ميلود لقاح

شاعر من المغرب

موسى الشامي.. حارس لغتنا؟

من أبرز المدافعين عن اللغة العربية ويتصدى للحملات التي تستهدفها... من هو موسى الشامي؟

عُرِفَ بتصدّيه للحملات التي استهدفت اللغة العربية آخرها الدعوة إلى إدراج العامية في المقرّرات الدراسية المغربية. وهو أحد مؤسّسي (الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) التي قوبِلت بحفاوةٍ من قِبَلِ عددٍ كبيرٍ من الفعاليات الثقافية، لاضطلاعها بالدفاع عن العربية الفصحى. إنه موسى الشامي الذي استضافته الميادين الثقافية عبر هذا الحوار الذي أجراه معه ميلود لقاح حول اللغة العربية والحرب التي تتعرَّض لها.


ما الداعي إلى تأسيس (الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية) في بلدٍ عربي مسلم ينصّ دستوره على أن اللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية؟

 

كانت الفكرة عند انطلاق هذه الجمعية سنة 2007 هي كتابة مقالات باللغة الفرنسية ضد خصوم اللغة العربية الفصيحة من الفرانكفونيين المغاربة وغيرهم، وردّاً على ما يكتبون تبخيساً للغة الضاد. وطبعاً كان ذلك باللغة الفرنسية التي يعتقد خصوم الضاد أنه ليس هناك من المغاربة مَن يعشق اللغة العربية الفصيحة وفي الوقت نفسه لهم إلمام باللغة الفرنسية التي يكنّون لها عشقاً خاصاً. خصوم الضاد في المغرب هم الفرانكفونيون الذين لهم تأثير في الوسط المغربي ولذلك كان من الضروري أن نُربكهم باللغة التي "يتقنونها" مُناصرةً للضاد. وقد بدأنا هذا العمل وكانت الضجّة وتساءل بعضهم: "كيف لهذه الجمعية أن تقول وباللغة الفرنسية بأن العربية لغة لها جميع المؤهّلات لمواكبة العصر وأن تعلّمها أسهل من اللغة الفرنسية، وهي فعلاً كذلك وإن كان اللسانيون في بروجهم العاجيّة يروّجون لفكرة أنه ليس هناك لغات سهلة وأخرى صعبة".

الدستور ينصّ فعلاً على أن اللغة العربية الفصيحة مُدَسْترة، ولكن كيف هي هذه اللغة في الواقع المغربي؟ حالتها تدعو إلى مَن يناصرها وهذا ما يجب علينا القيام به. الدولة لها مشاكل وهي تحتاج إلى دعم المجتمع المدني. والجمعية جاءت من أجل هذا الغرض.


أنت أحد مؤسّسي الجمعية، وانتُخِبت رئيساً لها وأُعيد انتخابك لسنواتٍ مع أنك مُتخرّج من جامعة مونتريال الكندية وحامل لشهادة في لسانيات اللغة الفرنسية وكنتَ تدرس في شعبة الفرنسية في الجامعة. وهذا أمر غير مألوف في المغرب. لا شك أن أموراً وراء ذلك، ما هي؟

 

أنا مغربي إبن هذا البلد وفي صِغَري تعلّمت اللغة الأولى، اللغة الأمّ وهي العامية المغربية التي لها روابط حميمية، إذا صحّ هذا التعبير، باللغة العربية الفصيحة التي نتعلّمها في المدرسة ونشعر أنها هي المستوى العالي للعامية. ومن حُسن حظّنا أن المُدرّسين الذين علّمونا العربية الفصيحة استطاعوا أن يزرعوا فينا حب هذه اللغة والمطالعة بها. والإنسان الذي يحب شيئاً لا بدّ من أنه سيغار عليه ولا يريد أن يمسّه شخص بسوء. فكما قلت سابقاً، كنت ألاحظ هجوماً شرِساً على اللغة العربية الفصيحة من طرف بعض الناس الذين يجهلونها، فكان من الطبيعي أن أظهر محبّتي للغة العربية الفصيحة وتعلّقي بها والدفاع عنها، وهكذا ظهرت إلى حيِّز الوجود (الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية). أما دراستي اللغة الفرنسية وتدريسي لها في الجامعة، فلم يمنعاني من أن أكون مُتعلّقاً بلغة بلدي وهي لغة منتشرة في رقعةٍ شاسِعةٍ في العالم زيادة على أنها لغة دين سَمِح مُنتَشِر في بلدان غير عربية وهي كثيرة في إفريقيا وآسيا... والعربية الفصيحة هي جزء من وطننا إن لم تكن هي الوطن، والوطن عندما تُداس كرامته لا بدّ من هبّات "ثورية" لحمايته.

 


نظّمت الجمعية عدداً كبيراً من الندوات في مختلف المدن المغربية، ونجحت في توسيع عدد المُنخرطين فيها. فهل نجحت؟

 

إذا كان هناك نجاح ما فذلك راجع لكون الذين انساقوا مع الجمعية هم من عشّاق الضاد وعددهم لا يُحصى، وقد وجدوا أنفسهم فيها لأنها تعبِّر عن طموحاتهم وما ينتظرونه من تألّق للغة تعيش ظلماً كبيراً وظلّت صامدة لمدة قرون في وجه الأعاصير وما زالت صامِدة وشامِخة.

 


هل هناك مشاكل أو عوائِق تواجه الجمعية؟

 

لم يكن لدينا مع السلطات الإدارية المغربية أية مشاكل في التعبير عن آرائنا وهي آراء في أغلبها تتناقض مع التوجّهات التي تسير على خطّتها هذه السلطات. لكن المشكلة الحقيقية هي مع بعض "المُثقّفين" بالعربية الفصيحة، وغالباً ما لاحظت شخصياً أن تمكّنهم من اللغة العربية الفصيحة ليس في المستوى المطلوب. والكثير منهم كان ضد الحملة التي أطلقناها بخصوص التخاطُب بالعربية الفصيحة بين المُثقفين. وعلى الهاتف كنت شخصياً أتعمَّد الكلام باللغة العربية الفصيحة مع المُثقفين، خصوصاً الأساتذة الجامعيين، وكنت ألاحظ تهرّبهم من التخاطُب بلغة يقولون إنهم درسوا بها ولهم فيها شهادات جامعية. طبعاً هذا يجعلنا نتعثَّر في عملنا... ولكن هذه المسألة لا يمكن أن تُحلّ في وقتٍ قصيرٍ وتحتاج إلى وقتٍ طويلٍ جداً. نحن لنا ميزانية نوفّرها من جيوبنا ولم يسبق للجمعية أن طلبت دعماً مادياً من مسؤولين يلاحظون تدهور الحال الصحية للغة العربية الفصيحة ولا يقومون بأيّ عمل إيجابي لصالحها... نحن نطالب بالدعم اللغوي للغة العربية الفصيحة ونؤكّد أنه حتى في غياب هذا الدعم تظلّ اللغة العربية صامِدة وشامِخة.

 

 


كنتَ من الذين تصدّوا إلى مشروع إدراج العامية في المُقرّرات الدراسية. هل انتهى هذا الموضوع؟

 

هذه الإشكالية طُرِحَت من زمان في البلاد العربية ونعرف بعض مَن كانوا من ورائها، ومن غريب الأشياء أن من بين هؤلاء سلامة موسى من مصر الذي اشتهر باستعمال اللغة العربية الفصيحة في كتاباته. في الشهور الأخيرة أثير الموضوع من جديد في المغرب، من قِبَل خدّام فرنسا، يتحدّثون اللغة الفرنسية في ما بينهم وقلّما يستعملون الدارِجة في معاملاتهم وفي بيوتاتهم ويتزوّجون باللأجنبيات. طبعاً فرنسا التي تريد للغتها أن تصبح هي اللغة السائِدة في بلادنا تعرف أن لها خصماً قوياً هو لغة الضاد وقد رأت منذ عهد الاستعمار أن أحسن وسيلة لخنق اللغة العربية الفصيحة هي تشجيع استعمال العامية ظناً منها أنها ستنجح في ذلك.

أصحاب القاموس المعلوم "البغرير" و "البريوات" و"الغريبة" [أكلات شعبية مغربية]... في التعليم هم أناس لا يفقهون في العربية شيئاً والإنسان بطبعه عدوُّ ما جَهل، وهؤلاء سيستمرون في مناوشاتهم ولا أعتقد أنهم سينجحون، وبما أنهم يعرفون ذلك سيستمرون في مناوشاتهم التي يرومون من خلالها وأدَ العربية الفصيحة للحفاظ على ماء الوجه. الدعوة إلى جعل العامية لغة التعليم هي محاولة فاشلة لجعل المغرب ينطوي على نفسه وإبعاده من العُمق العربي والإسلامي الذي توحّده اللغة العربية الفصيحة.


ماذا يعني لك استهداف اللغة العربية الفصيحة؟

 

استهداف اللغة العربية الفصيحة يعني لي أن خصومَها يخشون قوّتها، لذلك يجتهدون في التنقيب عن وسائل تدميرها، ولكنهم نسوا أن مُثابرتهم في البحث عن هذا التدمير يزيد من تمسّكنا بها والوقوف حصناً منيعاً بجانبها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]