ويضحك بكل النصوص جميعاً.

مصير القدس بين نبوءة الروم ونبوءة العرب
مصير القدس بين نبوءة الروم ونبوءة العرب

تلك نبوءة الروم. أما نبوءة العرب، فهي خلاصة العمل البحثي الذي أنتجه الرياضي الشيخ بسام جرار، والذي وظّف فيه أدوات رياضية مع التحليل التاريخي واللغوي والمنطقي، ليصل إلى نتيجة مُحتملة – حسب بحثه - مفادها أن القدس تتحرّر - من منظورٍ عربي إسلامي بطبيعة الحال - في العام 2022.

ليس غرَض المقال تفصيل أيّ من النبوءتين؛ فكل مَن يقرأ هذا النصّ هو مُتصفّح للأنترنت، ويستطيع الوصول بسهولة معقولة إلى مصادر وشروحات عن كلتا "الفرضيتين"، وعن محاولات نقضهما وردّهما. وليس غرض هذا النص محاكمة أي من النبوءتين تبنياً أو رفضاً بل النظر في طريقة تعامل الجمهور، كل مع فرضية فريقه، وعمّا تحمله هذه الفرضيات من "فُرَص" مُحتمَلة. أما الفريق المسيحي التبشيري، فلا يسعنا إلا الاندهاش – اندهاشاً مصحوباً بالحنق – تجاه نجاحهم الملموس في دفع فرضيتهم إلى الأمام. فبعد جهود عريضة ونفقات كثيرة من أجل هذه الأسطورة، مدّ هذا الفريق أميالاً وفراسخ من الطريق المُعبّدة نحو تحقيق النبوءة، وحوّلوا جزءاً من الأسطورة – الأكذوبة في نظر مَن لا يعتنقون المسيحية على طريقة "الإفانجيليين" – إلى سياسةٍ وطنيةٍ مُعتمَدةٍ في الدولة الأقوى في العالم، التي قرّرت بضغط نفوذ هؤلاء نقل سفارتها إلى شرقي القدس، تعزيزاً لجهود تهويد المدينة وكل فلسطين، والسيطرة عليها صهيونياً. أما في الجانب العربي، فقد حظيت نبوءة بسام جرار ببعض اهتمام غداة ظهور أول أبحاثها، واكتسبت قوّة دافِعة عظيمة في أيام الدولة الرابِحة للربيع العربي. لكن بالنسبة للكثيرين ممَن أحبّوا الفكرة فإن القلق يستبدّ بهم الآن، ونحن على بُعد أقل من عامين ونصف العام من موعد التحرير المُفترَض، وسط واقع عربي مُريع، هو أقرب على ما يظهر لتضييع المزيد من العواصم، منه لاسترداد القدس. وهكذا، بينما الروم يحوّلون الفرضية والأسطورة إلى قرارٍ يوقّعه ساكِن البيت الأبيض، نقف نحن عاجزين أمام حقائق حياتنا وأساطيرها معاً، وهذا لعَمري شيء مكبت. فهل من مخرج من هذه الحال الحالِكة؟

كما هو غنّي عن البيان، ليس أيّ فلسطيني أو عربي غير مسلم مُطالَب ابتداء بإعارة فرضية بسام جرار تسليمه وإيمانه. بل لا يمكن انتظار موافقة أكثر المسلمين على الفرضية، سواء قرأوا أبحاثها أم لم يفعلوا. وليس كاتب النصّ معنياً بالترويج لنبوءة الشيخ جرار، فهو وتلاميذه يتوّلون ذلك باستفاضةٍ وإطالةٍ، لكن من المُنصِف أن يُسجّل المرء ملاحظتين إثنتين بخصوص هذه البدعة:

- لا يزعم بسام جرار أنه أنتج "قانوناً" مُحكماً يضمن الغيب. وتأخذ نظريته شكل تحليلات رقمية أسهبَ هو في شرحها، ونتج بواسطتها الكثير من القرائن التي يحشدها معاً للوصول لاستنتاجه المذكور. ولعلّ في فتح الرجل لسجّلاته ومسودّاته جميعها، وشرحه لبحثه خطوة خطوة، شهادة له بأنه جاد في تحرّي الحقيقة والإنصاف. فمَن يُتيح أدوات بحثه للناس يقدّم لهم جميعاً فرصة تخطأتها ونقضها من داخلها، لو أرادوا وقدروا.

- لا يجب إعطاء كثير اعتبار للمُتشكّكين في تحليل النصّ القرآني تحليلاً رقمياً، فقط لأنهم ألصق بالقديم والتقليدي من طرق دراسة وتفسير القرآن. فكتاب الله المعجز والصالح لكل زمانٍ ومكانٍ – بحسب المؤمنين به – لا يجب أن يكون حبيس عصرٍ أو أعصر من مناهج التفسير والتحليل، وغرابة الجديد على التقليديين حجّة عليهم بالجمود، وليست حجّة لهم ببُطلان منهج خصومهم.

وما دامت الحال أن فرضية بسام جرار ليست في أصلها بالشر المَحْض المُستطير، تماماً كما أنها ليست وحياً إلهياً واجب الاعتقاد بها، فما الذي يمنع المُصدّقين بها من المسلمين من التعامُل معها بجدية، كجهدٍ بشري يمكن النظر فيه، والبحث في طيّاته عن الفرصة الكبرى؟ وهل يسع هؤلاء المؤمنون بذل جهدٍ وافرٍ لمحاولة تحقيق الأسطورة إنْ هم صدقوا بها؟ بل أزيد وأقول: إن فخامة الأسطورة، من جهة تعلقّها بمكان مثل فلسطين والقدس وانبثاقها من تحليلٍ لنصوص القرآن، يُعطيها أفضلية في المقبولية والتسويق في أوساط الجمهور المعني، وكم من أسطورةٍ يمكن وأمكن استعمالها في إلهاب حماس الجماهير نحو فعلٍ سياسي كبيرٍ وخطيرٍ، أو تغييرٍ اجتماعي جذري. لا شك أن الاتكّال التام على فرضية في عِلم الغيب هو محض جنون، بَيْدَ أننا نحتاج أحياناً إلى بعض المجانين لتحريك ركود الماء الآسِن في الحياة السياسية، في عالمٍ عربي خرب، تكالب عليه الأعداء من كل حَدْبٍ وصوب، واستبدّ الجمود بكل قواه السياسية التقليدية. فأنّى لنا بمجنونٍ فلسطيني أو عربي يرى الفرصة الكبرى في فرضية جرار؟ سواء عندي أكان هذا المجنون مسلماً مؤمنناً مُعتنقاً للفرضية، أو شيوعياً، أو مسيحياً، أو مسلماً غير مُعتنق للفرضية، لكن تدفعه وطنيته الفائِقة، لمحاولة استغلال أية قنطرة للعبور بها نحو الحرية للقدس أو فلسطين. فهل هذا ممكن؟

تخيّلوا معي: نحن في أحد أيام الجمعة في إبريل من العام 2022. لأيامٍ قليلة خلت، يبدو أن استفزازاً ما وقع من جهة قطعان المستوطنين في حق المسجد الأقصى. لا جديد في ذلك. هناك أيضاً هبّة جماهيرية عمادها الحشود الغفيرة من مُصلّي تلك الجمعة من رمضان في الأقصى – يُقدّر عديدها بأربعمائة ألف – للردّ على الاستفزاز المذكور. لا جديد في ذلك أيضاً، لكن الجديد أن جهة ما أعدّت تدبيراً مختلفاً هذه المرة. لن تكون الهبّة هبّة، بل شيء أكبر من ذلك بكثير. يبدو أن تلك الجهة ال"ما" قامت ليالي رمضان التي انصرمت حتى حينه، تدعو الله أن يقع الاستفزاز لتستكمل مظلّة التغطية على الهبّة، التي ستكون أكبر من مجرّد هبّة. هذه المرة، لم تغادر جموع المُصلّين المسجد بعد ردّ رمزي على استفزاز قطعان الصهاينة، بل هي استحكمت فيه. أكثر من ذلك، هي فتحت صنابير الغضب الجماهيري على الطاقة القصوى، فتمدّدت في البلدة القديمة وأحياء عديدة من القدس، وفارت مراجل الزيت المغلي على النار فازدادت لهيباً، وانفجرت الحشود أكثر وأكثر. كانت سرعة الأحداث تسبق عقل الدولة الصهيونية بمراحل، وفاقت قدرتها على المتابعة والحَصْر. هل عندهم طعام؟ يبدو أنهم أحضروا معهم كميات من الفواكه المُجفّفة والمُكسّرات النيئة، فضلاً عما صادروه من الحوانيت والمحال. هل عندهم معدّات وأدوات؟ هم أرسلوا بضعة آلاف منهم لتنفيذ نهبٍ منظمٍ للأسواق والمولات القريبة: منظفّات، ملابس، طفايات حرائق، عِدَد إسعاف أولي، معلبات، الخ. هل لديهم زعامة مركزية؟ هناك بيان صدر باسم "قيادة القدس الحرّة" يقول أشياء عن الشعب الفلسطيني الذي ضاق ذرعاً بالاحتلال، ولم يعد يطيق لاحتماله سبيلاً. وتتابعت الأيام والبيانات وصولاً لدعوة سكان الضفة عامة، وسكان رام الله والخليل ونابلس خاصة، لقلب الطاولة على نظام التنسيق الأمني. كما هو متوقّع، يبدو أن للبيان الذي يصدر من قلب القدس قوّة السحر، فهو يمشي في عقول الجماهير – على رأي "الأجانب" - كما تقطع السكين الساخِنة قالب الزبدة. هل هناك شهداء؟ الكثير، لكن الناس تتصبّر بوعد 2022. هل هناك قتلى صهاينة؟ بالطبع، وهناك بضعة آلاف منهم، ممَن قادهم حظهم العاثِر للتواجد في البلدة القديمة، يوم انبلجت الهبّة التي لم تكن هبّة وحسب، ممَن أصبحوا رهائن لدى قيادة القدس الحرّة. وتستعد القيادة لاستخدامهم ليس فقط لتبييض السجون؛ بل لحرق أسعار الأسرى الصهاينة لحضيض غير مسبوق. وكلما كان الخَطْب يشتدّ – وهو اشتدّ كثيراً جداً – كان المُحاصرون يذكرون في ما يذكرون عدّة التحرير في العام 2022، وأيقنوا أنهم هم الوعد الذي استقرأه أستاذ رياضيات من الكتاب. كم تدخّل وسطاء فلسطينيون وعرب ومسلمون وأجانب، وكم تحدّث محبّون وكارِهون ومُخادِعون ومخدوعون، لكن قيادة القدس الحرّة كانت كل شيء لم يكنه أبناء مدرسة "الحياة مفاوضات". كان الناطقون باسم القيادة – استبدلوا عدّة مرات بالشهادة - يصرّون على أن برنامج القوم السياسي بسيط: دَحْر الاحتلال وتحرير فلسطين. كانت القيادة تخاطب قطعان المستوطنين بكلماتٍ تجتثّهم معنوياً من فلسطين من قبيل "المهاجرين الغربيين غير الشرعيين"، أو تفرّقهم شيعاً من نحو "الغزاة الناطقون بالروسية". أدارت القيادة معركة اجتماع رأي المُحاصَرين، ومعركة الإعلام – التقليدي والجديد – ببراعةٍ، وبات السؤال ليس ما إذا كانت هذه الهبّة انتفاضة أو ثورة، بل إما إذا كانت هذه الثورة هي الأخيرة، لأنها الثورة التي يعقبها التحرير والتغيير. أكثر من ذلك، بات السؤال الملحّ الضاغِط هو ما إذا كان موعد تسليم الصهاينة بخسارة القدس سيكون فعلاً في أكتوبر 2022 كما تنبّأ بسام جرار، أمْ لعلّه أخطأ خطأ طفيفاً في بعض حساباته، ويمكن للتحرير الموعود أن يُنجَز في أغسطس؟ كيف لا والجماهير باتت تسيطر ميدانياً على أجزاء واسعة من القدس الشرقية وقطاع مهم في غرب المدينة، وفوق ذلك كان هناك نحو 50 تجمّعاً مُماثلاً في مختلف أنحاء الضفة، تحرّر أهم مراكزها ميدانياً، وتفقأ عين الحكومة الصهيونية بخصوص اقتراب الهزيمة. ماتت "شرايين الحياة" – طرق المستوطنين الالتفافية – وانضمت عارة وعرعرة وأمّ الفحم لحركة عصيان ميداني مماثل، وقام مُصلّون عرب بكَسْرِ رتابة البثّ الحيّ لصلوات التراويح في تلفزيونات بلادهم الرسمية، وبثّوا رسائل تضامُن ثورة التحرير والتغيير من المنابر، وبشكلٍ مُتزامنٍ. كانت عين قيادة القدس مصوّبة على اليوم التالي لانسحابٍ وشيكٍ من الضفة، من دون قَيْدٍ أو شرط. كانت تصوّب النظر على الجولة المقبلة الضرورية لهزيمة المشروع الصهيوني في باقي فلسطين المحتلة. كان عند القوم خطّة لخلق حال من عدم الاستقرار لمدة عشرة إلى عشرين عاماً، تجعل ذؤابة المال والعقل الصهيوني تفقد الأمل في الاستمرار على أرض فلسطين، فتتهيّأ الظروف لقيام إقليمٍ سياسي واحدٍ من البحر إلى النهر، هو فلسطين العربية الإسلامية، الذي قد يكون دولة مستقلّة أو جزءاً من دولة أكبر في الإقليم.

إلى هنا، لنوقف الخيال القصَصَي عن الشطحان، ولنعد ليومنا هذا. نفسي الروائي قصير، فمَن شاء فليستوح من نبوءة بسام جرار رواية أكثر اكتمالاً وانحباكاً. الأهم من ذلك: هل يخرج مَن هو مجنون بما فيه الكفاية ليجمع من حوله فريقاً يسعى بإيمانٍ حتمي وأعمى كاملٍ، "لإنتاج" هذه الرواية عملاً حقيقياً في سينما الواقع، وليس على شاشة صغيرة أو كبيرة؟ هل يخرج مَن يقول للرجل الأبيض – الصهاينة و"المسحيين التبشيريين" وغيرهم – "الجواب هو ما ترونه لا ما تسمعونه"، ثم يأتي جواب الأفعال هذا حقاَ، ويفوق في وقعه بلاغة الكلمة وجَزالة الخطبة؟

الأكيد أن هناك مَن يدعو الله: إن كانت نبوءة بسام جرار حقاً فامضها يا رب، ويسّر لها مَن يحشد لها لتحقيقها. اللّهم وإنْ كانت خطأ فامح الخطأ، وأثبتها في القضاء صدقاً وحقاً نافِذاً.