غنى مونس

كاتبة من لبنان

فأووا إلى المكتبة

لطالما كانت القراءة فعل تنسّك وخشوع.

  • "فأووا إلى المكتبة"

فوضى في أرجاء المجرّة كلها… في أرجاء الكوكب … في أرجاء البلاد… في أرجاء الروح وزواياها أيضاً، وحين تعمّ هذه الفوضى الروح.. لا بد لي من أن ألوذ بالمكتبة …

لطالما كانت القراءة فعل تنسّك وخشوع. مع كل يوم يمر، ومع كل كتاب، أستحضر في الروح كلمات تخلد ذاك الإحساس للكاتبة ليلى الجهني …

نعم، أنا أكبر، وأتورّط في سحر القراءة والكتب أكثر فأكثر. "لم تعد القراءة بالنسبة لي متعة بل غريزة كالجوع تماماً.

يقولون إن النساء يرتحن من ضغوط الحياة وهمومها بعض الشيء حين يقمن بالترتيب … لكنني لطالما كنت مُخاِلفة لهذه القاعدة …

مكتبي في حرب دائمة مع التفاصيل، هنا كتاب فتحته على الصفحة الفلانية، وهنا ورقة أفقدها مهمة جداً تحوي ملاحظة لا أريد أن ، وتحمل بيت شعر سمعته ودوّنته عليها خوفاً من النسيان…

يمكنني أن أسنّ قواعدي بسهولةٍ في المنزل، هذه غرفتي، أغلقوا الباب وكفى، أما في العمل، فلا بد من الاستماع إلى ملاحظات المدير العظيم الذي كنت أرسل له، كلما أردت إقناعه بوجهة نظري، صورة لمكتب إينشتاين، لإقناعه بأهمية الفوضى الخلاّقة.

 

عندما يجتاحني داء الرتابة والروتينولوجيا، أشعر بضرورة اللجوء إلى مكتبتي، فمنذ وقت بعيد، "أدركت أن لا شيء يمنحني الأمان مثل أن أجد نفسي بين الكتب" و"أية مكتبة تُشعرني بأنها مكان آمن لكي أحيا فيه طويلا"ً.

 قد يُمَكِّنُني ترتيب رفوف مكتبتي من ترتيب فوضى روحي بعض الشيء، ولا بد لي من ذلك اليوم. غير أنّي كلما لذت بها، ازدادت فوضى روحي تأجّجاً …

أبدأ بالرفوف السُفلية: أحاول تصنيفها وفقًا للغات …. للموضوعات … لدور النشر … لكُتّابها على الأقل، وهؤلاء لهم مع شخصياتهم جلساتهم السرّية على رفوفي، الأمر الذي اعتدته منذ نعومة أظافري … لطالما جلس تيمورلنك مع جحا، والمتُنبّي مع "صوفي" (من قصص الكونتيسة دو سيغور)، وتناقلوا الأخبار والحكايا والقصص في ما بينهم ... حتى الأمير الصغير؛ وجد عندي الكثير من الأصدقاء...

أنتقل إلى رفوف أخرى، أجد فيها نسخات مما أحبّه أو مما أكابده في هذا العالم… هناك، على ذلك الرف، تركُن بعض المُقدّسات..

في مُقدّسات هذا العالم أمور كثيرة، بدءاً من آلهة الأوليمب، وليس انتهاء بالأنا، التي يحيطها غالبيتنا بهالات العَظَمة،  وفي مُقدّساتي أمور أخرى:

في مُقدّساتي كتاب لنور الدين عبد الرحمن الجامي، "ملحمة يوسف وزليخا"، كنت قد حظيت بها خلال زيارة لمكتبة أنطوان في بيروت، لا أدري يومها كيف نادتني من بين كل تلك الكتب، بحيث لم أستطع اختيار غيرها. يومها،  كنت  في فعالية ثقافية هناك، وما اعتدت زيارة مكتبة والخروج منها خالية الوِفاض، ولو اضطرني الأمر للذهاب سيراً إلى العمل لبقية الشهر.

يومها، عدت إلى المنزل في الساعة الحادية عشرة مساء، مُنهَكة بعض الشيء، لكن غير قادرة على مقاومة سحرهما. كيف السبيل إلى ذلك؟ التفاؤل في كتاب من 400 صفحة… على غرار ما يفعله الإيرانيون بديوان حافظ في ليلة يلدا الشهيرة… أنوي شيئاً، أفتح الكتاب، وأكمل ما تبقّى منه، وأعيد قراءة الأقسام الباقية في وقتٍ آخر...

تفألت به، وكان وداع يوسف وزليخا، ومن ثمّ موته، وفاجعتها، اقتلعت عينيها بعد أن ناجت قبره، فلن تبصر بهما بعد فقده من يضاهيه حُسناً.

حزن زليخا كعشقها، يتركان أثراً لا يُمحى، بحيث تغفو وتستيقظ وفي القلب غصّة، لا تفارقك، ويزداد لهيبها كلما ذُكِرت كلمة عشق كُتِبت بدماء القلب. لا يهم إن حصل الأمر منذ قرون، عشّاق القراءة لا يولون اهتماماً لذلك، إنهم يعيشون مع شخصياتهم، يألمون لألمها ويفرحون لفرحها ويتباهون بها كما لو أنها من أفراد عائلتهم.

غصّة الفِراق والفَقْد حوّلت ملحمة الجامي إلى معبد مُقدّس، لا يمكنني دخوله، لم أعد أستطيع أن أتصفّحه، ولا أن أقرأه، ولا أن أتخلّى عنه، أضعه هناك على الرف، أتأمّل النقش الفارسي على غلافه... هذا الكتاب كان قَدَري… نعم.. الكتب قَدَر، وحبها نعمة ورزق أيضاً…

في مُقدّساتي كتاب خشبي حظيت به هدية، تحفة فنية أرى فيها روحاً مُلهِمة، تجتثّ كل ما يمكن أن يسلب روحي ألوانها … يومها قلت لصديقي الذي أهدانيه: 'You Made My Day"، وكذبت كثيراً في ذلك، لم تكن هدية ليوم واحد فقط، كانت هدية للعُمر كله، أو لما تبقّى منه.

في مُقدّساتي أمور أخرى كثيرة، كتاب للصلوات من ديانات العالم كلها، كتاب آخر عن الهدوء ، كُتيّب يجمع أجمل ما قيل عن الخيول ولوحاتها، وآخر عن الحب، وكتب أخرى،  جمعتها على مدى 40 عاماً، تنير زوايا القلب والروح، وتسلّيها….

***

اليوم، وبعد "كركبة" روحية عجيبة، أوقفت الكرة الأرضية بأكملها عن الدوران، تحديت العارِض الصحّي الذي يتآكلني بعض الشيء، ولذتُ بمكتبتي منذ الصباح، بحثاً عن بعض هدوء، وبعض سلوان، وبعض خلاص من فوضى، أجمله ربما.

استعرضت شريط أوقاتي كلها على رفوفها، دوافعي لانتقاء كتبي، وشرائها، تفاؤلاتي  بها، السطور التي وجدت نفسي فيها، وتلك التي أنكرتها ... الشخصيات التي أتشارك معها الكثير، وتلك التي أودّ لو أمحو ذكرها وطَمْس آثارها ... المواقف التي أضحكتني، وتلك التي أثقلت كاهل قلبي، فجررت نفسي بعد قراءتها، مُنهَكة، أحمل كأطلس هموم الدنيا كلها على عاتقي....

وأنا أستعرض كل ذلك، انتابني إحساس عارِم بالوفاء تجاهها، فهي لم تخذلني يوماً، ولن تفعل …

حظيت بالكثير من اللحظات الوردية، غير أني لم أخرج من المكتبة بما خطّطت له، بدّلت فقط أماكن بعض الكتب بحنان، همست لبعضها بشوقي له، ووضعت البعض المُتبقّي على جنب، لأطّلع عليها لاحقاً. حظيت أيضاً ببعض الأوراق القديمة.

وتجلّت لي هُويتي: لا أستطيع، ولا أرغب في أن أكون غير ما أنا عليه، هذا ما أصلح له: "أن أعي العالم وأتعامل معه من خلال كتاب".

حظيت اليوم بيقيني هذا، وجلّ ما حظيت به كان أيضاً هذي الكلمات.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً