موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

لنقرع جدران الخزان مع المعلمين

سواء قصد المعلمون أم لا، فإن حراكهم يتخطى السطوح إلى أعماق الأزمة البنيوية للفساد والتبعية، ويؤذن بقرع جدران خزان الأردن كله، حيث لا بديل لذلك سوى الموت البطيء اختناقا كما حدث مع أبطال كنفاني في روايته، رجال في الشمس، إذ استكانوا لوعود السمسار، سائق الخزان، أبو الخيزران، الذي باعهم لشرطة الحدود بين العراق والكويت، ورماهم على تلك الحدود جثثا هامدة.

لنقرع جدران الخزان مع المعلمين
لنقرع جدران الخزان مع المعلمين

لذلك كله، ليس المطلوب من الشارع والنقابات ومجلس النواب والأحزاب أن يستمعوا فقط إلى صوت المعلمين داخل الخزان، وأن يذرفوا الدمع عليهم ويعربوا عن التضامن معهم كما لو أنهم في ساحل العاج، ويناقشون قبضاتهم، عالية أم منخفضة، مزعجة أم مشروعة، بل أن يبادروا لفك الحصار عنهم في الخزان، وإعلاء الهامات وشد الهمات من أجل أردن خالٍ من حيتان المال والفاسدين والمطبعين.
أيضا، فإن الغمز واللمز من توظيفات سياسية هنا وهناك، لا ينتقص من المعلمين وحراكهم، بل إنه لا قيمة لأي حراك مطلبي إذا لم يقترن بحملة وطنية عامة مثل إسقاط صفقة القرن، فتح ملفات الفساد، مقاومة التطبيع، لا سيما وأن الأردن في مرمى الخطر الصهيوني الداهم.
إلى ذلك، وردا على ذارفي الدموع على الطلبة والمصالح العليا وعجز الموازنة، ماذا عن التساؤلات التالية:
أولا، كم منا يعرف أن المعلمين في غالبية الدول الحديثة يحتلون من حيث الإحترام والرواتب والعلاوات والإجازات وغيرها مكانة أساسية بين التصنيفات الأولى للمهن، مثل: القضاء، عمال المناجم، المعلمون، مصممو البرامج، رجال الإطفاء والدفاع المدني.
ثانيا، من هو المسؤول عن عجز الموازنة التي تتذرع بها الحكومة، أليس نهج الحكومات المتعاقبة وحيتان المال ورجال البنك وصندوق النقد الدوليين، ولماذا على المعلمين أن يقدموا هذا التنازل وليست أوساط الفساد.
ثالثا، من هو المسؤول عن إعداد المعلمين أنفسهم، أليست مناهج وسياسات الحكومات المتعاقبة وآخرها إعادة الهيكلة باسم التطوير والتدريب، وهي ليست إلا الاسم السري للنهب والإجهاز على ما تبقى من مؤسسات وهيئات القطاع العام، وإلحاقها بأوساط اليبرالية المتوحشة.
رابعا، أين كان ذارفو الدموع، عندما كان الفساد ينخر الدولة وينهب عشرات المليارات ويراكم العجز وعندما كان حيتان المال والبنوك يقفون بالمرصاد لأي اقتراح يمس هيكلهم غير المقدس.
أين كانوا عندما راحوا يهدمون دولة القطاع العام حجرا حجرا ويستبدلونها بدولة الجباية.
خامسا، أين كانوا ذارفو الدموع من مناهج التلقين والعقل المستقيل والتي زادوا عليها مؤخرا ثقافة التغريب والتشيؤ التي تحول أولادكم إلى بضائع في عالم الرأسمالية المشوهة وتستأصل ما تبقى من ذاكرة وطنية ضد الصهاينة والمستعمرين.
سادسا، أين كان ذارفو الدموع وهم يرون بأم أعينهم تداعي المدارس والغرف الصفية وأوضاعها السيئة صيفا وشتاء، فيما الغالبية الساحقة من الطلاب تذهب خاوية البطن إلى المدارس بسبب سياسات الإفقار والتجويع والنهب الضريبي الذي لا مثيل له في العالم.
سابعا، أيعقل أن يتحول مجلس النواب أو أعضاء فيه إلى وسيط بين المعلمين والحكومة، وهو المفترض أن يكون في قلب الإضراب وصوتا عاليا من أصواته.
وكذلك الأمر مع النقابات المهنية التي انتظر الناس منها مبادرة جماعية تلتف حول المعلمين، وتحول حراكهم إلى حراك وطني ضاغط يتصدى لكل الاسئلة والتحديات الوطنية والمطلبية على حد سواء، وذلك عوضا عن الدخول في منافسات مطلبية مع المعلمين.
ثامنا، أخيرا نسأل ذارفي الدموع الذين يستكثرون على المعلمين ما يطالبون به ويعرفون أن خط الفقر لأصغر عائلة في الأردن تجاوز الألف دينار، ماذا عن الحد الأدنى لرواتبهم وما هو الحد الأدنى لمصاريف الحيتان، ومن منهم لا يدرس ابنه في مدرسة خاصة تكلفه في العام ما يفوق راتب دزينة من المعلمين.
فيا أيها الذارف، كفكف دموعك إذن، لا ينفعك البكاء ولا العويل، ويا أيها المعلم لاتنظر إلى الوراء، وارفق حقوقك المطلبية بحق الوطن في حياة حرة كريمة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً