سراج عاصي

أكاديمي فلسطيني

حرب الناقلات في الخليج ... مرة أخرى

في حين تتاولى الاتهامات الأميركية لإيران بالهجوم على ناقلتيّ نفط في خليج عُمان، لعلّنا نعود بالذاكِرة 35 عاماً إلى الوراء، وصولاً إلى حرب الناقلات بين إيران والعراق، والتي احتدمت في السنة الرابعة من الحرب العراقية الإيرانية، حين تبادل البلدان هجمات عسكرية على موانئهما النفطية في الخليج، ما أسفر عن ضرب وإغراق نحو 250 ناقلة نفط عملاقة.

حرب الناقلات في الخليج ... مرة أخرى
حرب الناقلات في الخليج ... مرة أخرى

كانت شرارة البداية في 27 شباط/ فبراير 1984، حيث قامت الطائرات العراقية بشنّ غاراتٍ جويةٍ على سبع سفن إيرانية قرب جزيرة خرج الإيرانية، في شمال الخليج العربي، والتي كان يُصدَّر منها أكثر من مليوني برميل نفط يومياً. في أيار من العام نفسه، ردَّت طهران بمهاجمة ناقلات نفط خليجية مُحمَّلة بالنفط العراقي، وتشمل ناقلة نفط سعودية، وناقلة نفط كويتية قرب البحرين. كان الطموح الأميركي في البداية تحويل النزاع في الخليج إلى حرب استنزاف طويلة تُديرها واشنطن عن بُعد، فرغم تحوّل حرب الناقلات إلى نزاع إقليمي شامل بين إيران والدول العربية (باستثناء الجزائر وليبيا وسوريا)، بقيت الولايات المتحدة على هامش الحرب، وحتى حين بدأت إيران في استهداف ناقلات النفط الكويتية، تردَّدت واشنطن في التدخّل، رغم تقدّم الكويت مراراّ بطلب بحماية أميركية.

لكنّ معادلة الحرب تغيّرت سريعاً بحلول عام 1987، حين بدأت حرب الناقلات بزعزعة سوق النفط العالمية، وتدخّلت إدارة دونالد ريغان أخيراً من خلال وضع السفن الكويتية تحت حماية العَلَم الأميركي، ما أتاح للبحرية الأميركية توفير الحماية العسكرية للخليج. كان ذلك بداية ما يُسمَّى "عملية إيرنست ويل"، التي تحوّلت إلى أوسع عملية بحرية أميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وتضمّنت سلاح البحرية، سلاح الجو مدعوماً بطائراتٍ من طراز أواكس، قوات العمليات الخاصة الأميركية، وثلاثين سفينة لمرافقة الناقلات في الخليج عبر مضيق هرمز. وسُرعان ما قاد التدخّل الأميركي لحماية الناقلات الخليجية إلى مواجهةٍ عسكريةٍ مباشرة مع إيران. أو بتعبير الكاتب الأميركي، لي ألن زاتاريان، في كتابه "حرب الناقلات: أول حرب أميركية ضدّ إيران 1987-1988": "أدّى ذلك التدخّل إلى ساحةِ صراعٍ مفتوحة". احتدمت تلك المواجهة في سبتمر 1987، حين رصدت الطائرات الأميركية سفينة "إيران أجر" وهي تزرع الألغام في مياه الخليج، ففتحت مُحاربات الهليكوبتر النار واستولت على السفينة بعد أن قتلت أربعة بحارة إيرانيين. حدث ذلك كله خلال زيارة الخميني لمقر الأمم المتحدة في نيويورك في العام نفسه، وذلك في أول محاولة رسمية إيرانية لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ اندلاع الثورة الإيرانية وأزمة رهائن إيران في مبنى السفارة الأميركية في طهران. غير أنّ حادثة "إيران أجر" قضت على أيّ أفق انفراج دبلوماسي بين البلدين. وهكذا قادت حرب الناقلات في الخليج إلى حربٍ إقليميةٍ شاملة ما زال يتردَّد صداها حتى اليوم.

هذا السيناريو يمثُل اليوم أمام الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون: افتعال حرب ناقلات جديدة كذريعةٍ للعودة إلى دقّ إسفين الحرب بين إيران والخليج العربي عبر بوابة مضيق هرمز. (يبدو أنّ الأمر ليس مجرّد افتعال، بل فبركة، أو على الأقل هذا ما كشف عنه مقال رأي لإليوت هيغنز في صحيفة نيويورك تايمز الجمعة الماضي، والذي ربطَ بين حادثة خليج عُمان وحادثة خليج تونكين عام 1964، والتي تبيّن لاحقاً أنها لم تكن سوى راية مُزيّفة لتضليل الرأي العام الأميركي والعالمي بهدف تبرير التدخّل العسكري الأميركي في فيتنام الشمالية).

ولنتساءل: ألا يتعلّم الشرق أوسطيون من التاريخ؟ ماذا تغيّر من عهد رونالد ريغان إلى دونالد ترامب سوى أسماء بعض اللاعبين؟ وهل بات مصير شعوب المنطقة أشبه بسيناريو تراجيدي مُتكرِّر تتلاعب فيه بمصيرهم قوى خارجية آمِنة وراء المحيطات؟ هل نحتاج إلى حربِ خليجٍ جديدة كي نُدرِك أن التاريخ قد يُعيد نفسه من بوابة العم سام؟

بروس ريدل، مدير مشروع الاستخبارات في مركز بروكينز، والذي عمل مستشاراً أول لشؤون جنوب آسيا والشرق الأوسط لآخر أربعة رؤساء في طاقم موظفي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، كتب مؤخّراً: "إنّ التاريخ بالطبع لا يُعيد نفسه، لكنه يمثّل قافية. فينبغي النظر بعناية في دروس الحروب القديمة قبل الدخول في حروبٍ جديدة". يترتّب على ذلك أنّ "إنهاء أية حرب مستقبلية سيشكّل تحديا ًكبيراً، إذ أن التاريخ يُشير إلى أن إيران لا تتراجع بسهولة". يمتلك الأميركيون على ما يبدو ذاكِرة قصيرة. أو بتعبير ريدل: "نسيَ الكثير من الأميركيين دروس حربنا غير المعلنة في الثمانينات. لقد خضنا الكثير من الحروب الأخرى منذ ذلك الحين: في العراق (مرتين) وفي أفغانستان وليبيا. وفي حين أنه قد يكون من السهل على واشنطن أن تنسى، غير أنه لا يوجد إيراني قد نسي".

أما بالنسبة للعرب والإيرانيين، فيكفي أن نتذكَّر أنّ حرب الخليج الأولى كانت الأطول في القرن العشرين. ثماني سنوات من الدمار خلَّفت أكثر من مليون قتيل ومليون جريح، إضافة إلى تدمير اقتصاد البلدين، حيث جاوزت التكلفة الاقتصادية للحرب تريليون دولار. لم تترك الحرب لشعوب المنطقة ما تجنيه سوى أنها حوَّلت الشرق الأوسط إلى مختبرٍ طبيعي لتجريب السلاح الأميركي ما وراء المحيطات، باعتبارها الحرب الوحيدة في العصر الحديث التي استُخدِمت فيها الأسلحة الكيميائية على نطاقٍ واسعٍ. كما ساهمت الحرب في تحويل إيران إلى دولةٍ أكثر تشدّداً وتطرّفاً. فحتى اليوم، يصف الإيرانيون حرب الخليج الأولى بـالحرب المفروضة، وذلك لاعتقادهم بأنّ الولايات المتحدة زجّت بهم في النزاع في حين تدخّلت لصالح العراق. في المقابل، يتذكَّر العراقيون كيف أوقعت الولايات المتحدة بصدّام حسين في حربٍ قال هنري كيسنجر عنها: "في كل الحروب هناك خاسِر ورابِح، لكن في هذه الحرب لا بدّ من أن يكون خاسِران". يبدو أنّ كيسنجر قال نصف الحقيقة وسكت عن نصفها الآخر، فلو قدِّر له أن يشهد حرباً جديدة في الخليج لأضاف: "في هذه الحرب رابحان لا ثالث لهما: الولايات المتحدة وإسرائيل".

ربما لا نحتاج إلى خيالٍ كبيرٍ كي نرى شبح الحرب الأولى يحوم مجدََّداً في سماء الخليج. أو نتخيَّل غبطة واشنطن وإسرائيل حين تراقبان عن بُعد العرب وإيران يفني بعضها الآخر مرة أخرى، أو تلك الضحكة الشامِتة على شفتيّ كيسنجر وهو يتابع دراما الحرب من فيلّته المطلّة على نهر الهدسون في مدينة نيويورك. ولنا أن نتخيَّل عواقِب حرب خليج جديدة في زمن مقاتلات الإف-35 وسباق التسلّح النووي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً