محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

الإرهاب في مصر مُجدَّداً

يضرب الإرهاب مرة أخرى في مصر. ما حدث قرب مستشفى الأورام السرطانية في القاهرة شيء يندى له جبين الإنسانية لحجم الأذى الذي سبَّبه الانفجار ، وتبعاً للبؤس الذي كرّسه في بيئة بالكاد يقوى الضحايا فيها على مواجهة الأمراض المستعصية التي ابتليت بها أجسادهم

  • الإرهاب في مصر مُجدَّداً

لا ذنب لهم في أيّ خلاف سياسي أو إيديولوجي بين النظام وأنواع المعارضات من قوى اليسار إلى جميع تيارات الإسلام السياسي ممَن يرفع السلمية شعاراً لمشروعهم إلى مَن يُكفِّر الدول بمؤسّساتها الأمنية والمدنية معاً.

النظام اتهم رسمياً "حركة حسم" التي يعتبرها أحد الأذرع السرية الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين. و"حسم" مجموعة نشأت عقب عزل الرئيس الراحل محمّد مرسي عام 2013 وتبنَّت عدداً من العمليات التي استهدفت الجيش والشرطة. وشكّلتها بالفعل مجموعة من المنشقّين الشباب عن جماعة الإخوان المسلمين مع آخرين من مشارب مُتطرّفة رفضوا ما قالوه في بياناتهم الأولى الخضوع والخنوع والسلمية التي ترفعها الأحزاب الإسلامية في مصر. ثم التحق بالحركة مجنّدون جُدُد لا سابق لهم بالانتساب لأيّ من القوى السياسية الإسلامية المعروفة في مصر.

تدأب الحكومة المصرية على اتهام الإخوان المسلمين المصنَّفة تنظيماً إرهابياً في مصر بالوقوف خلف أغلب العمليات الإجرامية التي تقع في مصر منذ ست سنوات. الإخوان يرفضون ما يعتبرونها "اتهامات سياسية" لا يشفع لها دليل مستقل، وهي ناتجة من خصومةٍ أصيلةٍ للجماعة يكنّها النظام في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أياً كان الفاعِل! لا يجادل أحد في كون مصر ما زالت مُستهدَفة، وأن إرهاب المجتمع المصري مستمر فكيف السبيل لمواجهة هذا الأمر؟

لا بدّ هنا من التعامل مع حالات العُنف والتطرّف كحالٍ واقعية من دون مُبالغة وتزييف. وعدم استثمار الظاهِرة في التأزّم السياسي مع المعارضة أو في الخصومة السياسية للتيار الإسلامي مهما كان رأينا فيه وفي الأيديولوجية التي يحملها. والواقعية تصبح ركناً أساسياً في أيّ علاج خاصة وأن الخطورة في تزايُدٍ مع تحوّل هذه التنظيمات من العمل الداخلي إلى الارتباط بشبكاتٍ اقليمية ودولية.  وقد تطوَّرت أعمالها. وأصبح اعتمادها وارتباطها بالخارج يزداد لحاجتها إلى المال والسلاح والتنسيق مع التنظيمات المشابهة القادِرة على خلق بيئة حاضِنة والسيطرة على مساحاتٍ وربما استقطاعها.

كما أن الخيار الأمني وحده لمواجهة الجماعات المتطرّفة، وعَقْد الأمل عليه لإنهاء ظاهرة الإرهاب يُعدّ رِهاناً خاسِراً أو محدوداً للغاية. فهو في الغالب يؤدّي إلى ردع هذه الجماعات ويحفّزها على التخفّي والكمون إلى أن تجد الظروف المناسبة للظهور كما هي الحال في الحالات الأمنية الرخوة أو في الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الحادَّة.

ومحاولة اختراق التنظيمات المتطرّفة للحصول على معلوماتٍ أكثر دقّة وأعمق معرفة بأحوالها وطروحاتها وعوامل تشكّلها وظهورها عامل أساس جداً في معرفة أحجامها وتركيباتها ونمط العلاقة بين أفرادها. ثم وضع أكاديمية تأهيلية، وخلق لها الأذرع الاجتماعية مثل حملات التوعية للتعريف بالمفاهيم المعتدلة للدين وكشف خطورة الأفكار والسلوكيات المتطرّفة على المجتمع والدين ، مع تقديم بدائل تنموية للحيلولة بين الشباب الناقِم والفكر التكفيري والعُنف المسلّح. وهذا يتطلّب تقديم إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية جذرية غير التي تُقدَّم الآن.

ولا يفوتنا الحديث عن ضرورة زيادة التنسيق بين الدولة المصرية والمجتمع الدولي حول الإرهاب وتنقّله عبر الدول والقارات ، وتشكيل قاعدة بيانات مشتركة لكل الدول الأعضاء لرَصْدِ ومتابعة التنقّل والتخفّي والتهريب للقيادات والسلاح والتضييق من حرية حركتها. ففي سيناء على سبيل المثال، يُقدَّر عدد الأجانب المنخرطين في التنظيمات المتطرِّفة بألف مُقاتل، بعضهم قيادات.

وتبعاً لما سبق، فإن زيادة التنسيق والتعاون مع دول الجوار المصري، مثل السودان وليبيا من منظور أن أمن هذه الدول وقوَّة حكوماتها هو من أمن مصر واستقرارها السياسي جدّ فعال في الحد من الإرهاب والتضييق عليه ، لكن للأسف الأمر ليس بهذه السهولة حيث تعيش السودان اليوم حالات اضطراب اجتماعي كبيرة وانتقالاً في السلطة وأدواتها. أما في ليبيا فإن مصر اختارت أن تدعم فصيلاً سياسياً وعسكرياً في مواجهة الإسلاميين لأسباب أيديولوجية غير مرتبطة بضرورات الأمن القومي المصري.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً