الحراك الملوّن والحراك الوطنيّ.. خطّان مستقيمان لا يلتقيان

إذا كانت الإمبريالية الرأسمالية استخدمت في السابق أساليب مثل التدخّل العسكري المباشر، والأشكال الأخرى للتبعية الاقتصادية، فإنَّها منذ عقود تلجأ إلى شكل أخطر، هو الاحتلال المدني والثورات الملونة.

  •  الثورات الملونة وجماعاتها ومنابرها لأي إدارة أميركية هي سليلة الجرائم الكبرى ضد الإنسانية
    الثورات الملونة وجماعاتها ومنابرها لأي إدارة أميركية هي سليلة الجرائم الكبرى ضد الإنسانية

يقول غرامشي: "إذا كان القديم يحتضر، فلا يعني ذلك أن الجديد قد ولد. ما يحدث في كلّ مرة أن ما يبدو جديداً يعيد إنتاج نفسه في حوصلة القديم، وفقاً لنظرية التشاكل عند شبنغلر". نحن عملياً إزاء تحوّل في السلطة، على حد تعبير توفلر، لا يغادر الحقبة الرأسمالية والليبرالية المتوحّشة، بل يعيد إنتاجها. أما التغير الحقيقي، فلا ينتمي إلى معركة الحريات السياسية والحقوق المدنية المعزولة عن القضايا الوطنية، بل ينتمي إلى معركة الحرية، كانتقال من حقبة إلى أخرى، وكسر الحقبة الرأسمالية وخطابها وأدواتها.

إلى ذلك، وفي ما يخصّ المشهد الراهن، نحن أولاً إزاء تداعيات مختلفة لأفول الدولة القطرية التابعة وعجزها المركّب البنيوي والفاسد عن تجاوز نفسها إلى شكل مستقل وأرقى، وثانياً إزاء تداعيات مختلفة لنمطين مختلفين من الحراك: حراك الثورات الملونة ضمن أجندة المراكز الرأسمالية ومحاولاتها تجديد نفسها بدمج المزيد من العالم في مصالحها، والحراك الوطني المفترض تعبيره عن برنامج التحرر الوطني المناهض لهذه المراكز.

أولاً: حراك الثورات الملوّنة.. وظيفته ومشغّلوه

إذا كانت الإمبريالية الرأسمالية قد استخدمت في السابق أساليب مثل التدخّل العسكري المباشر بذريعة "تمدين المتوحشين"، والأشكال الأخرى للتبعية الاقتصادية، ولا سيَّما عبر الخصخصة والبنك وصندوق النقد الدوليين، فإنَّها منذ عقود تلجأ إلى شكل أخطر، هو الاحتلال المدني والثورات الملونة، وذلك بهدف تجديد الإمبريالية لنفسها، بدمج العالم كله جنوباً وشرقاً، ومن موقع التبعية، في المنظومة الرأسمالية وفلسفتها الليبرالية.

يُضاف إلى ذلك في الحالة العربية، توفير المناخات الموضوعية للطبعة الجديدة من الشرق الأوسط الكبير، ومركزه تل أبيب، وهو ما يفسّر الحملة الواسعة في صفوف الثورات الملونة وجماعاتها ومنابرها، والحماس لإدارة بايدن والتهديد بها، متناسين أن هذه الإدارة، كما أي إدارة أميركية، هي سليلة الجرائم الكبرى ضد الإنسانية، من قصف المدن اليابانية بالقنابل الذرية، إلى قصف الفلاحين الفقراء في فيتنام بالسائل البرتقالي، إلى قصف العراق باليورانيوم المنضّب، إلى اختلاق الجماعات الإرهابية التكفيرية الإجرامية في سوريا والعراق وغيرهما، إلى الانقلابات العسكرية الدموية ضد رؤساء منتخبين في تشيلي وغواتيمالا والسلفادور وإندونيسيا (قتل في انقلاب سوهارتو المدعوم من المخابرات الأميركية والإسلام الأطلسي مليون شخص).

أما أخطر أشكال الاحتلال المدني والثورات الملونة، فهو:

- عالم "فيسبوك" (ما يسمى بعالم الثورات الملونة) وشبكات الإعلام المختلفة، ومنها الإعلام الاستقصائي، وبناء مراكز إعلامية لإعداد هؤلاء المغرّدين، مثل حركة "6 أبريل" وغيرها.

- إعداد مراكز شباب الحراكات الملونة، مثل مركز "الأوتوبور" وقبضته الشهيرة التي تلوّث ميادين بيروت وأكثر من عاصمة.

- جامعات بعينها لتخريج قادة المستقبل المبرمجين، وخصوصاً جامعات مثل "هارفرد" و"كامبردج وييل" ومركز "كارينجي"، وغيرها من المراكز والجامعات التي أسماها كوستلر "الدعارة الأكاديمية".

- إنشاء مراكز خاصة لتدريب آلاف النشطاء وإعدادهم، مثل أكاديمية "التغيير"، على غرار ما كان معهد "شملان" للجواسيس يؤدّيه في لبنان.

- ما بات يُعرف رمزياً بـ"أكاديمية القطط"، تحت عنوان تمكين النساء، بالتركيز على ناشطات محددات ودفعهن إلى مراكز السلطة والحكومة والإعلام في البلدان المستهدفة. وقد تطورت هذه المبادرة في عهد الرؤساء الديمقراطيين كينيدي وأوباما وكلينتون وبايدن.

- عالم الجوائز المبرمجة في مختلف الحقول، من جائزة "زخاروف"، اليهوديّ الروسيّ المنشقّ (نال العدد الأكبر منها مثقفون سوريون معارضون)، إلى "البوكر"، إلى جائزة نفطية تشبه جائزة "نوبل"، هي جائزة "بيجاسوس" المموّلة من شركة "موبيل".

في إطار هذه العناوين، تنشط جماعات الاحتلال المدني والحراك الليبرالي والملوّن، مركّزةً على الربط الدائم بين الحريات السياسية والحقوق المدنية والحريات الاقتصادية، ما يعكس ارتباطها الحقيقي بالمراكز الإمبريالية التي تدعو إلى حرية السوق والخصخصة وإعادة الهيكلة.

كما تركّز التوجيهات الخارجية لهذا الحراك على مهاجمة الإيديولوجيا والمجتمع المدني الحقيقي (الأحزاب والنقابات)، لإزاحته وأخذ دوره، وانتقاد الدور الاجتماعي للدولة بأقنعة غير صحيحة وغير علمية، علماً أن مفهوم الإيديولوجيا ليس كما يروجوّن له، بل إنه يُقارَب وفق قراءات متباينة بحسب كل تيار فكري، والأصل فيه أنه حقل الأفكار المتنوّعة.

في كلّ الأحوال، ننصح بعض الأوساط اليسارية والوطنية التي راحت، تحت تأثير البيئة الملوّنة أو بسبب تحجرها وعجزها عن المراجعة الذاتية، تبالغ بدور القوى الهامشية الجديدة كبديل للقوى الوطنية والحزبية، أن تعيد قراءة مواقفها انطلاقاً من الأدبيات السياسية الجديدة التي خرجت من قلب المراكز الرأسمالية وفضحتها، ورأت في العمل الشبكاتي الملوّن عملاً مبرمجاً في الدوائر الاستخباراتية الأطلسية أكثر من كونه محصّلة عفوية لتحوّل السلطة وتداعيات الثورة المعلوماتية، ومن ذلك:

1- كتاب سوندرز "من يدفع للزمار؟"، الذي يغطي حالة المثقفين والأكاديميين الذين استدرجتهم الثورات الملوّنة المبرمجة.

2- كتاب كوستلر "الدعارة الأكاديميّة"، الذي كتبه من داخل عوالمها قبل الانشقاق عن هذه العوالم وفضحها.

3- كتاب هربرت شيلر "المتلاعبون بالعقول"، ومن ضمنهم الوسط الإعلامي والشبكاتي الجديد. 

4- كتاب باتريك دينين "لماذا فشلت الليبرالية؟".

5- دراسة تشومسكي "الأسلحة الصامتة".

6- كتاب بيركنز "اعترافات قاتل اقتصادي"، الذي يفضح فيه شعارات وعناوين الخصخصة وإعادة الهيكلة والإخضاع عبر القروض والحرب على العمل السياسي والإيديولوجي، بوصفها جزءاً من استراتيجية البنك الدولي.

7- كتاب ديفيد غريبر "مشروع الديمقراطية"، الذي يتناول فيه عدة مراكز، مثل "الأتوبور" ووظيفته في إعداد الناشطات والناشطين من حراكات الثورات الملونة والاحتلال المدني.

أما الأدبيات السياسية لمهندسي الحراكات والثورات الملونة والاحتلالات المدنية ومنظّميها، فغالبيتها الساحقة تعود إلى كتّاب وسياسيين يهود، أهمّهم:

- جورج سوروس، صاحب كتاب ومؤسسة "المجتمع المفتوح".

- بيرنار ليفي، الذي شوهد خلال مشاركته في كلّ الحراكات الملونة من سوريا إلى ليبيا، كما زار الأردن أيضاً.

- جين شارب وبيتر أكرمان (الكفاح الناعم أو اللاعنفي). 

- روبرت ساتلوف، مدير الصندوق الوطني الديمقراطي "نيد"، ومؤلّف كتاب "الطريق إلى دمشق"، كدليل عمل للحراكات الملونة في سوريا.

- المجموعة اليهودية (برنار لويس، ليو شتراوس، نوح فيلدمان) التي كانت تعمل مع بريجنسكي، وكانت مشغولة بتوظيف الإسلام الأطلسي، ومن ضمنه الانبعاث العثماني.

- من الهيئات والمراكز الأميركية الأخرى ذات الصلة، نذكر "فورد فاونديشن" ومعهد "واشنطن" ومعهد "صابان".

- المراكز الألمانيّة، مثل "أدينور" و"نؤمان".

- المراكز التابعة للمخابرات ووزارات الخارجية في فرنسا وبريطانيا وغيرهما.

- المراكز الإسكندنافية والكندية المهتمة بملفات اللاجئين والتوطين وما يسمى الأقليات الإثنية، والصحافة الاستقصائية وشبكاتها، من عمّان والقدس المحتلة إلى بيروت، وخصوصاً بعض العاملين في محطات لبنانية، مثل محطة "الجديد" و"أم تي في".

ثانياً: الحراك الوطني 

أما الحراك الوطني، فهو الذي يصطدم بالاستراتيجية الإمبريالية والرجعية، ويعلن موقفاً واضحاً منها ومن شاشاتها ومنابرها وأجندتها، ولا ينسق معها مباشرة أو عبر جماعاتها وأدواتها، فيربط بين الحريات السياسية وتمكين النساء والحقوق المدنية وقضايا التحرر الوطني والصراع الطبقي، ويرى في فلسفة السوق والرأسمالية والليبرالية العدو الأساسي للشعوب. ومن سمات الحراك الوطني:

- فهم عميق لقانون التناقضات وفكرة العمل الجبهوي والكتلة التاريخية الحقيقية التي لا تشمل جماعات الاحتلال المدني والثورات الملونة، والتي خدعت الوطنيين أكثر من مرة سابقاً بالحديث عن القواسم المشتركة، وذلك عندما جرّتهم في الأردن، على سبيل المثال، إلى أجندتها على الدوار الرابع لفرض حكومتها (حكومة الرزاز) ممثل البنك الدولي.

- تمييزه بين الديمقراطيّة كأسلوب في الحكم، والليبرالية كمنهج يدمج الحريات السياسية بفلسفة السوق المتوحّشة، تحت شعار إعادة الهيكلة والحملة على الشمولية والإيديولوجيا والعمل السياسي المنظّم.

- تمييزه بين الحريات السياسية الضرورية، كنقاط على جدول أعمال وطني عريض، والحرية كمفهوم وإطار تاريخي للتحولات الكبرى، من حالة الطبيعة إلى حالة الحضارة (بحسب هيجل) وحالة الحضارة اللاطبقية (بحسب ماركس)، ومن التبعية إلى المشاركة المنتجة في العالم، ومن الفساد والقهر الطبقي والوطني إلى العدالة والمساواة، ومن المجاميع والثقافات الطائفية والإقليمية والجهوية ما قبل الرأسمالية، والتي زادتها التبعية الرأسمالية تشوهاً، إلى المجتمعات المدنية المندمجة، في إطار حركة التحرر الوطني.

- التأكيد دوماً على ربط المعركة السياسية والديمقراطية داخل كل قطر بالمعركة ضد التجزئة والتبعية والهُويات القاتلة الإقليمية والمذهبية.

- يُشار كذلك إلى أنَّ ما يميّز الحراك الوطني عن الحراك الليبرالي والملوّن هو الموقف من المجتمع المدني الحقيقي، بوصفه تعبيراً عن النقابات والأحزاب، وليس المكاتب والمراكز الصغيرة المموّلة المتناثرة هنا وهناك باسم المجتمع المدني، والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الهيئات العامة والمحاسبة القانونيّة.

ومن المفهوم والمؤكّد أنَّ على القوى الحقيقية في المجتمع المدني الحقيقي إجراء مراجعات نقدية واسعة لخطابها وأساليبها وأنظمتها الداخلية، لتواكب التطورات المتسارعة على المستويات كافة، بديلاً من التحجّر من جهة، والبكاء على الأطلال من جهة ثانية، والعمل الشبكاتي العدمي والفوضوي والملوّن من جهة ثالثة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

إقرأ للكاتب

"السّلام الإبراهيميّ" المزعوم

يعود استخدام "السلام الإبراهيمي" إلى مناخات "كامب ديفيد"، وإلى دراسة نشرها الرئيس الأميركي...

استراتيجية بايدن من خلال جورج فريدمان

ينظر فريدمان إلى سوريا كتهديد للمصالح الأميركية والإسرائيلية، رغم نجاح أميركا، كما يقول، في...

حرب المياه والمثلّث الصهيوني – التركي – الإثيوبي

هل يجد العرب طريقاً لتجاوز خلافاتهم في ملفّ المياه تحديداً، كما فعل عبد الناصر في العام 1964،...

للجنرال عون من يكاتبه

أهمية الرئيس عون تكمن في شخصه وفي تيار واسع حوله أطلق أكبر زلزال في تاريخ المارونية السياسية،...

لماذا ورد البابا بولس الثاني والبطريرك عريضة في خطاب الراعي؟

في حزيران/يونيو 1947، تبادل أنطون عريضة ودافيد بن غوريون رسائل أكّدت الاحترام المتبادل على...

تاريخ الاستقواء في لبنان

قبل ظهور حزب الله بسنوات طويلة كان اثنان من منظري الكيانية اللبنانية المناهضة للعروبة يحذران من...