القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي

الولايات المتحدة ألقت خلال الحرب العالمية الثانية 180 ألف طن من القنابل على اليابان، لكنها خلال نحو 6 أشهر ألقت 539 ألف طن على دولة كمبوديا الصغيرة وحدها.

  • القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي
    القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي

أولاً: تفاصيل الكتاب وسياقه

هذا الكتاب أعده إدوارد سعيد أستاذ الأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، بعنوان: "القضية الفلسطينية والمجتمع الأميركي"، وهو صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 1980. 

يتناول هذا الكتاب الإطار العام السياسي في الولايات المتحدة الأميركية بصدد القضية الفلسطينية، وينطلق من النظرية القائلة إن المجتمع الأميركي، شأنه شأن أي مجتمع صناعي رأسمالي، ينقسم إلى مجتمعين: سياسي ومدني.

ويتألف المجتمع السياسي من الحكومة والجيش والأمن والبيروقراطية، ويمثل قوة إمبريالية تتبع سياسة معادية للقضايا العربية عامة، وللقضية الفلسطينية على وجه الخصوص. 

ويؤكد المؤلف أن المجتمع المدني يؤدي دوراً بارزاً في توجيه السياسة الأميركية وقوة الصهيونية كأيديولوجيا وفكر. وقد بدأ هذا المجتمع يشهد تحولاً غير عادي فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني ونصرة حقوقه. 

ثانياً: قيمة هذه المراجعة

ينطلق المؤلف من مفهوم أساسي، هو أننا إذا شئنا أن نفهم ما تعنيه واشنطن والسياسة الأميركية بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، فإن علينا تناولها بمصطلحات أدق من تلك التي اعتادها السياسيون العرب أو المؤسسات العربية - العربية المعنية بالسياسة الخارجية، مثل "اللوبي الصهيوني" أو "اللوبي العربي" أو "المصالح الأميركية". ويجادل المؤلف في هذا الكتاب فيما يتعلق بإطار رؤية "المجتمع" الأميركي تجاه القضية الفلسطينية بقسميه المجتمعي والمؤسساتي.

 وبالتالي، فإن هذا الكتاب يعد مرجعاً قوياً للباحثين والدارسين للدراسات الفلسطينية وللمكتبة العربية، ويحمل بين سطوره الرؤية الأميركية لهذه القضية العربية وهذا الصراع. 

ثالثاً: المفاهيم والمصطلحات الرئيسية

اللوبي الصهيوني: تشير كلمة لوبي في هذا السياق إلى لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية (أيباك)، وهي من أهم جماعات الضغط، ومهمته، كما يدل اسمه، الضغط على المشرعـين الأميركيين لتأييد "الدولة" الصهــيونية. يتم ذلك بعـدة سبل، من بينها جمع الطاقات المختلفة للجمعيات اليهودية والصهيونية، وتوجيه حركتها في اتجاه سياسات وأهداف محددة عادةً ما تخدم "إسرائيل". 

كما أن اللوبي يحاول أيضاً أن يحوِّل قوة الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصاً القادرين على تمويل الحملات الانتخابية)، وأعضاء الجماعات اليهودية على وجه العموم (أصحاب ما يُسمَّى "الصوت اليهودي")، إلى أداة ضغط على صناع القرار في الولايات المتحدة، فيلوح بالمساعدات والأصوات التي يمكن أن يحصل المرشح عليها إذا ساند الدولة الصهيونية، والتي سيفقدها لا محالة ما لم يفعل.

الإمبريالية: هي سياسة تتّبعها دول مُعيّنة، وتعني توسيع السُّلطة والسيطرة عن طريق استخدام القوة التي غالباً ما تكون قوّة عسكرية، والتي تتم من خلال الاستيلاء على الأراضي وفرض السيطرة السياسية والاقتصادية عليها. وتعدّ الإمبريالية سياسة غير أخلاقية، وغالباً ما يتم استخدام هذا المصطلح لإدانة السياسة الخارجية للدول المُعادية. 

الإمبريالية هي سياسة الدول القوية على الضعيفة. انتشرت على نحو واسع بعد الثورة الصناعية، وخصوصاً بين الدول الأوروبية، من أجل السّيطرة على المواد الخام وأسواق المُنتجات الصناعية.

الراديكالية: بالرجوع إلى دلالات الراديكالية، نجد أن كلمة راديكالي اشتقت من الأصل اللاتيني (Radix) ، وتعني الجذر، ومقابل كلمة راديكالية في العربية هو الجذرية. 

وقد وُظفت الصفة "راديكالي"، والاسم "راديكالية" في الحقل السياسي لوصف أفعال الأفراد والجماعات، وتحديداً ممارسات الأحزاب السياسية التي تقر بالحاجة إلى التغيير الجذري للأوضاع أو التغيير الشامل والكلي الذي يطال عمق المجتمع.

رابعاً: العناصر الرئيسية للكتاب

المجتمع والمصالح الأميركية

يشير المؤلف إلى أن هناك حقيقة لا جدال فيها، هي أن واشنطن والمصالح الأميركية تمس حياة العرب وتقتحمها بصورة مباشرة، ويؤكد أن هذا التقدير لأهمية أميركا كثيراً ما يتخذ شكل رد فعل مبالغ فيه ينبع من افتقاد التحليل والدراسة الجاديين لما آل إليه حال المجتمع الأميركي، ولاتجاه مساره، وللدور الذي يستطيع أو لا يستطيع أن يقوم به في مجال السياسة الخارجية.

يلفت المؤلف إلى أن علينا ألا نطرح مسألة فلسطين ضمن إطار ما يقوم به اللوبي العربي أو الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، بل ضمن الإطار الأهم، وهو المجتمع الأميركي ذاته، وأن اللوبي الصهيوني هو ظاهرة ثانوية، وينطبق ذلك أيضاً على اللوبي العربي في أقل تقدير، وأن نجاحهما أو إخفاقهما رهن بمدى تعاملهما مع ما يوفره المجتمع الأميركي لهما. 

يؤكد المؤلف أن من المهم للغاية فهم المجتمع الأميركي المدني والسياسي. وبالتالي، فإن قوة الأمة لا تنبع من الحكومة المركزية أو من حكومات الولايات المتحدة بصفتها حكومات من نوع ما، إنما تنبع من مؤسساتها المدنية. 

هذا الأمر ينطبق على الدول الصناعية الغربية عامة، بمعنى عدم سيطرة جهاز الحكومة المركزية عليها، إذ إنها ليست مجتمعات عسكرية أو قمعية، إنما هي مجتمعات يزيد فيها جانب كبير من النشاط خارج السيطرة المباشرة للدولة أو للمجتمع السياسي.

مثلاً، الثقافة الأميركية لا تديرها الحكومة، وكذلك الحال بالنسبة إلى معظم الجامعات، وما يعطي المجتمع الأميركي اليوم هويته الذاتية المتميزة ليس جيشه أو رئيسه، إنما نسيج المصالح السياسية.

على الرغم من ذلك، يوضح الكاتب أن المجتمعين السياسي والمدني متداخلان إلى درجة كبيرة، ولكن من دون طغيان أي منهما عن الآخر، وأن أميركا شأنها شأن جميع الدول، ولكن هذا لا يشكل بأي حال من الأحوال الجانب الرئيسي من الحياة الأميركية، والتأثير المتنامي، بل الحاسم، الذي يهيئه المجتمع المدني - هو مجتمع يحكم بالتوافق العقلاني البرغماتي- يقوم بدور أكثر أهمية من الدور الذي يقوم به الحكم على السيطرة.

السياسة الخارجية الأميركية والعالم الخارجي

يشير الكاتب إلى أن الدولة الأميركية والمجتمع السياسي الممثل بالدولة فيما يخص العالم الخارجي دولة إمبريالية لا يتماثل سجلها في العنف والدمار سجل أي دولة اخرى في التاريخ البشري.

ليس هناك دولة في التاريخ، حتى بين الدول الدكتاتورية الفاشية، يضم سجلها الخارجي ما يضمه سجل الولايات المتحدة من عدد القنابل التي ألقيت على مدنيين أبرياء، ومن البلاد التي دمرت، ومن الأنظمة الاستبدادية اليمينية التي أُقيمت ودُعمت، ومن الدول التي "أُخلَ باستقرارها"، كما عبر هنري كينسنجر وزير الخارجية الأميركي السابق. 

قدَّم المؤلف مثالاً واقعياً على هذا التدخل الأميركي غير المحسوب في أوساط السبعينيات، بأن الولايات المتحدة ألقت خلال الحرب العالمية الثانية 180 ألف طن من القنابل على اليابان، لكنها خلال نحو 6 أشهر ألقت 539 ألف طن على دولة كمبوديا الصغيرة وحدها. كل ذلك كما يقول المؤلف لتنقذها من الشيوعية. وكذلك، ألقت على فيتنام 4 ملايين طن من القنابل خلال 9 أعوام. 

يتطرق الكاتب إلى أسباب هذا التدخل، وهما الرئاسة الأميركية ومجلس الأمن القومي المسؤولان عن اختراع ما سمّاه نيكسون "نظرية الرجل المجنون الحربية" عام 1970، وهي نظرية عدم الاستخفاف بتهديدات الحرب المجنونة التي تطلقها الولايات المتحدة الأميركية.

طبقت هذه النظرية في تصريحات نيكسون وكيسنجر بقصف يمسح كمبوديا لاووس وفيتنام، وهو أمر لم تكن له ضرورة عسكرية، ولم يكن الهدف من تهديدهما تدمير تلك الدول فحسب، بل تحذير العالم أيضاً من أن الولايات المتحدة بقوتها المخيفة قادرة على إبادة خصومها بصورة لا عقلانية، أي من دون مسوغ عسكري كافٍ. 

السياسة الأميركية في الشرق الأوسط 

يشدد الكاتب على الإلحاح في فهم حقيقة السياسة الأميركية، بل رؤيتها، في ظل ارتباكها وعدم اتخاذها القرارات وتأرجحها بين اتخاذ قرار والتراجع عنه.

يلفت الكاتب إلى أن تغيرات قيام حوار علني فيما يخص القضية الفلسطينية هي تغيرات سطحية، والأهم منها في المدى البعيد هو طبيعة الولايات المتحدة الحقيقية كقوة كبرى، والاتجاه الذي ستسمح لها مصالحها باتخاذه، والقيود المحلية والعامة المفروضة على سياستها الخارجية، وما يحكي لنا تاريخنا ومؤسساتها عن علاقتها حاضراً ومستقبلاً بالعالم الثالث عامة، وبـ"إسرائيل" والفلسطينيين خاصة.

يدعو المؤلف إلى التركيز على المجتمع الأميركي الأوسع الذي تنظر منه أميركا إلى قضية فلسطين، والذي سوف تستمر في النظر إليها من خلاله على وجه الترجيح، وذلك وفقاً لتاريخها وطبيعة مجتمعها وضغوط ثقافتها على السياسة الخارجية. وبالتالي يمكن القول إن الولايات المتحدة ليست ثابتة، بل متغيرة كلياً. 

ويستنتج الكاتب أننا نستطيع فهم سياسة الولايات المتحدة الرسمية في الشرق الأوسط بصورة أفضل. وليس من المبالغة القول إن ذهاب واشنطن إلى إنشاء تحالفات عسكرية وإقامتها بما يتعارض والتيارات الشعبية أو القومية أو كلاهما معاً، يشكل القواعد الأساسية في هذه السياسة. 

اللامسؤولية الأميركية

يرى الكاتب أن هناك تناقضاً أميركياً في التصريحات، في قولين لجيمي كارتر؛ الأول خلال الجزء الأخير من حملته الانتخابية 1967، ومفاده أن "إسرائيل" لا تتحمل أي مسؤولية تجاه فلسطين، والآخر خلال العام الأول له في الإدارة عام 1977، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة ليست مسؤولة عما فعلته لفيتنام الشمالية. 

إنَّ هذين التصريحين يمثلان عملية محو للتاريخ، وهي ممارسة أصبحت شائعة للغاية في السياسة الأميركية؛ فإذا كانت الولايات المتحدة لا تتحمل أي مسؤولية تجاه حرب الإبادة في الهند الصينية، فإن مشاق الحياة المخيفة في كمبوديا في ظل نظام بول بوت ستبدو، كما حدث فعلاً، نتائج لا مسوغ لها للعقلية. 

ويلفت المؤلف إلى استنتاج هو أن سماع المناقشات عن القضية الفلسطينية يعني تصور الفلسطينيين ببساطة شعباً ظهر إلى الوجود في عهد حديث، وليس له تاريخ من الاقتلاع والتشرد اللجوء والاضهاد المستمر من قبل "إسرائيل" والصهيونية. 

التاريخ ووسائل الإعلام

يشير الكاتب إلى أن الاعتداء على التاريخ ليس مؤامرة صهيونية فحسب، بل مؤامرة تساهم فيها الصهيونية بهروبها الأزلي من الحقيقة والتاريخ معاً. هكذا، بقدر ما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فإن حقهم في تقرير مصيرهم الوطني يبدو الآن كأنه ليس نتيجة كفاحهم، إنما ضمن إطار التبني الأميركي لمحاولة إيجاد حل لهم، باعتبارهم مصدر إزعاج أو باعتبارهم إرهابيين. 

يوضح الكاتب أن المزيد من الحياة الثقافية الأميركية تسيطر عليه وسائل الإعلام، ويزداد الاتجاه لدى الشركات العملاقة مثل CBS وIBM، إلى شراء المزيد من ناشري الكتب والمجلات. وقد أصبحت الأخبار تتعرض لتشوية وسائل الاعلام بسبب عامل الفورية والاجتزاء.

وبناء عليه، ينبه إلى أن الأميركي يفقد إدراكه للمسارات التاريخية التي تؤدي إلى الحقيقة التاريخية والإنسانية. وبالتالي، تحولت وسائل الإعلام التي كانت على درجة عظيمة من القوة والالتزام إلى وسائل على درجة كبيرة من التحريف حول ما يخص القضية الفلسطينية أو الصراعات التي تخدم مصالح الولايات المتحدة الأميركية في العالم.

استنتاجات

يختم الكاتب رؤيته حول القضية الفلسطينية بأن الفلسطينيين يعرفون عقلانياً أن الاحتمالات ضدهم، فهناك أعمال ملموسة قامت بها الصهيونية و"إسرائيل" بحق العرب، وهي تشكل جريمة تاريخية. ولكن ثقتهم في عدالة قضيتهم وصدقها ترسم صورة أكثر إشراقاً.