دينا سلامة

ناقدة سورية

ثلاث حكايا لأيمن زيدان تُضيء خشبة الحمراء

الحرب التي حلَّت ضيفاً خجولاً على المسرحية، جاءت ثقيلة على السوريين ولثماني سنوات، من دون نهاية واضحة، فسرقت بيوتهم، ومصادِر رزقهم، ومُدخّراتهم، ودفعت بالكثير منهم لما دون خط الفقر، فتحوّل دُعاء خبزنا كفاف يومنا، إلى صلاةٍ مشتركةٍ لآلاف العائلات

ثلاث حكايا لأيمن زيدان تُضيء خشبة الحمراء
ثلاث حكايا لأيمن زيدان تُضيء خشبة الحمراء

لم تأتِ مسرحية ثلاث حكايا للمخرج أيمن زيدان، والمأخوذة عن نصِّ للكاتِب والمخرج المسرحي الأرجنتيني أوزوالدو دراكون؛  بجديدٍ كما ينتظر المهتّمون بمُخرجٍ كبيرٍ مرموقٍ بجدارته. فقصص الفقر والفقراء، وجبة دائمة على خشبة المسرح، وشاشات التلفزيون والسينما .

كما لم يخرج الحوار أو الأدوار عن المألوف، إلا في شخصية أدّاها الممثل مازن عباس بحِرَفية، لرجل اضطر إلى القبول بوظيفةٍ غير لائِقة، من أجل أن يُعيل أسرته، فكان وفيّاً لعمله إلى درجةٍ أنه عجز عن العودة لبشريّته.

ورغم اتفاق الحكايا الثلاث على تصوير حياة المُهمَّشين، ومحاولاتهم البائِسة لإيجاد مورِدٍ يسدّ رَمَقَهم، لكن يبدو أن المخرج  فضَّل عدم إغراق الجمهور بالحُزن ونوبات البكاء، فاختار مشاهِد سريعة وحوارات قصيرة وتعبيرات مجازية، وبالَغَ في تلوين وجوه المُمثلين وثيابهم ليظهروا كمُهرِّجين، كناية عن أنه مسرح داخل مسرح، أو وداع مختلف للفرح.

كما فضَّل زيدان الابتعاد عن تعقيدت الحرب في سوريا، من دون تجاهلها تماماً، حيث لمسها المشاهدون مرتين ضمن سياق العرض، الذي تحدَّث عن فريقٍ جوّالٍ يروي الحكايات الثلاث على طريقة مسرح الشارع، فالمرة الأولى جاءت على لسان الشخصيات بذِكرهم مخاطر التواجد في الشارع، والثانية بشيء يشبه الانفجار أحدث جَلَبَة على المسرح، ودفع الممثلين لركوب عربتهم والهروب سريعاً.

بمشهد الهروب أنهى زيدان المسرحية، كما ختم حكاياتها بالموت والعجز، رافضاً مَنْح مساحة من الأمل للجمهور، فهو على حدّ تعبيره في أحد منشوراته على الفيسبوك، غير قادِر على الإصغاء لمَن يتحدَّث بحماسةٍ عن الأمل، فليست كل السُحب مُمطِرة... وما يلوح في سماء اليوم يُنذِرُ بقَحْط ٍموجِع كما يقول.

أداء الممثلين المُمتِع والمُتنوّع، دفع الجمهور إلى التصفيق المُتواصل في نهاية العرض، ليعود كل منهم إلى بيته، وتُطفأ أضواء مسرح الحمراء وسط دمشق، فيما الحياة في الخارج تستمر بطَحْن الفقراء، وإجبارهم على مواصلة أداء أدوارهم في الظلمة، ودونما تشجيع أو تقدير لكفاحهم.

ففي هذه البلاد، لم تعد الفرجة على مأساة الفقراء في الدراما غريبة، ولم يعد بمقدور الكتُّاب والمُخرجين، طرح قصص غير مسبوقة، ليس لأن آخرين سبقوهم، بل لأن الواقع سبَق الجميع، وأينما ذهبت ستجد مشهداً مُكتمِل العناصر، لكن لا أدوار بطولة أو أضواء، بل أرواح مسكينة تتحرَّك بصمت.

فالحرب التي حلَّت ضيفاً خجولاً على المسرحية، جاءت ثقيلة على السوريين ولثماني سنوات، من دون نهاية واضحة، فسرقت بيوتهم، ومصادِر رزقهم، ومُدخّراتهم، ودفعت بالكثير منهم لما دون خط الفقر، فتحوّل دُعاء خبزنا كفاف يومنا، إلى صلاةٍ مشتركةٍ لآلاف العائلات.

لم يخطىء بطل نهاية رجل شجاع، عندما أعاد مع الكاتب محمود الجعفوري، رواية قصص البؤساء، فالفقر المُترافِق مع إنجاب عددٍ كبيرٍ من الأطفال؛ وهي فكرة ركَّزت عليها المسرحية بحكاياها الثلاث، قضية اقتصادية اجتماعية، لا يبدو أنها ستغيب عن مُحاصرة الإنسان في مجتمعاتنا، لاسيما أن المعنيين يكتفون بالفرجة على الممثلين كما الجمهور، من دون الالتفات إلى الأبطال الحقيقيين، أبطال الواقع، لانتشالهم من الظُلمة إلى الضوء، ضوء الدعم والتعليم والرعاية الصحية وفُرَص العمل، فيلتفت المسرح إلى أفكار جديدة.

يُذكَر أن مسرحية ثلاث حكايا بدأت على مسرح الحمراء في 29 حزيران/ يونيو الماضي، وهي من تمثيل مازن عباس، حازم زيدان، خوشناف ظاظا، قصيّ قدسية، ولمى بدور، وإنتاج المسرح القومي في مديرية المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة.

وتسجّل بصمة فنية جديدة لبطل من هذا الزمان، المُبتعِد مؤخراً عن الشاشة الصغيرة، ففي حصيلة السنوات الخمس الأخيرة كما يذكرها ردّاً على مَن يتّهمه بالغياب، ثلاث مسرحيات هي دائرة الطباشير واختطاف وفابريكا، وبطولة ثلاثة أفلام سينمائية هي الأب ودرب السما ومسافرو الحرب، وإخراج فيلم روائي (أمينة)، وكتابة مجموعتين قصصيتين هما أوجاع وتفاصيل.