ستيفن صهيوني

صحافي سوري أميركي مختص بالشأن الأميركي

التوتّر الطويل في الخليج يشعل أسعار النفط

التوتّر الحاصِل بينَ طِهران وواشنطن يعودُ تاريخُه إلى قرارِ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الإنسِحاب مِنَ الإتفاق النوَوي الإيراني، والذي تمَ توقيعُه من قِبل الِولايات الُمتحدة وإيران والصين والإتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المُتحدة – في العام 2018 عندما انسحبت أميركا من الإتفاق تسبَّبَ ذلك بِرفع نِسبة التوتّر لدرجة  تورُّط عسكري أميركي مُحتَمل، وحرب إقليميةَ شاملةَ في الشرق الأوسط.

ترامب ينسحب من الاتفاق النووي
ترامب ينسحب من الاتفاق النووي

مُنذُ الإنسِحابُ الأميركيّ من الإتفاق حتى اليوم حصَلَت  سِلسِلةٌ مِنَ الهَجماتِ الغامِضة علىٰ السُفُن في مَضيق هُرمز، من دُونَ أيّ دَليل مَن نفَّذَ هذا الاعتداء، ثُمَ طائِرةً أميركية من دون طَيّار أسقطَتْها إيران، وأخيراً، أمَرتْ الوِلايات المتُحدة بالاستيلاء على ناقِلة نفط إيرانية في البحر الأبيض المُتوسّط، نَفَذّتها المملكة المُتحدة. كُلَّ هذهِ الأحداث زادتِ التوتر بينَ واشنطن وطِهران، الاعتِداء علىٰ السُفُن في لحظةِ حُصولِه إتهمت الولايات المُتحِدة الأميركية طِهران بتنفيذِ الهُجومِ من دونَ أيّ دَليل مُقنِع لكنْ هذا ليسَ غريباً علىٰ الوِلايات المُتحِدة الأميركية كما عَمِلتْ علىٰ مَنعِ إيران مِن بَيع نَفطِها و حجزِ  ناقِلاتِ النَفط في كُلٍ مِن مَضيق جَبل طارق وقناةُ السُّويس.

أوضحت إيران أَنها تتجاوزُ المبادِئ التَوجيهية لِتَخصيبِ اليورانيوم، ومِنَ الواضِح أنّ هذا تكتيكٌ مِن جانِبهم لِبدء المُفاوضات، بِهدَف التوَّصُل إلىٰ اتفاق نَووي نِهائي بينَ الوِلايات المُتحدة وإيران مَقبول لدىٰ الجانِبَين. لكيّ تَتَمكن طِهران من أن تَكون قادِرة علىٰ بَيع نِفطِها، الذي أصبحَ الآن في طريقٍ مَسدود بِسَببِ العُقوبات الأميرِكية، التي تَصِفَها إيران بـ "الحَربِ الاقتِصاديّة".

أسعارُ النَفطِ حسّاسة للتوتّرات في "الخليج العربي"، وبالنَظرِ إلىٰ حقيقةِ أنَّ مُعظمُ نَفطِ العالم يمرُّ عبرَ مَضيقُ هِرمز، فإنّ أيَّ تَصعيدٌ عسكري، أو حرب شاملةَ، سيُؤثر علىٰ العالمْ بِأثرهِ، رَأينا أسعارُ النِفط ترتفع. السُؤالُ هوَ هلْ هذهِ "حَربُ نِفطٍ" أُخرى مُصمَّمة مِن قِبَل الوِلايات المُتحدة؟ يَبدو أنَ الارتفاعِ الأخير في أسعارِ الِنفط يَفيدُ كلّ مَن لديهِ النِفط، باستِثناء إيران.

جَميعُ الخُبراءِ والمَعنيّين يؤكِّدون أنَ الحرب الأميرِكية علىٰ العِراقِ عامَ 2003 كانت تدورُ حولَ الِنفط. في مقال مُمتاز للصُحفيّة "Juhasz"، كتَبتْ ما يلي: "بالطَبع يتعلقُ الأمرُ بالنِفط؛ لا يُمكِنَنا أنْ نَنكُر ذلك" ، كما قال الجِنِرال جون أبي زيد، الرَئيس السابِق للقيادةَ المركزية الأميرِكية والعَمليات العسكرية في العِراق، في عام 2007، كتبَ في مُذكراته، "أشعُر بالحزُن لأنهُ مِن غيرِ المُناسِب سياسياً الاعترافُ بِما يعرُفه الجميع: حربُ العِراق تتعلّقُ بالنِفط إلىٰ حدٍ كبير".. كما قال وزيرُ الدِفاعِ الأميركي الأسبَق تشاك هيغل الشيءُ نفسِه في عام 2007: "يقولُ الناس إننا لا نُقاتِل مِن أجلِهم  إنما مِن أجلُ النِفط. بالطبع".

دونالد ترامب رجُل أعمال بارز، لهُ علاقاتٍ قويةَ لِلغاية مع شَرِكات النِفط العِملاقة، كما يرتبط الكثير من أعمالهِ المَحلية بأسعارُ النِفط. كما سَيخوضُ ترامب عمليةِ إعادةْ انتخابِه في نوفمبر عام 2020 ويحتاجُ إلىٰ أن يكونَ الاقتصادُ الأميرِكي في أفضلِ حالاتِه، حَيثُ سيتُم التَصويتَ لصالِحه اعتِماداً علىٰ الاقتصاد. عموماً يُنظَر إليهِ علىٰ أنهُ رَجُلَ سلامٍ. ومع ذلك، فإنَ وزير الخارِجيّة بومبيو ومُستشارِ الأمن القوميّ بولتون اللذّانِ يُنظرُ إليهِما علىٰ أنَهمُا صقورِ الحرب، مع التركيزُ علىٰ إيران بشكلٍ خاص،  وذلكَ في مُحاولة مِن ترامب لإرضاءِ رئيسَ وزراء الكيانِ الإسرائيليّ نتنياهو. يُمكن وصفَ إدارةِ ترامب، بِشكلٍ عام، بأِنها تنقُل سياستِها الخَارجية بِما يخُصّ الشرقُ الأوسط مباشرةً إلىٰ "تلْ أبيب" أي أنّ السياسيةِ الخارجيةِ لأميركا تتُم إدارتُها وأخذِ القراراتِ في "تلْ أبيب" وليسَ في واشنطن.

صَرّحَ جود ديري المُتَحدّث باسم وزارةِ الخارجيةِ الأميرِكية يومَ الخميس الماضي بأنَ الرئيس دونالد ترامب تَحدّثَ إلىٰ رئيسَ وزراءِ العدو الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. وقالَ ديري "ناقشَ الرئيِسَانِ التعاونَ بَينَ الوِلايات المُتحِدة و"إسرائيل" في تَعزيز مصالِحَ الأمنِ القوميّ المُشتركة بِما في ذلك الجُهودِ المَبذولة لِمنعِ الأعمالَ الخَبيثة التي تقومُ بِها إيران في المِنطقة". وقالَ مكتب نِتنياهو الخميس "ناقش الإثنان التَطوّرات الإقليمية والقضايا الأمنية، أولاً وقبل كُلَ شَيء إيران".

تَميلُ أسعارُ النِفط المُرتفِعةُ إلىٰ تحسينِ الاستثمارِ في البُلدانِ المُصدّرة للنِفط في الشرقِ الأوسط مع تَشجيع فُرَص الصادِرات الأميركية. ومَع ذلك، فإنها تَميلُ أيضاً إلى كبحِ التَصدير إلىٰ الدُول المُستَورِدة للنِفط مِثلُ الصين والهند واليابان وأوروبا. تَحِثُّ كُل مِنَ الصين وروسيا الوِلايات المُتحدة وإيران علىٰ العَملِ بِأقصىٰ دَرجاتِ ضَبطُ النفسُ، وتُشجّع الدُبلوماسيّة علىٰ استِخدامِها لِتهدِئةِ التَوتُراتِ.

أدّىٰ التَوتّر الحاليّ بينَ إيران والوِلايات المُتحدة إلىٰ ارتفاعِ أسعار النِفط. وقالَ فيل فلين المُحلِّل في برايس فيوتشرز غروب في شيكاغو "يرتَفع نِفط برنت أكثرَ مِن خامِ غربَ تِكساس الوَسيط".بِسببُ المَخاطر الجيوسياسيّة لانهُ لا يتم اعتبارُ سِعر نِفط برنت كسِلعة، ولكِن أسعارُه تَتأثر بِمخاطر اندلاعُ حربٍ.

سَتستمر التَوتُّراتِ الحَالية بَينَ واشنطن وطِهران إلىٰ ما بعدَ الانتِخاباتِ الأميرِكية في عام 2020.  لكن هذا التوتُر لنْ يتطوّر ليُصبِح تصعيداً عَسكريّاً لأنَ هذا ليسَ مِن مَصلحةَ أحدٍ وخاصَّةً ليسَ مِن مصلحةِ الرئيسِ الأميركي، فهوَ يعلمُ جيداً أنَّ المصالِحَ الأميركية في المِنطقة ابتداء مِن قُواتِه في أفَغانِستان وصولاً إلىٰ القواعدُ والشَركِات المُتواجِدة في "الخَليجُ العَربيّ" جَميعُها سَتَكون تحتَ مَرمىٰ الصَواريخ الإيرانيّة وحُلفائِها لذلك علىٰ الأرجح سيبقىٰ التوتُر سياسياً واقتصادياً فَقط مِن أجلِ بقاءَ أسعار الِنفط مُرتفِعة وهذا سَيَصُبُّ في مصلحةِ الدُولِ العربيّة في الخَليجِ وأميرِكا.