عبد الرحيم نور الدين

كاتب ومترجم مغربي

جورج حنين ... رائد السورياليين العرب

في اليوم العالمي للشعر ... تعالوا لنتعرف إلى رائد السورياليين العرب جورج حنين.

تقديم وترجمة عبد الرحيم نور الدين

يوم 23 يوليو/تموز سنة 1973 كتبت فرانسواز جيرو على صفحات الإكسبريس، تنعى صحفياً من أسرة المجلة: "غادر جورج حنين الحياة، بالأناقة التي كان هذا الرجل النبيل، والمعلم العظيم في ترتيب الكلمات، يضعها في كل شيء. كان رجلاً ذا جودة وكان أكثر قيمة بالنسبة لنا. رجل أحب البساطة، قبل كل شيء".

إنه السوريالي المصري جورج حنين الذي اشتغل كصحفي في "الإكسبريس" بعد أن التحق بها سنة 1967. وكان قد عمل في "جون أفريك" قبلها، كما كانت له كتابات وإسهامات في منابر كثيرة. إتقانه للغات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية والعربية، ومعرفته بالشرق الأوسط، وثقافته الواسعة، جعلت أوراقه الصحفية مطلوبة وثمينة.

ولِدَ جورج حنين في القاهرة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1914 وتوفى في باريس عام 1973. كانت عائلته تنتمي إلى البورجوازية القبطية، وكان أبوه صادق حنين باشا "موظفاً سامياً" ودبلوماسياً، أما أمّه ماريا زانيلي فكانت إيطالية الأصل. تزوّج بحفيدة الشاعر أحمد شوقي، إقبال العلايلي، التي كان يسمّيها "بولا".

كان جورج حنين دائم التنقّل منذ طفولته، لكن معارضته لسياسة جمال عبد الناصر اضطرته إلى المنفى سنة 1962. وهكذا قاده الترحال من مدينة إلى أخرى (أثينا، روما، جبل طارق، الدار البيضاء) إلى أن استقرّ في باريس حيث فارق الحياة. وبالرغم من مقامه في العاصمة الفرنسية، إلا أنه لم يكفّ عن انتقاد هذه المدينة ومثقّفيها. يقول في أحد نصوصه: "سوء الفهم في باريس لم يسلم إلا بفضل الفرقة الأجنبية. ذلك أنني أسمي الفرقة الأجنبية... بيكاسو، ميرو، مودغلياني، أبولينير....".

ساهم جورج حنين في المغامرة السوريالية الفرنسية حيث كان مقرّباً من أندري بروتون. وكما هو معروف، فإن الأخير، بمعيّة صديقيه أراغون وسوبو، هو مَن خلق الحركة السوريالية سنة 1924. جاءت الحركة، التي سرعان ما امتدت إلى كافة بلدان أوروبا، كثورة جذرية ضد كل المواضعات الأخلاقية والاستيطيقية والأدبية، وضد الواقعية والمنطق.

وبسبب الخلافات التي قامت بين بروتون وبين الحزب الشيوعي الفرنسي بخصوص قضية التزام الكاتب والفنان، ابتعد جورج حنين سنة 1948 عن السوريالية.

كان لحنين حضور قوي ضمن الأوساط السوريالية، ونتيجة إيمانه بقدرة السوريالية على الخلخلة، نقلها إلى مصر في منتصف الثلاثينيات. جدير بالذكر أنه أسس جماعة "فن وحرية" التي أصدرت عام 1938  بيانها الشهير بعنوان "يحيا الفن المنحط".

ساعد رائد السورياليين العرب الكثير من الكتّاب والفنانين في اقتحام مجال الإبداع والنشر؛ ومن بين هؤلاء الشاعرة جويس منصور التي سُحِر بمضامين نصوصها وكتب مقالة عنها عام 1954 في مجلة "البورصة المصرية".

ترك المفكّر والشاعر الراحل عدّة مؤلّفات  نذكر منها: "لا مبرّرات الوجود" (1938)، "من أجل وعي منتهك للمحرّمات" (1944)، "المتنافر" (1949)، "الصورتان" (1953)، "إلماعة  كافكا" (1954)، "آراء حول كيركيغارد" (1955)، "العتبة المحرمة" (1956).

ولإخراج جورج حنين والسوريالية المصرية من طيّ النسيان وإعادة الاعتبار إلى جماعة "فن وحرية"، انعقد مؤتمر في القاهرة تحت عنوان "السورياليون المصريون من منظور عالمي" عام 2015 ، من تنظيم (مؤسّسة الشارقة للفنون). وتناول المشاركون الحركة السوريالية المصرية التي امتدت من 1938 إلى 1965 في كافة تجلّياتها الأدبية والفنية.

وهنا نصوص مختارة لجورج حنين:


النص الأول

أعتقد، في ما يتعلق بالشعر على الأقل، أن هناك فرصة لتهنئة النفس عن عدم يأس الإنسان، بعد مغامرة برج بابل الكارثية، من تصالحه مع الكلمات. وربما ينبغي حتى الإقرار أمام الذات بأن الشعر يمثل التجربة الناجحة الوحيدة للمصالحة التي حاولها البشر على مر العصور الماضية.

في الشعر، لم تعد الكلمة تنقلب ضد الإنسان، بل على العكس إنها تمدده من جميع النواحي، وتنتزعه من انهزامه اليومي. تساهم الكلمة، بنفس درجة مساهمة الأشياء الحسية والوقائع الجسمانية تقريباً، في جعله واعياً باتساع رغباته - وكثمن شيطاني يجب أداؤه من أجل هذا النصر الأول – وفي ما تقترح عليه باستمرار من رغبات جذابة أكثر.

يستطيع الشاعر، بفضل هذه المصالحة، أن يبصر ما وراء المرئي، وأن يساءل من دون كلل أبعاد حياته الخاصة، وأن يعرض صورة قَصْره على شاشة البشر الآخرين المثيرة للشفقة، وأن يقود هؤلاء بدورهم نحو كل ما هو صالح للرغبة، وصالح للحلم، وصالح للامتلاك أو للتفجير، وصالح لتسديد الحياة. مثل الساحر الذي تصلح صيغه التعويذية لإثارة التجليات المرغوب فيها، يسمي الشاعر الكائنات، والأشياء التي يستدعيها في الوقت عينه بحضوره في العالم وبانفصاله عنه، وهو يسميها بكيفية خاصة، وبلمعان يسير من الرقة إلى الغضب الشديد، والذي يشكل المغالاة الشاعرية.

يجب أن تكون القصيدة قابلة للاستئناف والاستعادة والتعديل للجميع ومن طرف كل حي. نحن مَن تحق لنا إطالته، وربما إنهاؤه، ليس للتو ولا بصوت مرتفع، وإنما يوماً ما، في الحلم أو في الأفعال، في مكان ما وبكيفية ما، في الساعة التي يهرب الشعر من المكتبات التي نملكها أو التي نحن إياها.


النص الثاني

بسبب كون الشعر مكرساً للبحث القلق والمتواصل عن "المكان الآخر"، فإنه لا يستطيع اختيار مركز ثقل عالم شبيه بورش ضخم، كمكان للاستراحة وللسكن. إذا كان إنسان الغد يقبل الزوال في مصير جماعي، فإذن سيكون الشعر بالنسبة له فرصة للعزلة.

إنه صوت في الليل، لكنه مثل تلك النساء اللائي تطلعن من تسنن العاصفة لأجل إرباك الحياة المكتسبة، صوت يوحي بارتحال غير منقطع ليس موازياً لأي سبيل آخر.

وهذا الترحال يتم في العزلة المستعادة التي هي المورد الكبير لمجهول حيث نرتعش كل مرة من الاغتراف. لا نتحد مع الشاعر. إن المرء يصير وحيداً عند الاتصال به.


النص الثالث

عندما يقود عناد المنطق إلى وضعيات من دون مخارج، فإنه من المناسب أن يصطنع المرء من نفسه شاعراً. لكن كيف ننقاد إلى عدم استخلاص النتائج من استحالة الختم؟

النصوص المترجمة مقتبسة عن كتاب "دفاتر 1940/1973. الروح الضاربة" الصادر سنة 1980 في باريس عن (دار مداد) للنشر.

النص الأول من الصفحة 25، والنص الثاني من الصفحة 55، أما النص الثالث فمن الصفحة 193).

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]