محمد حسن خليفة

كاتب من مصر

لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي حتى الآن؟

يقال إن الكلاسيكيات تضم الأشياء التي نفتقدها. فهل هذا هو سبب مطالعتنا الأدب الكلاسيكي حتى الآن؟

إيتالو كالفينو
إيتالو كالفينو

اقرأوا الكلاسيكيات. إنها النصيحة الأولى التي يقولها أيّ كاتب عظيم للأديب الشاب، فهي أصل الأدب، منها تعلّم الكُتَّاب كيف تُكتب الرواية، وهي المؤثر الأكبر على كتَّاب عصرنا.

الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، يقترح في مجموعة من مقالاته تعريفاً للأعمال الكلاسيكية، قائلًا: "هي تلك الكتب التي نسمع عنها كثيراً، ومن يقول إنني بصَدَد إعادة قراءتها. ولا نسمع أبداً إنني بصَدَد قراءتها".


لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي حتى الآن؟

الأعمال الكلاسيكية هي الكتب التي نُعيد قراءتها مراراً، راغبين في استعادة طعم المتعة الأولى نفسه. هي جزء من العالم وتاريخه، اللقاء الأول الذي يحدث بيننا وبين العالم. مجموع الكُتُب التي تعتبر ثروةً لمَن قرأها، وأحبها، وأحياناً أُغرِم بها، وتظل المرَّة الأولى التي نبدأ فيها بالغوص في الكتاب، لحظةً شديدة الخصوصية، تحتفظ ببهجتها دائماً.

قد تكون القراءة في مرحلة الشباب، أقل فائدة لعدم الصبر والتركيز. لذا فإن إعادة قراءة الكُتُب التي سبق واطّلعنا عليها، في مرحلة النُضج، أمر مطلوب، وتكرار للمتعة السابقة، مع عناية أكبر بالتفاصيل.

كما أن هناك تأثيراً خاصاً للأعمال الكلاسيكية، فهي تفرض نفسها على الذاكرة، وحتى وإن اختفت معالمها مع الوقت. نجد لها أثراً في اللاوعي وتحمل داخلها، حين تصل لنا، أثر القراءات السابقة. منا أنها تستدعي الأثر الذي تركته في الثقافة، أو في الثقافات التي عبرتها من تقاليد وعادات أو لغة.


من ألف ليلة وليلة والمعشوقات السبع إلى سندريلا

نَعرفُ العمل الكلاسيكي نتيجة استمراره، ووجوده حتى الآن. إثارته الدائمة للتساؤل، والنقد، والدَهشة حين نعود لقراءته أكثر من مرَّة. وتبدو عند القراءة جديدة وغير متوقّعة، كأنها مكتوبة الآن.

لو رجعنا لــ "ألف ليلة وليلة"، إحدى كلاسيكيات الأدب، هذا العمل الضخم، المكوّن من حكايات ما زالت تُقرأ حتى اليوم، فارضة نفسها بقوة، متّخذة من القصة القصيرة نمطاً لها، نجد أنها لم تقتصر على دخول قلب قُرّاء اللغة العربية، ودول آسيا، وفارس فقط، بل غزت كذلك قلوب القرّاء الأوروبيين، وأصبحت شيئاً أساسياً في القراءة، والنقد، وتُستلَهم منها كتابات كثيرة، بمعنى آخر أصبحت مادة أساسية لأي روائي، وكاتب.

الأمر نفسه مع "المعشوقات السبع للنظامي". القصيدة الفارسية للفيسلوف نظامي جنجافي (جمال الدين إبن زكي) التي يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر، حيث يقع الملك بهرام في هوى سبع صوَر لسبع أميرات، كل واحدة منهن إبنة لملك من ملوك القارات السبع، ويتقدّم لطلبهن للزواج، ثم يقيم سبعة أجنحة، لكل واحدة منهن يوم من الأسبوع، ولكل جناح لون مختلف بُني على منوال الكواكب السبعة. القارىء يرى فيها حكاية خرافية لكنه سيعثر على المتعة ذاتها التي تذوّقها من قرأها قبلك، فهي كــ "ألف ليلة وليلة" و"رولان ثائراً" لأريوستو.

قصص أخرى عجائبية مهّدت لكثير من الحكايات التي نقرأها ونراها الآن، ونستمتع بها مثل: سندريلا، الجميلة والوحش، سنو وايت، حكايات أندرسن، حكايات بازل، ومغامرات هلكبرى فن لمارك توين.

"كل شيء قد قيل" هذه الجملة مكتوبة في مقدّمة الأعمال الشعرية الكاملة لشارل بودلير، وهي مُرعبة لأقصى حد. تخيّل أن كل شيء في الأدب بكافة ألوانه من شعر، ومسرح، قصة، رواية، قد قيل مِن قبل؟ تُرعبُ أي مُقبلٍ على الكتابة، لأن كل شيء قد كُتُب وما نفعله ما هو إلَّا إعادة تدوير وصوغ، فالأفكار واحدة، الفرق فقط في طريقة الكتابة، في العرض، اللغة المُستخدَمة، لذا الأعمال الكلاسيكية يمكن أن نطلق عليها جملة بودلير "أن كل شيء قد قيل"، هي النواة الأولى للأدب، التي انطلقت منها كل الكتابات الحالية، وما نقرأه الآن بصوغ جديد، كان له صوغ قديم.


معطف غوغول ومداخن لندن

"كلنا خرجنا من معطف جوجول" قالها فيودور دوستويفسكي مرة اعترافاً منه بفضل نقولاي جوجول على كُتَّاب روسيا كتشيخوف وبوشكين وتولستوي وغيرهم.

تشارلز ديكنز "صديق مشترك" في الأدب الكلاسيكي الذي ما زلنا نقرأه حتى الآن مع كتّاب روسيا، وغيرهم، فأغلبنا أثناء مراحل الدراسة المختلفة قد قرأ شيئاً من قصص ديكنز، سواء كان مُقرّراً عليه، أو قراءة حرّة، فكل أعماله تترسّخ في الذاكرة، بشخصياته الهزلية، وأحياناً المُعقّدة والتراجيدية، الشخصيات الفقيرة التي تبحثُ عن نفسها في أحياء لندن، بمداخنها العجوزة.

كتب ديكنز روايته الشهيرة "الصديق المشترك" عام 1864-1865، بينما كتب دوستويفسكي "الجريمة والعِقاب" عام 1865-1866، وكان الأخير أشدّ المُعجبين بديكنز وقارئاً له، لكنه لم يكن قرأ "الصديق المشترك" بعد.

الآن نعتبر تلك الروايات علامات فارِقة في الأدب، لا نستطيع أن نفوّت قراءة واحدة منها، وغالباً لدينا لديكنز ودوستويفسكي مكان في مكتباتنا.

"أنت لا تستطيع أن تبدّل رف الأعمال الكلاسيكية في المكتبة برف آخر".

ما زلنا نطالع الكلاسيكيات لأننا نجد في كل كاتب/كتاب شيئاً نفتقده، لا يملأ مكانه. فتولستوي ينقل على الصفحة الحياة كما هي تماماً، هو أعظم كاتب للحروب، وديكنز هو مَن يستطيع أن يقدِّم لك لوحة اجتماعية شديدة التعقيد للطبقات المُتصارِعة. كما لن تجد شخصاً كتب القصة القصيرة مثلما فعل تشيخوف، ولا آخر شرّح النفس البشرية قبل أن يُصاغ كثير من نظريات علم النفس مثل دوستويفسكي، ولا أحد كتب مسرحاً مثل شكسبير، ولا ملحمة مثل الإلياذة، ولا الكوميديا الإلهية.

 ما نفعله الآن أننا نقرأ الأدب الكلاسيكي، ونعيد صوغ ما كُتِب من قبل، في شيء يبدو جديداً.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]