جودت فخر الدين.. الشاعر الرائي

في أحدث دواوينه "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة"، يقف اللبناني جودت فخر الدين وقفة الشاعر الرائي. كيف تفاعل فخر الدين مع وباء "كورونا"؟ وإلى أي عوالم أدخلنا؟

  • جودت فخر الدين
    "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة" (المؤسّسة العربية للدراسات والنشر)

دخلت أنسام نيسان لهذا العام سهواً
لم تجد في جلستي بهواً قد اعتادت عليه
وجدت نافذتي ضيّقةً
بل وجدتها غيّرت وجهتها
صارت ترى الداخل
تخشى أن ترى الخارج.. 

هكذا يبدأ جودت فخر الدين (1953) مجموعته الشعرية الجديدة "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة" (المؤسّسة العربية للدراسات والنشر)، بــ "جلسة في بهو نيسان الجديد"، الذي "جاء غريباً حائراً في ما يقول"، لأننا "في عام الوباء"، وباء "كورونا" الذي غزا كل شيء، العناق فعلٌ سريٌّ هذا العام  و"العالم منبوذ طريد".

هنا يحضرُ الفنّان/الشاعر بدوره المتجاوز للقوالب ليتحدّى طقوس الوباء، يعانقُ أنسام نيسان، فتقذفه "خارج الوقت" ليوسّع مدى الغرفة التي ظنَّ الوباء أنه حبسَه فيها. يطلُّ من نافذة ضيّقة، لعلّها نافذة التكنولوجيا أو الكشف، على حريّة واسعة وعالم داخليّ، لم يعد فيه بحاجة إلى الخارج، والخارجُ هنا بحاجةٍ إليه، فهو الشاعر والمؤنسُ والكاشفُ والرائي. 

من هنا تنطلق الرحلة، أو ما هو أبعد منها، فيدخل القارىء عالم الشاعر الشفّاف، بلغته العالية الكاشفة، ونظرته المتجاوزة، ولا تنتهي الرحلة/المجموعة، إلا وقد امتلأنا بالفيض. 

وكأنَّ هذا العالم الداخليّ، محاط بغلاف جوي من النوستالجيا والذاكرة البعيدة، حيثُ ينتقلُ الشاعر في نصّه التالي "أنا وأبي" ولعلّها من أعذب قصائد المجموعة، ليتحدّث عن علاقتهِ بأبيه، واضعاً أساساتِ المشهديّة منذ البداية، بعمليّة حسابيّة شعريّة:

أبي كان يكبرني بثلاثٍ وعشرين
على موتهِ مضت الآن عشرُ سنين
إذاً، بقيت لي ثلاثٌ... وعشرٌ...
نصيرُ -أبي وأنا- توأمين.. 

ويلتفت القارئُ هنا إلى تقديم "أبي" على "أنا" سواء في العنوان أو في النص، وإن بدا هذا من قبيل إظهار الفضل وإنكار الذات أمام الأبِ الوالد، فإنّي أراه من قبيل الحنين، فنص القصيدة المليء بالنكزات العاطفيّة الساخنة، يشير إلى أن شاعرها إنّما ذكر أباه، أو تسلسل مراحل علاقته بأبيه، فأخذه ما يأخذ الشاعر من الفيض، فرأى وروى، وكان يقرّب كلمة "أبي" إليه ويبعد أناه، كأنّه يحنّ إلى عناق تنصهر فيه الخطوط الواضحة، ويصبح الأب أقرب من الذات، أو هو الذات بلا التجربة، الذات الأصليّة التي هذّبتها الحياة وغيّرت مسارها من دون أن تغيّر جوهرها، فكانت الذات الجديدة/ذات الإبن، تختصم مع صورتها الأولى/ذات الأب، لاختلاف المسارات، ثمّ تعود عارفة باتفاق الرؤى، هكذا مراراً، ومع الزمن تلتبس الحدود، فتصبح ذات الإبن ملاذاً لذات الأب في عكس للأدوار التقليديّة: 

كنتُ أعودُ إليك إذا ما اعتقدتَ
بأنّيَ صرتُ بعيداً
أعودُ وأمضي
أعودُ وأمضي
إلى أن أخذت تراني... ولو من بعيدٍ،
فإذ بك تأتي إليَّ
ومن بعدُ ألفيتَ فيَّ ملاذاً
وأصبحتَ تأنسُ بي كل حين
غير ملتفتٍ لحساب السنين

  • جودت فخر الدين
    جودت فخر الدين

وفي القصيدةِ المعنونة "نظر بعيد" يعود صاحب "حديقة الستّين"¹ ليشير إلى الوباء من غير أن يسمّيه، خلال تعبيره عن ثقته بحدسه الشعريّ أو "النظر البعيد" كما سمّاه: 

لا شيء يمنعني
وإن سُدّت جهات الأرض،
وانطفأت مصابيح السماء
وهام نور الصبح في الفلوات مذهولاً شريد
....
...
وإن أقفلتُ أبوابي
وإن بالغتُ في حذري
وإن قلّصتُ أوهامي إلى أدنى الحدود

في هذه العزلةِ المرتضاة، يرى الشاعر حريّته "وجهاً لوجه" ويصبح ملكاً له سلطة على الأشياء، ملك واثق لم يتخلَّ عن شك الشاعر: 

لاذت الأشياء بي
أشياء مملكتي التي أنشأتها في عزلتي
فبثثتُ فيها سلطتي
وتركتها تدنو إليّ وترتضي حكمي
و'تحسَبُ' أنّهُ حكمٌ سديد

هنا بعد ثلاث قصائد تُدخلنا مباشرة في عالم جودت فخر الدين الداخليّ، نلتقي على شاطئ بعيد بمراكب للنجاة، أحسب أنّ الجنوبيّ إبن بلدة السلطانيّة، استخدمها للنجاة من بحر القلق الواسع، بإيقاع تفعيليّ هادئ يراوح بين المتقارب والمتدارك²، تسير هذه القوارب الصغيرة، كل على صفحة واحدة، بين عناوين منها "إقلاع" و"رقص" و"خجل" و"حظ" و"ربيع" و"عصافير"، تأمّلات مقتضبة، دافئة، لذيذة، تلعب حيناً على المفارقات وحيناً على النهايات غير المتوقّعة، فيقول تحت عنوان "أنا وأنت": 

هل تودّين لو كنتُ أجمل؟
لو كنتُ أطول؟
لو كنتُ أكمل؟
ماذا تودين أيضاً؟
انا لا أود سواك، كما أنتِ
لستُ سواكِ
ألا تجدين إذاً أنّني
صرتُ أجمل أطول أكمل
أكثر مما تودّين؟ 

فيما يقول في "ربيع": 

طيور الشتاء مضت
وطيور الربيع التي لم تجئ بعدُ
سوف تجيءُ لتملأ كل السماء
أبالغ: بعض السماء
أبالغ: بعض نقاط هنالك في بقعةٍ
خلّفتها السماء التي أدبرت
لن أبالغ ليت ربيعاً يجيءُ بطيرٍ وحيد

أمّا النص المعنون "خوف" فيتّخذ طابعاً أشبه بالطقس، كأنّها صلاة من نوع خاص، يكون الطوطم المقدّس فيها هو الخوف، لا الخوف من شيء أو من حدث، بل الخوف المجرّد، الخوف الخلاّق، كمفهوم وجوديّ مفتوح دائماً على الشعر: 

وحدهُ الخوف: معنىً لكلِّ شروقٍ
وسرٌّ لكلِّ غياب
يصنعُ الحبَّ والحرب
يصنعُ بينهما كلَّ فكرٍ
وكلَّ ابتكارٍ وكلَّ جنون
هو نسغُ الحضارات، ماءُ الأساطير
وهو الذي يتلألأُ في الكائنات
ويجعلها ثرّةً... كالعيون..

ولا ينسى صاحب "منارة للغريق"³ أن يعرّج على قضايا مجتمعه بمقطوعة جميلة بعنوان "ثورة" منها: 

ثورةٌ في المدينة
غسلت وجهها
مثلما السيل يغسل وجه الثرى
وغدت ألقاً في الوجوه الحزينة. 

ثمَّ أتبعها مباشرة بقصائد هي بالترتيب، يأس، فساد، هدر، عبّر فيها عن هواجس كبرى تقف في طريق الحريّة. 

وتحت عنوان "أكثر من عزلة" حافظ صاحب "سماوات"⁴ على الإيقاع البطيء المراوح بين المتقارب والمتدارك، والعناوين الفرعية، ليتحدّث في مقطوعات قصيرة ومكثّفة، بشكلٍ مباشر وبلغة وجوديّة مترفة، عن وباء "كورونا" وآثاره على العالم، ومن بداية هذه المقطوعات ندرك أنَّ وباء العالم الحقيقيّ حسب الشاعر هو البشر، ففي المقطوعة الأولى تحت عنوان "وباء" يعالج فخر الدين فكرة انتقال الفيروس عبر التقاء الناس: 

حيثما يلتقِ الناسُ ينتشرِ الداء
أمّا إذا أحسن المرء عزلتهُ فوق هذي البسيطة
فالداء سوف يهيمُ على وجههِ
في الفراغ الذي يتراءى بعيداً. 

أمّا في "شارع في الوباء" فنراه يعبّرُ عن النقاوة والاتساع الذي اكتسبه الشارع من غياب الناس: 

ذهب العابرون إلى الحجر
غابت وجوهٌ لهم في حنايا البيوت
فعادَ لهُ وجههُ.. 

وبشكل واضح في "محنة الأرض" يحمل مسؤولية اضطراب الأرض للبشر: 

كيف لا تتشوّهُ أرضُ البشر؟
والبشر
يجحدون طبيعتها كلَّ يوم
يميلون وهي تودُّ التوازن
ذات اليمين وذات اليسار. 

ويواصل تأمّلاته الوجوديّة متنقّلاً من عنوان إلى آخر، ليختم مجموعته بقصيدة تحت عنوان "دروبٌ ووساوس" يهديها إلى إبنه "محمّد" وكأنّهُ بدأ المجموعة إبناً وأنهاها أباً، هنا التباعد على مستوى المكان حاضر، والشوق أبدى، ودروب الحياة هي المتغيّر، فرصة التلاقي التي تخفّفُ من وطأة التباعد المكاني، يقول: 

باعدتنا الأماكن
أما الدروب فتمضي بنا أو تؤوب
إذا خطَّ واحدنا خطةً
أو تبدّت له جهةٌ
أو تسامت به لحظةٌ
هل ترى كم تتوق إلينا الدروب؟
إذاً فالأماكن
أنّى لها أن تباعد ما بيننا؟ 

  • جودت فخر الدين
    جودت فخر الدين

هذه الدروب التي يمشي عليها كلٌّ من الأب والإبن، تصبح للأب فرصة للعودة إلى الوراء زمنيّاً، فيبصر نفسه في إبنه ويحاول من خلاله ابتكار بداية أفضل وطريق أصوب ورؤية أجمل، كأنّها رغبة في تجاوز أخطاء الماضي، وكأنّه حديث مفعم بالرؤى، عن تجدّد الحياة الدائم: 

أراني أعود عقوداً إلى حيثُ كنتُ
فإذ بي أراك
فأعرفُني
ثمَّ أعرفُ كم أنني قد تغيّرتُ
أعرفُ كم أنّني قد تجدّدتُ
أمضي إليك وتمضي إليّ
فهل نتقدّمُ كي نلتقي
أولسنا معاً دائماً؟ 

في "أكثر من عزلة، أبعد من رحلة" يقف جودت فخر الدين وقفة الشاعر الرائي، المتأمّل، الهادئ، الحسّاس، في لحظة تاريخيّة حرجة، في عام الوباء وأمام التغيّرات السريعة في شكل العالم وقيمه، يدافع عن الشعر والفن والجمال والسعة، يزرع زهوراً وأشجاراً ويمجّد الحياة، ليخرج لنا كعادته هذه التحفة الفنّيّة الجديدة. 

¹ حديقة الستين، مجموعة شعرية لجودت فخر الدين، دار رياض الريس،2016. 

² المتقارب والمتدارك، بحران عروضيّان متشابكان إيقاعيّاً، وضع الأول الخليل بن أحمد الفراهيدي، فيما تدارك الثاني تلميذه الأخفش. 

³ منارةٌ للغريق، مجموعة شعرية لنفس الشاعر، دار النهار، طبعة أولى 1996، طبعة ثانية 1998. 

⁴سماوات، مجموعة شعرية لنفس الشاعر، رياض الريس للكتب والنشر، 2002.