حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

في سوريا القيصر يُقرِّر مصيرنا

ستحدّد العلاقة المستقبلية مع أميركا مصير ومستقبل إردوغان وسياساته ودوره الإقليمي، ولكن بعد لقائه المُرتَقب مع ترامب الشهر المقبل، فعسى ألا يُفاجئنا ترامب قبل ذلك التاريخ بتغريدةٍ أو قرار يُعكِّر علينا صفو كل هذه الأجواء الإيجابية وانتصاراتها المُحتَملة.

  • ستحدّد العلاقة المستقبلية مع أميركا مصير ومستقبل إردوغان وسياساته ودوره الإقليمي

هناك مَثَلٌ عثماني يقول "ذاكرة البشر معلولة بالنسيان".

لنقل إننا أُصبنا بهذه العلّة ونسينا كل ما رأيناه وسمعناه وشاهدناه وقرأناه عن الدور التركي في سوريا منذ بدايات الأزمة صيف 2011 ورحنا ننظر إلى الأمور بمنظارٍ وَردي وليس أسود قاتِماً ونحن نُفسِّر ما نراه الآن.

تعالوا نقول لقد كان لكل شيء معناه الإيجابي بعد المُصالحة الروسية- التركية في 27 حزيران/يونيو 2016 حيث اعتذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. 

وبالطبع لا يدري أحد ما الذي اتّفق عليه الرئيسان ولكن السياسة التركية في سوريا دخلت بعد ذلك التاريخ مساراً جديداً سنفسّره هذه المرة إيجاباً لمصلحة الجميع.

فقد أضاء بوتين الضوء الأخضر للقوات التركية التي دخلت جرابلس في 24 آب/أغسطس 2016 لتُحارب داعش فطردتها منها ولاحقاً من الباب وأعزاز وكل المناطق المجاورة لتُسيطر على الشريط الحدودي غرب الفرات بأكمله، وذلك بالتنسيق والتعاون مع فصائل الجيش الحر المدعوم من أنقرة.

وتابع بوتين تعاونه مع إردوغان فتوصلا إلى تفاهُماتٍ عدَّة في إطار لقاءات أستانة ومنها الاتفاق على وقف إطلاق النار وتحديد مناطق خَفْض التصعيد في مختلف أنحاء سوريا، وهو ما ساهم في تحقيق المُصالحات في الغوطة الشرقية واليرموك وداريا  ودرعا وحمص ومناطق أخرى سيطرت عليها الدولة السورية لاحِقاً.

وساهم هذا الوضع في تحقيق الانفراج والارتياح النفسي في دمشق، كما ساعد على نقل الآلاف من المُسلّحين مع عائلاتهم من المناطق المذكورة إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي في الشمال السوري. 

ورحَّبت دمشق لاحِقاً ووافقت على اتفاق بوتين مع إردوغان في ما يتعلّق بمُعالجة الوضع المُعقَّد في إدلب مع استمرار الحوارات التركية-الروسية- الإيرانية من أجل تشكيل اللجنة الدستورية التي ستبدأ أعمالها قريباً.

جاءت هذه التطوّرات الإيجابية لتُشجِّع بوتين، برضى سوري، على إشعال الضوء الأخضر من جديد للجيش التركي، الذي سيطر على مدينة عفرين وجوارها في شباط/فبراير من العام الماضي، بعد أن رفضت قيادات وحدات حماية الشعب الكردية  تسليمها إلى الدولة السورية لأن غالبية هذه القيادات من أصولٍ كرديةٍ إيرانيةٍ وتركيةٍ، وترى أنقرة فيها جميعاً امتداداً لحزب العمّال الكردستاني التركي الذي يُقاتِل الدولة التركية منذ أربعين عاماً.

مساعي الحوار ومحاولة الاتفاق التركي مع واشنطن في سبيل مُعالجة مشكلة كرد سوريا لم تكن طيلة الفترة الماضية إلا عملاً تكتيكياً يساعد إردوغان على الاستمرار في تحالفه مع بوتين من أجل المعالجة النهائية للأزمة السورية المُتّفق بينهما على جميع تفاصيلها.

وجاء اتفاق إردوغان مع ترامب حول التدخّل العسكري شرق الفرات لحَسْمِ هذه المشكلة والتخلّص من الوجود العسكري المُسلّح  للكرد، ليساعد الدولة السورية لاحقاً على بَسْطِ سيطرتها على المنطقة، وهو ما بدأ في محيط  منبج وعين العرب والرقّة والحسكة والقامشلي وكل ذلك في إطار الحل الوطني الشامل. 

ما سيعني أن تركيا وبعد الانتهاء من مُخطّطها الخاص بالمنطقة الآمِنة سوف تُساهِم بشكلٍ أو بآخر في خروج القوات الأميركية والأجنبية ثم تسحب بدورها قوّاتها هي أيضاً من شرق الفرات، ليعود الجيش السوري إليها من أجل حمايتها وفق اتفاقية أضنة لعام 1999 التي تمّ التوقيع عليها بعد خروج عبدالله أوجلان من سوريا في 9 تشرين الأول/أكتوبر1998.

ودخل الجيش التركي سوريا بعد 21 عاماً في نفس اليوم وكأنه يريد أن يقول إنه  مُستعدّ لاتفاق أضنة جديد بمساعدة بوتين الذي أعلن تأييده لهذا التوغّل بعد أن نجح في وساطاته بين دمشق وكل من "قسد" والوحدات الكردية. على أن  تكون إدلب الخطوة التالية في اتفاق بوتين مع إردوغان الذي سيسحب قواته لاحقاً من غرب الفرات بعد الاتفاق مع دمشق على ضمّ 100 ألف من عناصر "الجيش الوطني" المُعارِض وكل مَن يعمل مع الأجهزة التركية الآن إلى الجيش والأمن ومؤسّسات الدولة السورية الأخرى كخطوةٍ مهمةٍ على طريق عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

وسيكون الاحتفال الروسي- التركي- الإيراني بالدستور السوري الديمقراطي الجديد الذي سيُلبّي طموحات كل الفئات العرقية والدينية والطائفية والاجتماعية وفق توجيهات بوتين وإردوغان وروحاني هو الحلقة الأخيرة في انتصارات بوتين الشرق أوسطية. وجاءت زيارة بوتين إلى السعودية والإمارات وما قاله عن علاقاته الإيجابية مع حُكَّام هذه الدول الذين أهانهم ترامب، لتثبت ذكاء قياصرة روسيا. 

ويبقى الرِهان الأخير على السياسات الداخلية للرئيس إردوغان، الذي ومع التدخّل في سوريا، ابتعد عن نهجه الديمقراطي وحارب كل مَن اعترض عليه وقام بتغيير النظام إلى رئاسي فسيطر على جميع مؤسّسات ومرافق وأجهزة الدولة وأهمّها الجيش والأمن والمخابرات والقضاء، الذي يُلاحِق كل مَن يعترض على سياساته وتصرّفاته الداخلية والخارجية، وبشكلٍ خاص في سوريا، التي كانت بوابته للانفتاح على الدول العربية ومعظمها الآن ضدّه.

في جميع الحالات ستحدّد العلاقة المستقبلية مع أميركا مصير ومستقبل إردوغان وسياساته ودوره الإقليمي، ولكن بعد لقائه المُرتَقب مع ترامب في 13 الشهر القادم. فعسى ألا يُفاجئنا ترامب قبل ذلك التاريخ بتغريدةٍ أو قرار يُعكِّر علينا صفو كل هذه الأجواء الإيجابية وانتصاراتها المُحتَملة بفضل تحالف القيصر الروسي مع عدوّه التاريخي السلطان العثماني ضدّ "الكوبوي" الأميركي الذي أراد أن يُعامِل شعوب المنطقة كالهنود الحُمر، ناسياً أن فيها ناساً شآماً يستطيعون أن يواجهوا كل الاحتمالات السيّئة التي تعوّدنا عليها جميعاً في هذه الجغرافيا!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً