موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

جذور التكفير، قراءة فرويدية

ظهرت هذه الثقافة عبر أشكال وتجليّات مختلفة من الأساطير الأولى إلى يسوع، إلى الحسين في كربلاء ، فالإبن لم يعد قاتلاً ملاحقاً بدم الأب، وما يستدعيه ذلك من إحساس بالخطيئة فالندم والعقاب.

فكرة الله المطلَق والمنزّه أصبح أقرب إلى فكرة الإله التوراتي (الأب – الحاكم)
فكرة الله المطلَق والمنزّه أصبح أقرب إلى فكرة الإله التوراتي (الأب – الحاكم)

تستند هذه المحاولة إلى ثُلاثية فرويد: الخطيئة والعقاب، والندم، ومقارنة تجليّاتها في مرحلتي السحر والأسطورة من جهة، والتأويلات لبعض الأديان من جهة أخرى.

1. في الشرط التاريخي أو السياق العام ومُقابل بدايات تقسيم العمل (الصيد، الرعي، المشتركات الزراعية البدائية) في مرحلتي  السحر والأسطورة أخذ تقسيم العمل في المرحلة التالية (الأديان ) أشكالاً مُتقدّمة في مُشتركات قروية وعلاقات تجارية (إيلافية) ونويات بلدان وسلطات مركزية (حول نمط الإنتاج الآسيوي في البلدان النهرية). ومقابل فكرة التابو (ميكانيزم داخلي طوعي جمعي عضوي) في المرحله الأولى سادت الشريعة كميكانيزم خارجي قسري أيديولوجي.

2. ابتداء بالخطيئة، فمفهومها في مرحلتي السحر والأسطورة  وغيرها في التأويلات الخاصة بالأديان عند أوساط عديدة، ففي  مرحلتي السحر والأسطورة ووفقاً لكتاب فرويد (الطوطم والتابو) تتجلّى الخطيئة بالقتل المادي للأب (يساوي الإله الوثني الأرضي) وذلك من قِبَل الأبناء للاستحواذ على ما يحتكره من أرض ونساء، بموازاة ذلك كان الأدب وعالم الأساطير والثقافة الاجتماعية حافلاً بإسقاطات رمزية مماثلة، فمن (أوديب) إلى الأساطير الخاصة بالنار إلى رواية دوستويفسكي (الأخوة كارامازوف).

- في الرواية: الأب الداعر، فيدور والأخوة ديمتري (يُنافس الأب على الخادمة غروشنكا) وإيفان والأخ الأصغر (اليوشا) والأخ غير الشرعي من الخادمة (سمر ياكوف) الذي يقوم بقتل الأب ويولّد عقدة أو إحساساً بالخطيئة عند الجميع. إيفان عبر العلم واليوشا  عبر التديّن.

- في الثقافات الاجتماعية، فإن بعض القبائل ومنها قبائل عربية عرفت ظاهرة (الضيزن) وهي وراثة زوجة الأب.

- في الأساطير ، فإن (النار) شديدة الصلة بالخطيئة كما الندم والعقاب أيضاً. فسرقة النار من قِبَل بروميثيوس من معبد زيوس تساوي الخطيئة كما سنرى في امتداداتها لدى بعض التأويلات الدينية.

- بالمقابل، فإن (التوراة) وما تركته من تأثيرات عند تأويلات دينية أخرى تجعل الاقتراب من شجرة المعرفة خطيئة كُبرى تستحق  العقاب وتستدعي الندم، فقد (أصبح الإنسان عارفاً كالإله (التوراتي)) واكتشف ذاته وجسده من تلقاء نفسه.

وبلغ الشَطَط في التأويلات الدينية استخدامها للقياس (الذي اعتبرته فاسداً في حالات أخرى: إبن تيمية) لمقاربات بين الخروج على الإله وتكفير الخارجين وبين الخروج على الحاكم (بعض التأويلات الأشعرية) ولنا أن نمد ذلك على الخروج على القبيلة (قريش مثلاً) في سقيفة بني ساعدة وفي ما عُرف بالفتنة (الخروج =الفتنة = الكفر= الخطيئة)، وسرعان ما قرّرت القبيلة (قريش التي وضعت نفسها كوكيل احتكاري للرب) أن كل خروج عليها، خروج على الرسالة ورفضت اقتراح سعد بن عبادة زعيم يثرب والأنصار (منا أمير ومنكم أمير).

- وبموازاة ذلك في الأدب والفكر قصيدة ملتون: الفردوس المفقود وعشرات الدراسات مثل دراسة العظم (نقد الفكر الديني).

3. الندم والعقاب، الطقوس والكهنة: وتستند هذه الحال في مرحلتي السحر والأسطورة إلى مُقاربات بدائية لفكرة وحدة الوجود والسببية البدائية (التشاكل)، كما تُشكّل الطقوس ومنها التطويب والتحيين والاسترجاع، قوام هذه المقاربات وبهدف حث الأب القتيل (الإله الوثني) على النهوض مجدّداً أن الإحساس بالخطيئة الناجمة عن جريمة (قتل الأب الإله)، تستدعي أشكالاً مختلفة  من الندم ومن السلوك الطقسي المرافق لها ومن نماذج ذلك:

– الإخصاء المادي(عقاباً على التجرّؤ على نساء الأب) وقد يكون إخصاء بأشكال غير مباشرة كما عبّر عن ذلك أوديب (فقأ العين).

- الطقس الخاص بالتراجيديا، بل إن كلمة تراجيديا نفسها تعبّر عن ذلك (ترا أو تراسيس من جهة وجيديا (جدي أو تيس من جهة أخرى) وقد يكون الجدي أو التيس من نوع الماعز الأسود وله علاقة بما يلي عن الحجر الأسود، والمهم أن الجدي أو الماعز هو (الطوطم ) الخاص بالإله الوثني (الأب القتيل) فيكون التوحّد معه من باب الندَم وعودته (الدورية) للحياة.

وفيما ارتبط هذا الطقس عند بعض قبائل آسيا الوسطى التركية قبل إسلامها (بالفطر المقدّس) ودلالته الجنسية (المرتبطة  بالخطيئة) ارتبط عند قبائل عربية (بالمنسف)، (سنتحدّث عنه بتفاصيل أكثر في مُناسبات أخرى)

والمهم فيه التوحّد مع الأب القتيل بالأكل من لحم طوطمه (الماعز) والشرب من دمه (المرقة).

- كما كان اكتشاف أو سرقة النار من معبد الإله الأب زيوس تعبيراً عن الخطيئة يساوي الأكل من شجرة المعرفة، فإن النار حاضرة أيضاً في طقوس الندم والعقاب، فمن اقتران النار بظاهرة الجنس (الطاقة والإخصاب)، إلى الدور التطهيري للنار والاتحاد بالأب  القتيل فضلاً عن علاقتها بالقُربان البشري والحيواني.

- بالمقابل وفي ما يخصّ التأويلات الدينية فنحن إزاء (عقل مفارق) يُناهض وحدة الوجود والسببية، ويُعظّم النصوص مقابل  الطقوس، ويأخذ الندَم هنا شكل العبودية المطلقة لله والتركيز على الوظيفة الإنجابية للجسد.

غير أن تأويلات عديدة لها خصومها داخل الأديان  نفسها لم تتخلّص من رواسب طقسية للندَم والعِقاب مستمدّة من مرحلتي  السحر والأسطورة ومن ذلك:

بخلاف القراءة الدينية المعروفة للحجر الأسود وما يرمز إليه ،فإن بعض التأويلات تتابع القراءات الأسطورية له كرمز  لامتصاص  الخطايا بل إنه كان أيضاً قبل ذلك، ومثل ذلك قراءة البعض لفكرة المسيح (خروف الله) وما على المؤمن إلا أن يحملّه خطاياه، كما  يجري الاعتقاد بأن (الفطير وكأس الفصح) أقرب إلى فكرة المنسف المذكورة (لحم الإله القتيل ودمه). 


التكفير وتبدّيات العقاب والخطيئة والندَم

على غِرار الخطيئة التي تستحق العقاب والناجمة عن قتل الأب – الإله الوثني والأكل من شجرة المعرفه وسرقة النار، فإن بعض التأويلات التوراتية والسلفية المتطرّفة التي خرجت منها أقحمت فكرة الإله في مماهاة مماثلة، وصار التكفير والعقاب صورة من صوَر هذه المماهاة والقياس الفاسد عليها ويُشار هنا إلى أن الذين أدانوا القياس الأرسطي أو الشكلي باعتباره قياساً فاسداً. هم الذين أسّسوا (لقياسات) فُقهية – سياسية على الإيقاع (الفرويدي) في (الطوطم والتابو) من جهة وعلى الإيقاع التلمودي. من جهة ثانية، (ثمة خطيئة بالخروج على أب يحتكر السلطة والمعرفة، وثمة (جماعة) تسهر على ذلك، وثمة عقاب للخارجين على هذا اللاهوت:

1. إن فكرة الله – المطلَق- المنزّه في الأسماء والصفات والفاعل في الوقت نفسه، أصبح أقرب إلى فكرة الإله التوراتي (الأب – الحاكم) بدلاله قياس فاسد (إن الحكم إلا لله) وبمراجعة الآيات ذات الشأن وهي مكّية ومدنية ( بعكس ما قاله جورج طرابيشي)  الذي حصره بالآيات المدنية، فمن الآيات المكّية ما ورد في سورتي غافر ويوسف أيضاً فإن معنى الحاكمية أجلّ وأسمى من الإسقاطات الدنيوية للخطاب المذكور.

2. تأسيساً على ذلك عند إبن تيمية وإبن حزم والأزارقة وتلاميذهم من قلم الاستخبارات البريطانية في شركة الهند الشرقية استكملت فكرة الحاكمية بحديث وآية، فأما الحديث فهو حديث الفرقة الناجية وأما الآية فهي آية السيف:

أولاً، حديث الفرقة الناجية، وجاء فيه " أَلا إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ، اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ". وحسب الخوارج وخاصة الأزارقه  وحسب القاعدة (النصرة وداعش وغيرهما) فهم هذه الجماعة أو الطائفة الناجية المنصورة وتشبه هذه الفرقة في تأويلاتها الفكرة التوراتية: شعب الله المختار وتأويلاتها الخاصة بكليم الله وخليل الله .. الخ.

ثانياً، آية السيف ...ومن المفارقات هنا أن صاحب واحد من أجمل كتب الحب والجنس في المأثور الإسلامي وهو ابن حزم في (طوق الحمامة) هو الذي انشغل بهذه الآية واعتقد أنها نسخت عشرات الآيات.

 تقول الآية وهي من سورة التوبة:

"فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ،" وبالمحصّلة شكّلت هذه المقاربات المناخات الملائمة لملاحقة وتكفير  وعقاب عشرات المعارضين السياسيين وغير السياسيين لهذا الحاكم أو هذه الفرقة أو تلك.

فمقابل صفحات طويلة ومُشرقة في التاريخ الإسلامي وخاصة في عصر المأمون وبالإضافة إلى سجالات الكلاميين وأهل الرأي وفلاسفة كبار مثل إبن رشد وإبن سينا والفارابي والرازي وغيرهم، يكشف العراقي هادي العلوي بل والسيوطي أيضاً (في تاريخ الخلفاء) وهو مؤرّخ سنّي مُتشدّد عن غياب التسامُح ومُلاحقة الناس بسبب أفكارهم أو مواقفهم السياسية المعارِضة وعقابهم  على هذا المروق والزندقة على نحو ما تفعل الجماعات التكفيرية الحالية: قطع الرقاب، الحرق، تقطيع الأوصال والأطراف، جدع الأنوف، صلم الأذان، سلخ الجلود، التمثيل بالجثث ...الخ.

أما أشهر الضحايا فهم : (غيلان الدمشقي، الجعد بن درهم، إبن المقفّع ، إبن مقله (مهندس الخط العربي)، بشّار بن بُرد، صالح عبد القدوس، السهروردي)، بل إن الخليفة المنصور اعتقل الإمامين ابو حنيفة ومالك بن أنس.

وذلك غير  تأويل مفهوم المهابذة (القتل الجماعي) كما في عصر يزيد الذي استهدف الحسين بن علي وأهله في كربلاء، كما استهدف أهل المدينة في معركة الحرة تحت شعار (يوم بيوم) ويقصد انتقامه كأموي من أهل المدينة في معركة بدر. 


مُقاربات راهنة

يساعدنا (مهدي عامل) في كتاباته عن نمط الإنتاج الكولونيالي وعن الحرب الأهلية في لبنان، وكذلك غوندر فرانك في كتابه (تطوّر التخلّف) على تلمّس أسباب الظاهرة التكفيرية وصعودها) في العقود الأخيرة من قرن يوصف بأنه (أعلى مراحل  الامبريالية) وما بعد الثورة الصناعية.

فحسب عامل، فإن  الجذور الاجتماعية الفكرية لهذه الظاهرة كامنة في نمط الإنتاج الكولونيالي الذي ينتج الطائفية وليس الدين  كتعبير أديولوجي لتركيبته وأزمته (كقوى هابطة) .

وبهذا المعنى نحن إزاء حال او ظاهرة اقتصادية اجتماعية تتجّه نحو التحلّل وما يؤدّي  إليه من (دور  أيديولوجي) على شكل  همجيّات دنيا وليس بلامعنى أن تتكشّف الوقائع  في كل مرة إن الهمجيات العليا  في المتروبولات هي التي تقف وراء  الجماعات التكفيرية التي تشبهها في الشكل (الإجرامي) وتغذّي لديها الاسترجاعات الأيديولوجية ضدّ كل  ما هو وضدّ أيديولوجيا  الغرب نفسه (العقد  الاجتماعي للثورة البرجوازية).

بل أن  فيلسوف الرأسمالية المفتوحة كارل بوبر وتلميذه النشِط ( جورج سوروس) يقدّمان لهذه الجماعات خدمة جليلة عندما  يُعلنان عن عجز العقل عن إدراك اليقين وهما  يعرفان أنه مجرّد دليل قياس، فما هو  عملي  الإدراك  النسبي وحسب.

عَجز العقل إذن يساوي الاسترجاعات المذكورة ومعها فلسفتها عن الحاكمية ومندوبي العناية الإلهية وآية السيف في نهاية الأمر.

 


محاولات في مواجهة التكفير

منذ العصور الأولى للتاريخ البشري والإنسان يلتمس خيارات أخرى لمصيره، فمقابل ثقافة  الأب، الإله الوثني القتيل وما تطلقه من آليات للإخصاء والندم والعقاب رداً على الخطيئة  الموصوفة (القتل والأكل وشجرة المعرفة وسرقة النار)، تبلورت ثقافة  أخرى هي ثقافة الإبن الشهيد القرباني.

وقد ظهرت هذه الثقافة عبر  أشكال وتجليّات مختلفة من الأساطير الأولى إلى يسوع، إلى الحسين في  كربلاء ، فالإبن لم يعد قاتلاً ملاحقاً بدم الأب، وما يستدعيه ذلك من إحساس بالخطيئة فالندم والعقاب.

لقد أصبح  هو القُربان الذي يفتدي المؤمنين ويتطلّب طقوساً مختلفة في طبيعتها ووظيفتها والأهم أن الخطيئة  التي تساوي  التكفير في حال الأب  - الإله الوثني القتيل واسترجاعها في تأويلات الحاكمية انتهت في قول يسوع  (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، أي مريم المجدلية).

أيضاً  مقابل الشريعة وتأويلات النصوص المقدّسة التي لاتقبل النقاش وتدفع  أي رأس مشاكس إلى حدّ السيف ، شهدنا  محاولات أخرى لتجاوز ثلاثية الخطيئة (التكفير)، العِقاب والندَم، منها فلسفة التصوّف القائمة على وحدة الوجود وتجاوز  الوسيط  السياسي والأيديولوجي لصالح  فكرة المرشد  أو المعلّم الذي لا يكفّر تلاميذه أو مُريديه بل يدمجهم في معراجه الإشراقي.

وكذلك محاولات ( أخوان الصفا) وإبن سينا وإبن طفيل (حي بن يقظان) التي دمجت الرسالة بالتصوّف وطقوسه بالحدوس التي  جرى امتحانها بدرجات مختلفة. ففكرة الخطيئة والعِقاب تغيب لصالح عالم آخر من المحبة والتسامُح وجهاد النفس .


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً