شيرين العكة

كاتبة من فلسطين

لماذا غابت الفعاليات الثقافية عن مسيرات العودة؟

الثقافة رديفاً للمقاومة... لماذا خَفَت وَهْج الفعاليات الثقافية من مسيرات العودة؟

قد تبدو الثقافة والمقاومة وجهين لغايةٍ واحدةٍ، تجلّت هذه الصورة في مطلع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، إذ لا يمكن أن تنفكّ فكرة انتزاع الحق في الأرض عن العقلية الثورية ذات البُعد الثقافي، وإلا لما كان لشعر محمود درويش هذا الصَدى، ولا عبَّدت ريشة ناجي العلي الطريق لآلاف المقاومين، ولا عاشت كلمات غسان كنفاني كل هذا الوقت.

وإيماناً بفكرة الترادُف بين المقاومة والثقافة، انطلقت مسيرات العودة في آذار/مارس 2018 على حدود غزّة مع الأراضي المحتلة مصحوبة بهالةٍ ثقافيةٍ وفنيةٍ زاهية، أعطت زخماً سياسياً لهذه المسيرات، ولكن سُرعان ما تلاشى وَهْجها، واقتصر الأمر في ما بعد على اللغة السياسية البحتة، وهو أمر يتعارض مع ما قاله إدوارد سعيد في وصفه للسياسة ذات يومٍ: "هي في جوهرها خطاب ثقافي".

حاولت الميادين الثقافية أن تستكشف أسباب ودواعي غياب الوَهْج الثقافي عن مسيرات العودة، بما شمله من فعالياتٍ فنيةٍ وجلساتٍ للقراءة، وفقرات الفلكلور الشعبي، والفِرَق الغنائية، واقتصر الأمر في ما بعد على أنشطة المقاومة الشعبية.

فقد كان واضحاً أن مسيرات العودة التي انطلقت في الذكرى 42 لــ "يوم الأرض"، واحتشد الناس فيها على حدود قطاع غزّة للتأكيد على حق عودتهم إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948، ما كان لها أن تحقِّق هذا الزخم لولا حجم الفعاليات الفنية والثقافية التي صاحبتها.

حتى الخيام التي صنعها المُنظّمون لتلك المسيرات، كانت تشكِّل لوحة فنية ذات أصباغ وألوان مُتباينة، استهوت كل مَن حضر وقتها، وقد شارك في ذلك عشرات الفنانين الشبّان، وكتبت كل وسائل الإعلام عن هذه "الملحمة الثقافية الشعبية".   

ولا يُعدّ مُبالغة القول، إن الألوان الزيتية في حينه تشبَّعت بغُبار الميدان، فعشرات الفنانين قد أقاموا معارض للوحاتهم وآخرون غنّوا لفلسطين وفريق ثالث قدَّم عروضاً فلكلورية كالدبكة الشعبية والدحية والمهرجون، وغيرها عشرات الأنشطة الثقافية، غير أن الناظِر إلى المسيرات الآن لا يرى إلا غُبار أقدام المُتظاهرين، كما لو أن المشهد أصبح رمادياً!

يرى الفنان التشكيلي فايز الحسني، في حديثه للميادين الثقافية إن السبب وراء تراجُع الفعاليات والأنشطة الثقافية يكمُن في رداءة الظروف الاقتصادية، حيث أنها تحدِّد للفنان ما يمكنه أن يُقدِّمه ويشارك فيه من أجل دعم مسيرات العودة، وذلك بحسب الأدوات المُتاحة له.

الحسني هو مدير أيضاً لمركز رواسي للثقافة والفنون والإعلام، والذي شُهِدَ له تنظيم عدَّة فعاليات فنية وثقافية على الحدود الشرقية "المُلتهبة"، وقد كان آخرها المعرض للفن التشكيلي الذي أُقيم في منطقة ملكة، شاركت فيه مجموعة من الفنانين الفلسطينيين، بعضهم عرض لوحات مرسومة مُسبقاً، والبعض الآخر رَسَمَ ولوَّن بمُشاركة الحضور، وقد كان حق العودة هو الثيمة الغالبة على جميع اللوحات المشارِكة في المعرض.

"لقد أقمنا هذا المعرض بأقل الإمكانيات، وتمنينا لو وجدنا جهة  تدعمنا على الأقل بتوفير غطاءٍ من القماش لنصنع معرشاً لهذا المعرض"، وطالب الحسني الجهات المعنية والهيئة العُليا لمسيرات العودة، بتقديم الدعم المادي للفنانين والمراكز والجمعيات التي تواجه المُحتل الإسرائيلي بالفن!

من جانبه، حاول وكيل وزارة الثقافة في قطاع غزَّة د.أنور البرعاوي، تفسير تراجُع الأنشطة الثقافية التي صاحَبت مسيرات العودة، قائلاً: "أعتقد أن البدايات كانت مُشجِّعة لأكثر من طرف، سواء المُثقّفين أو الأدباء والفنانين، بما في ذلك أيضاً دور وزارة الثقافة التي استطاعت أن تصدر مجموعة قصصية لكتَّابٍ كتبوا عن مسيرات العودة، لكن تحوَّل المشهد إلى مشهدٍ سياسي عائِد إلى الاهتمام الشعبي بالحصول على فُرَصٍ أفضل للحياة".

قدَّم البرعاوي في حديثه للميادين الثقافية، سببين للاهتمام بالجانب السياسي للمسيرات على حساب الجانب الثقافي، الأول: "هناك تعويل كبير على ما يمكن أن تحقّقه هذه المسيرات على المستوى الإنساني، بمعنى كَسْر الحصار وتحقيق الأهداف المعيشية للناس المُحاصرين، والحصول على حياةٍ أفضل".

أما السبب الثاني: "شريحة المُثقّفين والأدباء تُعتَبر من الشرائح المُهمَّشة ولم تعطَ حقّها بالاهتمام من قِبَل الجهات الراعية لمسيرات العودة، وبالتالي هذا أسهمَ بشكلٍ غير مُباشر في تراجُع الفعاليات والأنشطة الثقافية المُصاحِبة للمسيرات".

وقال عن شريحة المُثقّفين: "هذه شريحة يجب أن تحصل على حقِّها في الاهتمام، وهم بحاجةٍ إلى رعايةٍ لأنهم بالأصل سُفراء ولا يمتلكون القدرة على الإنتاج في ظلّ الظروف الاقتصادية السيِّئة التي يُعانون منها".

فيما نوَّه وكيل وزارة الثقافة إلى الدور المنوط بقيادة مسيرات العودة "عليها أن تُعطي مساحة لهذه الشريحة من الفنانين من أجل العمل جنباً إلى جنب مع السياسي، فدعم المشهد الثقافي واجب، لمواجهة الحصار السياسي بالثقافة".

يختلف يسري درويش، وهو عضو الهيئة العُليا لمسيرات العودة ورئيس اتحاد المراكز الثقافية، مع سابقيه في اعتبار أن الحال الثقافية المُرادِفة للمسيرات، قد تراجعت أو خَفَت وَهْجها.

وأكَّد درويش أن الوقت المُخصَّص لعَقْدِ الأنشطة الثقافية قد انحَسَر وتراجَع وليس الفعاليات نفسها، إذ جرى تخصيص نهاية كل أسبوع، يوم الجمعة فقط لاسئناف فعاليات مسيرات العودة، ويكون أمام المشاركين في المسيرات، سواء كانوا فنانين أو الجمهور العادي- 3 ساعات- فقط لتقديم ما  في جُعبتهم من أفكارٍ فنيةٍ وثقافيةٍ، وهو "وقت ضيِّق" على حدّ وصفه.

ويُخالِف الآراء القائِلة بأن "العمل السياسي أهم على صعيد تحقيق مطالب الفلسطينيين لرَفْعِ الحصار عن مدينة غزَّة، يقول درويش "الرواية السياسية ناقِصة من دون الثقافة، لأن صراعنا حضاري ثقافي مع المُحتل الذي يجتهد في سرقة تراثنا وأكلاتنا الشعبية"، وأضاف "انتبهوا.. مَن يمتلك أصل الحكاية، يمتلك أرض الحكاية!".

لذا فهو يُرجِع ضعف المشاركة العامة من قِبَل الناس، إلى انشغال الأهالي بالامتحانات النهائية والتي أعقبتها امتحانات الثانوية العامة، لكنه أكَّد أن الهيئة الوطنية العُليا لمسيرات العودة تأخذ هذا التراجُع بعين الاعتبار "الهيئة الوطنية تُعِدّ لوضعِ برنامجٍ جديدٍ يُعيد النشاط للمسيرات ويسمح بإشراك الناس والفنانين في الفعاليات والأنشطة الثقافية".

واعتبر أن الثقافة هي إحدى أدوات المقاومة التي تحمل بُعداً إنسانياً تشارُكياً بين البشر في جميع أصقاع الأرض، كما قال مُباهياً بالطاقات التي يمتلكها الفنان الفلسطيني "لدينا أغنية ولوحة وشعر، لدينا فن يرقى إلى مستوى العالمية وهذا ما سيحمل رسالة الفلسطيني الذي يسعى من أجل الحياة والحرية وليس الموت"، واختتم درويش حديثه "اللجوء موت والعودة حياة، هذه هي رسالة الفلسطينيين للمُحتل الإسرائيلي الذي مارَسَ عليهم التشريد".

وبحسب إحصائية صدرت عن وزارة الصحة الفلسطينية في شهر حزيران/يونيو الماضي، فإن مسيرات العودة التي بدأت في 30 آذار/مارس من العام الماضي، أفرزت عن ارتقاء 306 شهداء، في حين بلغ إجمالي الجرحى 32,529 جريحاً، وكان من بين الشهداء فنانون وصحافيون ومصوّرون وأعضاء من فِرَق الطواقم الطبية، إضافة إلى الاعتداء على سيارات الإسعاف بإطلاق النار وقنابل الغاز.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]