بشري عبد المؤمن

صحافي وشاعر من مصر

تاريخ المجلات الفُكاهية في مصر

من "أبو نضّارة" إلى "المطرقة" ... إليكم هذه الجولة على تاريخ المجلات الفُكاهية في مصر.

  • صورة من مجلة أبو نضارة
  • غلاف مجلة أبو نضارة زرقاء
  • صفحة من مجلة أبو نضارة

في الواحد والعشرين من ربيع أول سنة 1295هـ الموافق عام 1876 ميلادياً، صدر في القاهرة العدد الأول من مجلة "أبو نضّارة" التي أطلق عليها بداية إسم "أبو نضّارة زرقاء"، وتحمل عنواناً فرعياً هو "جريدة مسليات ومضحكات".

وعليه، يمكن أن نرجع تاريخ الصحافة الفكاهية في الوطن العربي إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً خلال فترة حُكم الخديوي إسماعيل حين أصدر يعقوب صنوع في 1876 مجلة "أبو نضّارة"، التي تمّ توزيعها بكميات كبيرة تزيد على عشرة آلاف نسخة كما يذكر الكاتب الساخِر مصطفى رجب، وهو رقم كبير جداً بمقاييس ذلك العصر.

يشير إبراهيم عبده في كتابه "أعلام الصحافة العربية" إلى أنه لا توجد في العالم كله مكتبة خاصة أو عامة تحتفظ بالعدد الأول من المجلة، ولا بالأعداد التالية التي صدرت وهي 15 عدداً، فقد تم جمعها من قبل في مخطوط كتبه يعقوب صنوع في صورة مطابقة كل المطابقة لما صدرت به تلك الأعداد في عهد الخديوي إسماعيل، لكنها حُرِقت ولم يحتفظ بها أحد.

ثم في عام 1891 أصدر عبد الله النديم صحيفة "التنكيت والتبكيت". كانت هذه أول صحيفة أدبية تهذيبية تستخدم النقد من خلال السخرية. تحت عنوان "أيها الناطق بالضاد"، كان النديم يكتب مقالاته المُدافِعة عن اللغة الفصحى وبيان أهميتها والدعوة إلى المحافظة عليها. حينها، نجح أسلوب الجريدة في استمالة وشدّ انتباه القرّاء كما زاد من شهرة الصحيفة مُخاطبتها للبُسطاء بلغتهم ومقدرتهم الفكرية.

السُخرية كانت الغالبة على الخط التحريري لصحيفة "التنكيت والتبكيت"، لكن لغة النديم الساخِرة صارت بصمة من بصمات أدبه المميّزة له في الأدب النثري والأزجال، فسخريته ليست لفظاً كما في السخرية القديمة التي تقوم على التورية أو التجنيس اللفظي. سخريته كانت تعتمد على موقف حيث يصوّر في مسرحياته وقصصه ومحاوراته ومقالاته مواقف إنسانية يفيض منها حسّ السُخرية إلى حد المُبالغة وهي أحياناً أقرب إلى الهجاء.

لكن النديم، وكما حال الساخرين من السلطة في أوطاننا، دفع الثمن غالياً، حيث نُفيَ إلى يافا في فلسطين ليعود إلى مسقط رأسه مصر في بداية عهد الخديوي عباس حلمي الثاني في العام 1892.

 

  • صورة من العدد 20 لمجلة حمارة منيتى
  • صورة من مجلة حمارة منيتي
  • التنكيت والتبكيت

وقتذاك، وفي عام عودته نفسه، أقام النديم في الإسكندرية ورجع إلى الصحافة فأنشأ مجلة "الأستاذ" لتكون منبره الجديد، وكانت كما أراد، حيث تسابق إليه القرّاء.

فــ "الأستاذ" اتفقت مع أذواق العامة والخاصة بمحتواها الأدبي والاجتماعي، وكذلك أسلوبه الفُكاهي والساخِر الذي جعل مقالاته تحصد حصّتها من المتابعة، ولعلّ أشهرها كانت "لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا".

وبذلك انتشرت "الأستاذ" انتشاراً متوقّعاً وترافقت مع تغيير في رؤية النديم لبعض القضايا السياسية، لاسيما أنه اتّجه إلى  قضايا تحمل طابعاً اجتماعياً في المقام الأول.

لما انتشرت "الأستاذ" عاد النديم إلى طبيعته مُعلياً صوته ضد الإنكليز. فقد تتابعت محاور الضيق والقلق على كرومر ممثل الإنكليز في مصر فنسج حول النديم التهم والشائعات حتى نُفيَ إلى الخارج فاختار يافا للمرة الثانية واستقبله الناس بحرارة شديدة حيث عرفوه من المرة الأولى ووجدوه واسع الخبرة وقوي الحجّة .

مع مطلع القرن العشرين، بدأت ظاهرة المجلات والصحف الفُكاهية تتوسّع أكثر فأكثر، مُستقطبة أقلام مشاهير الأدباء وفي مُقدّمهم بيرم التونسي، وحسين شفيق المصري وغيرهما، ممَن اتخذوا الفُكاهة أسلوباً في مخاطبة القارئ.

هكذا توالى صدور المجلات الفُكاهية مثل "حمارة منيتي" وهي مجلة سياسية فُكاهية  لصاحبها محمد توفيق صدر العدد الأول منها عام 1900. أما في العام 1907 فقد أصدر أحمد حافظ عوض مجلة "خيال الظل" التي اهتم فيها بالصوَر الكاريكاتورية الناقِدة للحكومة.

استمرت الحال في مصر على هذا المنول فظهرت كذلك مجلة "السيف" التي حملت بعد ذلك إسم "السيف والمسامير" وأصدرها حسين علي وأحمد عباس، وكان مكمن تميّزها في ما يُطلقون عليه "القفشات" حول السياسة والحُكم والمجتمع وبعض الشخصيات البارزة آنذاك.

ثم بعدها صدرت واحدة من أشهر المجلات الفُكاهية المصرية عام 1921 والمعروفة بــ "الكشكول". هذه المجلة أسّسها سليمان فوزي وأخذت على عاتقها الاهتمام بالفُكاهة السياسية حتى قيل إنها وقفت لحزب الوفد بالمرصاد، مُهاجمة الزعيم سعد زغلول ومُنتقِدَة سياسة الحزب بالصوَر الكاريكاتورية والمقالات الساخِرة.

  • غلاف مجلة الكشكول
  • غلاف مجلة الكشكول
  • غلاف مجلة الكشكول

تحدّث عبد الله أحمد عبد الله، المؤرِّخ الفني المعروف بـ"ميكي ماوس"،  في كتابه "الصحافة الفُكاهية" عن مجلات "البغبغان - السيف - الناس - المسامير" والتي أشرف على تحريرها جميعاً حسين شفيق المصري، الذي أسعفته طاقته النادرة على الإضحاك بالقلم، على تحرير صفحة واسعة الجنبات أسبوعياً، ويذكر عبد الله أحمد أن المواد كانت تدور حول "حديث أمّ إسماعيل - حديث الحاج سيّد - القهوة البلدي - المشعلقات"، وكلها كانت أبواباً ناجحة في وقتها، وانتقلت معه إلى "المطرقة" حين تولّى تحريرها بعد هذه الصحف الأربع بعام أو أكثر.

مُضيفاً: "لقد توارثنا نحن الجيل التالي له بعض هذه الأبواب حين عملنا في الصحافة الفُكاهية وإن كنا طوّرناها أسلوباً ومضموناً بما يُلائم إيقاع العصر". أما في العام 1928 فأصدر بديع خيري مجلة فُكاهية أسبوعية حملت إسم "1000 صنف"، والتي تميّزت بعدد من الأبيات الزجلية الثابتة على غلاف كل عدد، وكان خيري يُحرّرها وحده فكاهياً.

كان من أسباب قوّة "1000 صنف" دعوتها الشديدة للحياة والإقبال عليها، ونبذ الخلافات والابتسام في كل وقت، ومن أبياتها المنتشرة: "الدنيا دي زي العقرب.. اضربها صرمة تعيش مرتاح".

ويبدو أن خيري كان مُنشغلاً عنها بما يكتبه للمسرح والسينما فاحتجبت مُبكراً جداً. في عام 1930 عندما كان صدقي باشا رئيساً للوزراء صدرت "المطرقة". المجلة الأسبوعية الساخِرة ما بين 8 و 12 صفحة وثمنها 5 مليمات.

كانت "المطرقة" لساناً شعبياً لحزب الوفد المُعارض، فكانت تنشر الفُكاهات والأزجال والمواد الأخرى التي تسخر فيها من صدقي باشا وحكومته وتُهلّل للوفد والنحاس باشا وهو ما أتى موافقاً لرغبة الرأي العام فتجاوب مع المجلة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً