حالة الاستثناء في زمن الجائحة.. حقوق الإنسان بين الواقع والمآل

ي نقاش يطال الجائحة أيّاً يكون نوعه: فلسفياً، فكرياً، سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً، اقتصادياً، ليس بمقدوره أنْ يَتَمَوْقَعَ بعيداً عن فلسفة ومبادئ حقوق الإنسان، بلْ لا يُمْكِنُه إلا أن يجد نفسَه في صُلبِها.

  • كتاب
    كتاب "حالة الاستثناء في زمن الجائحة.. حقوق الإنسان بين الواقع والمآل: مقاربة سوسيولوجية".

صدر أخيراً كتاب "حالة الاستثناء في زمن الجائحة.. حقوق الإنسان بين الواقع والمآل: مقاربة سوسيولوجية" للباحث السيسيولوجي والناشط الحقوقي في مؤسسة الحق زياد حميدان، عن مؤسسة الحق في فلسطين – رام الله. 

تقول الدراسة إنه مُنذ اللحظات الأولى لتصنيف منظمة الصحة العالمية وباءَ كورونا (COVID-19) جائحة تجتاح الكوكب بأسره، هيمنت على العالم "بنية جائحة الخوف" بعناصرها التي تربط بينها -على نحو ما -علاقات جدلية. وجد الفرد نفسَه مُحاصَراً وعارياً وسط أضلاع تلك البنية المتخيلة والمادية المكوَّنة من: "الخوف -المرض -الجوع -الموت". 

في ظل تلك البنية، عمِلت دولٌ كثيرة بْذريعةِ محاربةِ الوباء على تعليق الكثير من القوانين، وتقييد جزء كبير من الحقوق والحريات. على نحو ما، خضعت أغلبية دول الكوكب لوضعية فريدة اتسمت بهيمنة "السلطة المطلقة " لمؤسسة الدولة. 

لقد أدى تزايد انتشار الوباء بين ساكنة دول العالم إلى كشفه عن حقائق لم تكن متوقَّعَة من طرف الدول والمجتمعات، وعلى رأسها الدول ذات النّظُم الرأسمالية النيوليبرالية، حيث بلورت تلك الدول سياسات جديدة لمواجهة أزماتها الداخلية الاقتصادية والصحية والاجتماعية. إذ أعلنت بعض الدول المتقدمة -على رأسها الولايات المتحدة الأميركية -عن تحوُّلٍ في سياسة إدارتها للأزمة وفي التزاماتها المتعلقة برعاية صحة مواطنيها وحقوقهم الإنسانية، بسبب كلفة مواجهة الوباء وانعكاساتها الاقتصادية على مصالح الشركات الكبرى.

بث الوباء -بفعل كثير من الفاعلين العِلْمِيِّين والإعلاميين بالخصوص -حالةً من الذعر في العالم بأسره، حولت الأفراد والجماعات والمجتمعات "العقلانية" إلى حشود مصابة بداء الخوف، حيث تخلت تلك الحشود المذعورة بسهولة عن الكثير من قيمها الاخلاقية والإنسانية المعلنة. كما كشفت الجائحة عن وجود خلل بنيوي في مؤسسات الدولة ومكوّنات بنية المجتمعات النيوليبرالية -التي يُفترَض أنها الأكثر قوة واستقراراً على الكوكب. 

لقد ألقى وباءُ كورونا الضوءَ الكافي لاستجلاء حجم وعمق الأزمات البنيوية للنظام النيوليبرالي الذي يهيمن على العالم. وهي أزمات ظلت متخفِّية أو مضمرةً، أو تُدار في الكواليس قبل زمن الوباء، الأمر الذي جعل الكثيرَ من المفكرين يتبنَّون مقولة: "إنّ العالم سيكون عالماً مختلفاً ما بعد الوباء". بل إن كثيرين ذهبوا إلى حد القول إننا نقف أمام "ما بعدية كبرى" جديدة، ستنضَمّ لسلسلة "الما بعديات": ما بعد الحداثة، وما بعد الصناعة، وما بعد الاستعمار، وما بعد الفلسفة والعلم، وما بعد الدولة والديموقراطية، وأن هذه "الما بعدية" ستفرض نظاماً جديداً بِبُناه الفوقية والتحتية -المادية والأيديولوجية-على مستوى العالم.

تطرق الكثير من المتخصصين في حقول معرفية متعددة ومتنوعة لموضوع فيروس "كوفيد-19"، غير أن أي نقاش يطال الجائحة أيّاً يكون نوعه: فلسفياً، فكرياً، سياسياً، ثقافياً، اجتماعياً، اقتصادياً، ليس بمقدوره أنْ يَتَمَوْقَعَ بعيداً عن فلسفة ومبادئ حقوق الإنسان، بلْ لا يُمْكِنُه إلا أن يجد نفسَه في صُلبِها. إذ تعدُّ تلك الحقوق الأرضيةَ الخَلْفِيَة والمدخل الأساسي لأيِّ نقاش دقيق ومعمق، يتناول ما كشفته الجائحة من إشكاليات من حيث ارتباطها بنظام عالمي -تحديداً الغربي الأوروبي-يقدم نفسه المدافع عن حقوق الإنسان، والذي طالما رفع شعارات الحقوق الإنسانية ووضع مقاربات جديدة لحقوق الإنسان ومستقبلها وصيانتها.

إنّ حقوق الإنسان من حيث هي حقوق نتمتّع بها جميعنا، لأنّ هذه الحقوق عالميّة متأصلة في جميع البشر، وهي غير قابلة للتصرف فلا تمنحنا أو تسلبنا إيّاها أي دولة أو أي جهة، وهي غير تمييزية ومتساوية بين البشر مهما كانت جنسيتهم، أو نوعهم الاجتماعي، أو أصلهم الوطني أو العرقي أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر. كما أنها متآزرة وغير قابلة للتجزئة، فهي حقوق متنوّعة مترابطة، تتراوح بين الحق الأكثر جوهرية، وهو الحقّ في الحياة، إلى الحقوق التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، مثل الحق في الغذاء والتعليم والعمل والصحة والحرية.

لقد كشفت الجائحة أن حقوق الإنسان هي المتضرر الأكبر، بعد أن تنكرت لها نُظم دول كثيرة برغم ما يترتب عليها من التزامات تجاه تلك الحقوق -المنصوص عليها في الاتفاقيات التسعة الأساسية لحقوق الإنسان -وذلك بالاحترام والحماية والوفاء.

الدراسة فيها جهد طيب وكبير ولغتها رصينة وأكاديمية وقانونية ومتقنة على الرغم من ثقل المصطلحات العلمية التي في بعض الأحيان ترهق القارئ. عنوانها وأبوابها ومنهجيتها وأهميتها كبيرة وتحتوى على كم هائل من المعلومات المهمة وقيمتها المعرفية كبيرة وتقدم للعلم والباحثين ما هو مفيد وقيم وتعد مرجعاً مهماً يربط الوباء في السياسات العامة، كما كشفت الخلل في أداء الدول والعلاقات الدولية بما فيها بشأن حقوق الإنسان ما قبل وأثناء وبعد الوباء. 

لقد برزت هوية الباحث في البحث من خلال التعليق واقتصار الاقتباسات وقت الحاجة الضرورية واستطاع توظيف قدرته البحثية في جميع مباحث الدراسة، وهناك أمانة في دقة الاقتباس. 

وتوائم الدراسة مع الأهداف الفكرية التي تتبناها مؤسسة الحق، وأسلوبها متماسك وواضح ومقتضب في النص، وشملت على حداثة المصادر والمراجع المعتمدة. والمستوى العلمي للمصادر والمراجع المعتمدة ممتاز، وفيها مستوى ممتاز من الموضوعية في التناول والأحكام والاستنتاجات. 

على الرغم من أن الدراسة رصينة وممتازة إلا أنه يمكن تسجيل بعض الملاحظات الشكلية والمهمة ومنها: 

      1.       يجب توحيد طريقة التوثيق أنظر ص 47 وغيرها وعدم ارهاق الهوامش بتعريف الشخوص، إما في أسفل كل صفحة عبر خاصية تنسيق الحواشي السفلية، أو طريقة جمعية علم النفس الأمريكية (APA). 

      2.       لغة الدراسة ثقيلة كان بإمكان الباحث في بعض الأحيان تبسيطها للقارئ لتكون الدراسة في متناول يد القارئ وليس فقط للقانونيين والأكاديميين المميزين. 

      3.       يجب صياغة مشكلة الدراسة بطريقة مختلفة لتكون أكثر دقة، واختصارها وربطها مع عنوان الدراسة، مثلما ربطها بالأهداف والأهمية والمنهجية وعناصر وموضوعات الدراسة.

      4.       أن يعمل الباحث أكثر على ربط المباحث مع بعضها البعض، وفي بعض الأحيان كان يجب على الباحث التوثيق وسوق الأمثلة، انظر ص35 الفقرة الأخيرة مرهقة في الأسئلة من دون وجود أمثلة وبلا توثيق، وص36 على سبيل المثال المتدينين اليهود وغيرهم، ص45 الفقرة الأخيرة، ص53 الفقرة الثانية، وفي ص 60-61 المحتوى بعيد عن العنوان الموجود في أعلى الصفحة. 

      5.       يجب ترتيب قائمة المراجع والمصادر بحسب الطريقة العلمية المتبعة: الكتب لوحدها، والمجلات ومواقع الإنترنت وغيرها ص85-89. 

*د. عقل صلاح كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.