حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

النيل والفرات هدية "الربيع العربي" لـ"إسرائيل"

من دون الفرات لن يبقى لسوريا أيّ معنى حتى على الخارِطة الجغرافية، وهي حال النيل بالنسبة إلى مصر. بذلك يُحقّق "الربيع العربي" هدفه الاستراتيجي الأخطر، وهو تدمير ثلاث دول عربية أساسية وفق حسابات بن غوريون، وهي مصر وسوريا والعراق. فعسى أن يُدرِك الساسة العرب هذه الحقيقة قبل أن تدركهم حقائق "إسرائيل" المرة.

سوف تقترب حرب المياه طالما أن سدود الفرات تغطي ما لا يقلّ عن 70% من احتياجات حلب من المياه
سوف تقترب حرب المياه طالما أن سدود الفرات تغطي ما لا يقلّ عن 70% من احتياجات حلب من المياه

في مُنتصف الخمسينات من القرن الماضي صاغ وزير "الدفاع" الإسرائيلي ديفيد بن غوريون "مبدأ شدّ الأطراف" كمُقارَبةٍ جديدة في الشرق الأوسط مُستمدَّة من التصوّر القائل إن "إسرائيل مُحاطة بسورٍ من الدول العربية التي تسعى إلى تدميرها تماماً وعليها أن تجد لنفسها قنوات لتنفّس الأوكسجين".

وسعت تل أبيب بعد ذلك إلى إقامة وتطوير علاقات مُميَّزة مع كلٍ من تركيا وإيران (الشاه) وإثيوبيا (هيلاسيلاسي)، إضافة إلى الأقليات الدينية والعِرقية في المنطقة ومنهم الكرد في العراق والمسيحيون في السودان ولبنان.

مرّت هذه العلاقات مع الدول المذكورة بمراحل مختلفة بسبب التغيّرات الداخلية والخارجية، ولكن لم تهملها تل أبيب إطلاقاً.

لم تكن الحسابات السياسية والعسكرية وحدها العامِل المؤثِّر الوحيد في استراتيجيات إسرائيل مع هذه الدول، بل كانت ترى في مياه هذه الدول بُعداً دينياً وعقائدياً طالما أنها تحلم بدولتها الكبرى من النيل إلى الفرات، لتضمّ يهود العالم أجمع وعددهم 15 مليون شخص فقط. 

يُفسّر ذلك تحريض تركيا في الخمسينات على إقامة السدود الكبيرة على نهريّ الفرات (5 سدود تختزن أكثر من 70 مليار متر مكعب) ودجلة (سدان) ليساعدها ذلك على استخدام المياه كسلاحٍ ضد "العدوّتين" سوريا والعراق، وكما حدث أواخر التسعينات من القرن الماضي خلال التوتّر بين دمشق وأنقرة على خلفيّة قضية زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان.

كما هو يُفسِّر توغّلات إسرائيل في الجنوب اللبناني ومساعيها للسيطرة على منابع المياه في المنطقة، وهذه هي الحال بالنسبة إلى الجولان المحتل الذي يغطّي أكثر من 20%من احتياجات إسرائيل من المياه العَذبة، وتخطّط تل أبيب للسيطرة على مزيدٍ من منابع المياه عبر ضمّ غور الأردن. 

جاء الاهتمام بجنوب السودان وتحريض المُتمرّدين هناك للانفصال في إطار حسابات تل أبيب للسيطرة على منابع النيل، حدود "إسرائيل الكبرى". ويصبّ الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا في مسعاها إلى بناء سدّ النهضة على النيل الأزرق في نفس الإطار، بل أيضاً للإنتقام من أحفاد الفراعِنة الذين طردوا موسى وأجداد اليهود من مصر. 

أما الاهتمام الإسرائيلي بكرد المنطقة منذ أواسط الخمسينات، حتى عندما كانت علاقات تل أبيب جيّدة مع أنقرة وطهران، فمردّه إلى سببين:

الأول، للانتقام من العراقيين أحفاد الآشوريين الذين سبوا اليهود ونقلوهم إلى بابل.

والثاني بسبب تواجد الكرد عند حوض دجلة والفرات موزَّعين على الدول الثلاث، تركيا والعراق وسوريا، وهذا له معاني خاصة في كتب وأساطير اليهود التي تدعوهم للانتقام من وَرَثة بابل أي العراق، حيث ولِدَ على أراضيه النبيّ إبراهيم عليه السلام وهو أبراهام بالنسبة إلى اليهود. 

هنا تكتسب أحداث "الربيع العربي" وما أدَّت إليه من دمارٍ في العراق وسوريا، وحتى في اليمن بمكانته التاريخية لليهود، أهمية إضافية وفق المنظور الصهيوني الذي حقَّق أهدافه في مصر التي تواجه منذ ثماني سنوات الكثير من المشاكل الداخلية الصعبة والمُعقَّدة والتي يبدو أنها لن تنتهي. فقد أهملت القاهرة مشروع سدّ النهضة الإثيوبي الذي سيكون وبتحريضٍ من تل أبيب بدايات الحرب الإفريقية المائية ضد مصر وعبر دعم تل أبيب لدول منابع النيل، وهو ما سيؤدّي حتماً إلى تدمير مصر على المَدَيين المتوسّط والبعيد. 

وتسعى تل أبيب من خلال التواجد الأميركي والأطلسي شرق الفرات وعبر تحالفاتها الخفيّة مع كرد المنطقة عموماً إلى إحكام سيطرتها على حوضيّ دجلة والفرات طالما أن تركيا لن تستطيع السيطرة على مياهها.

وتُفسّر ذلك خطط الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال لمدّ أنابيب المياه إلى إسرائيل بحيث تصدّت له آنذاك سوريا، وهي الآن هدف مُجمَل السياسات الإقليمية والدولية بكل عناصرها السرية والعلنية التي كانت ولاتزال تركيا لاعبها الأساس لأسبابٍ تاريخيةٍ وعقائدية، خدمت إسرائيل بعِلم أو من دونه بما في ذلك إغلاق مكاتب ومخيّمات حماس في دمشق. 

فكلما تأخّر الحل واستعصى في سوريا لأسبابٍ تركيةٍ أو إقليميةٍ أو دوليةٍ في ظلّ انعكاسات ذلك على الوضع الداخلي السوري، فإن حرب المياه سوف تقترب طالما أن سدود الفرات تغطي ما لا يقلّ عن 70% من احتياجات حلب من المياه، وبالتالي هي تروي ما لا يقلّ عن 50% من حاجيات سوريا من المُنتجات الزراعية.

ومن دونها لن يبقى لسوريا أيّ معنى حتى على الخارطة الجغرافية، وهي الحال بالنسبة إلى مصر. وبذلك يُحقّق "الربيع العربي" هدفه الاستراتيجي الأخطر، وهو تدمير ثلاث دول عربية أساسية وفق حسابات بن غوريون، وهي مصر وسوريا والعراق. 

فعسى أن يُدرِك  الساسة العرب هذه الحقيقة قبل أن تدركهم حقائق "إسرائيل" المُرّة. 

وإن غداً لناظره قريب وقد أعذر مَن أنذر!   

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً