حركة "طالبان".. نشأتها وعودتها كما يراها أحمد رشيد

يرى رشيد أن التحالف المناوئ لطالبان غير قادر على احتلال وحكم منطقة الباشتون الشمالية. وقد فشل في وضع حد أدنى لبنى دولة أو قيادة تمثيلية يمكن لها حتى أن تمتص كل من هم من غير الباشتون.

  • كتاب طالبان لأحمد رشيد أهم مرجع لفهم أفغاستان ودول الجوار
    كتاب طالبان لأحمد رشيد أهم مرجع لفهم أفغاستان ودول الجوار

لا نبالغ إذا قلنا إن الصحافي الباكستاني أحمد رشيد الذي اشتهر بكتابه "طالبان: الإسلام المتشدد والبترول والأصولية في آسيا الوسطى"، لا يعتبر خبيراً في شؤون باكستان وأفغانستان وأميركا وحسب؛ بل هو خبير في شؤون الدول المجاورة وشؤون آسيا الوسطى.

فعلاقة أحمد رشيد مع أفغانستان تعود  إلى أكثر من 40 عاماً، حيث يقول: كنت لسنوات عدة الصحافي الوحيد الذي يغطي أفغانستان بشكل جدي. فهو من الصحافيين الدوليين القلائل الذين أجروا مقابلات صحافية مع قادة "طالبان".

ولهذا فإن كتابه "طالبان: الإسلام المتشدد والبترول والأصولية في آسيا الوسطى" الذي نقله دار الرائي في دمشق إلى العربية، كان أول كتاب يكشف وجه حركة طالبان المبهم وتنظيم القاعدة.

تأثر بهذا الكتاب الكثير من القيادات العالمية، وفي مقدمتهم رئيس وزراء بريطانيا السابق طوني بلير الذي تأثرت خططه لأفغانستان بالكتاب. وقد قرأه مساعدوه الشخصيون.  

يعدد رشيد في كتابه كل المفاصل المهمة في القضية الأفغانية التي تابعها وكان حاضراً فيها. ويعتبر أن الحظ  لعب دوراً في علاقته مع أفغانستان. ويقول: قُيّض لي مرات عديدة أن أكون في المكان المناسب.

يعتبر رشيد بأن أفغانستان كالأفغان أنفسهم، فهي بلد التناقضات، التي تصيب أي مراسل بالإرهاق. 

ويروي بأن قصته مع أفغانستان بدأت منذ عام 1978، ويتذكر: "شاهدت دبابات الجيش وهي تشق طريقها إلى قصر الرئيس محمد داوود في كابول عام 1978، بانقلاب يفجّر أفغانستان. وبعد عام، كنت أحتسي الشاي في سوق قندهار، عندما دخلت طلائع الدبابات السوفياتية". 

ويذكر أن نجيب الله - الذي أصبح فيما بعد رئيساً لأفغانستان – قام عندما تسلم جهاز الأمن السري الشيوعي الأفغاني المؤسس على شاكلة جهاز "الكي جي بي" بالتحقيق شخصياً معه عام 1981 واعتقاله، وبعدما أصبح نجيب الله رئيساً لأفغانستان قام رشيد بإجراء عدة مقابلات معه.

وقد حكم زعيم الحزب الإسلامي قلب الدين حكمتيار عليه بالموت بتهمة تعاطفه مع الشيوعيين. ونشر إسمه في صحيفة حزبه لمدة عام بأنه مطلوب للعدالة، وفيما بعد تمت مطاردته من مجموعة من الأفغان في كابول وحاولوا قتله عند وصوله بعد لحظات من إطلاق حكمتيار لصاروخ قتل طفلين في مجمع سكني. وقد ظن السكان أنه عميل لحكمتيار جاء ليتحقق من حجم الضرر.

في عام 1988 قضى رشيد عدة اشهر في جنيف في تغطية المفاوضات الصعبة التي رعتها الأمم المتحدة، والتي انتهت باتفاق جنيف وانسحاب الجنود السوفيات من أفغانستان. ويعاود رشيد تأكيده بأنه كان محظوظاً بشكل كافٍ، وهو محجوز من 200 صحافي، في الإطلاع على المعلومات السرية للعديد من الدبلوماسيين من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي وباكستان وإيران وأفغانستان.

يكرر رشيد أنه حاول عدة مرات أن يؤلف كتاباً عن تجربته الطويلة في أفغانستان، إلا أن الأفغان انساقوا مباشرة من جنيف إلى حرب أهلية دموية لا معنى لها ما زالت مستمرة  حتى اليوم. وبدلاً من ذلك توجه إلى اَسيا الوسطى وليصبح شاهداً على أنهيار الإتحاد السوفياتي.

ويؤكد: "قصة الأفغان الطويلة أخذتني حينئذ إلى موسكو وواشنطن وروما وباريس ولندن وعشق اَباد وطشقند ودوشنبه". ويضيف: "ظهور طالبان كالشهاب والإفتقار لأي مادة مكتوبة عنهم أقنعني بأن علي ان أقص قصتهم".

يوضح رشيد: لم يكن لتنظيم القاعدة أن تمضي لسنوات في التخطيط والتنظيم اللذين أديا إلى هجمات لولا وجود ملجأ اَمن حيت كان كل شيء متوفراً من التدريب إلى التمويل إلى الإتصالات إلى الإلهام. لقد سمحت السنوات الطوال من التجاهل الأميركي والغربي لطالبان في أن تحول أفغانستان إلى مجرد ذلك الملجأ للمجموعات المتطرفة من عشرات الدول".

ويستطرد: استضافت طالبان أيضاً مجموعات إسلامية متطرفة من باكستان والصين وبورما وإيران وآسيا الوسطى وعدد من دول الشرق الأقصى، والتي قاتلت جميعها إلى جانب طالبان بينما كانوا ينفذون بهدوء جداول أعمالهم السياسية في أوطانهم.

علاقة باكستان بحركة طالبان

يوضح رشيد أنه كان لديه إيمان راسخ منذ اوائل عام 1982، بأن سياسة إسلام اَباد الأفغانية سوف تلعب دوراً حرجاً في مستقبل الأمن الوطني لباكستان وللسياسات المحلية، وسوف تخلق أصولية رجعية في الوطن. واليوم بينما تتأرجح باكستان فوق هاوية اجتماعية واقتصادية وسياسية، وثقافة المخدرات والأسلحة والفساد والعنف تتغلغل في البلاد، فإن ما يحدث في أفغانستان أصبح يشكل أهمية أكبر لباكستان.

ولهذا استجوبته مخابرات الرئيس الباكستاني السابق ضياء الحق عام 1985 لعدة ساعات. ومُنع من الكتابة لمدة 6 اشهر ووضعت تحركاته تحت المراقبة.

تعتبر باكستان الحاضن الأساسي لطالبان ولولا هذه الحاضنة ما كان لهذه الحركة أن تحقق انتصاراتها المتتالية على مجموع الاحزاب الأفغانية التي كانت تتصارع فيما بينها على السلطة.

يسرد المؤلف علاقة باكستان بطالبان فيقول: باكستان حينذاك، كانت المزود الرئيسي للأسلحة والوقود لطالبان في وضع خطر. واَلت على نفسها تطبيق عقوبات الأمم المتحدة. على الرغم من تاكيد التقرير السنوي الصادر وزارة الخارجية الأميركية في 30 نيسان/ إبريل 2001 حول الإرهاب العالمي بان باكستان كانت مستمرة بدعم طالبان بالوقود، والتمويل، والمساعدة الفنية والمستشارين العسكريين.

ويقول: في نفس الوقت، قامت هيئة مراقبة حقوق الإنسان المتواجدة في نيويورك بإصدار  تقرير لاذع يقول بأن باكستان كانت تخرق العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة باستمرارها تأمين المعونات العسكرية والرجال إلى طالبان. ومع تزايد الشكوك الدولية بأن باكستان كانت مستمرة بتأميم السلاح لطالبان، عاد مجلس الأمن وأصدر قراره رقم 1363 في تموز/ يوليو 2001 الذي ينص على إنشاء فريق من المراقبين يوضع على الحدود الأفغانية للتأكد من أن حظر الأسلحة المقرر من الأمم المتحدة كان ينفذ.

ويضيف: أجابت طالبان والأحزاب الإسلامية الباكستانية التي تدعمها، بالقول انهم سوف يقتلون أي مراقب من الأمم المتحدة يتواجد على الحدود الباكستانية - الأفغانية. 

كانت كل المؤشرات قبل 11 ايلول/ سبتمبر 2001 تشير إلى ان أفغانستان قد أصبحت تشكل تهديداً للإستقرار الدولي والإقليمي. لم ينتبه العالم إلى اهمية أفغانستان إلا في ذلك الصباح المشمس في نيويورك عندما شاهد الناس بذعر طائرتين تصطدمان بالبرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي.

يؤكد رشيد أنه لاول مرة في تاريخ أفغانستان يصبح الإسلام - كعامل توحيدي - سلاحاً مهلكاً في يد المتطرفين وورقة للتقسيم والتشرذم ولسفك الدماء بشكل شنيع.

ويذكر أن تصاعد غضب طالبان تصاعد ضد الغرب في مطلع عام 2001 بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1333 الذي يفرض عقوبات على طالبان ا وشمل حظراً شاملاً على الاسلحة وحجزاً لممتلكات طالبان والرحلات الدولية على الخطوط الجوية الوطنية. وقد ذكر قرار مجلس الامن هذا ان طالبان المسيطرة على أفغانستان كانت المركز العالمي للإرهاب الدولي وطالب بتسليم زعيم القاعدة أسامة بن لادن. وردت طالبان على القرار يومها بردة فعل غاضبة، بأنها لن تطرد بن لادن أبداً.

ويوضح رشيد أن الذي زاد أغضب طالبان يومها أكثر، أنه لم يكن هناك أي حظر للأسلحة على الجبهة الموحدة (تحالف الشمال) التي استمرت في استلام الأسلحة من روسيا وإيران والهند وجمهوريات اَسيا الوسطى.

حركت انتصارات طالبان في شمالي أفغانستان في صيف 1998 وسيطرتهم على تسعين بالمائة من البلاد، صراعاً إقليمياً أكثر ضراوة حيث هددت إيران، واُتهمت باكستان بدعم طالبان. والأمر نفسه يتكرر اليوم مع عودة طالبان وسيطرتها على حوالي 80 بالمائة، مما شكل هواجس مخيفة للدول الجوار من أن تشكل أفغانستان من جديد مأوى لكل المسلحين الذين يهددون هذه الدول وعلى رأسهم القاعدة وداعش.

لوّنت القومية الباشتونية حركة طالبان، المتحدرة من مجموعة الباشتون العرقية التي تشكل الأغلبية ويبلغ تعدادها حوالي 40 بالمائة من سكان افغانستان الذي يبلغ عددهم حوالي 40 مليون. حكم الباشتون أفغانستان 300 سنة. لكنهم فقدوا الحكم لاحقاً. 

انعشت انتصارات طالبان عامي (1995-1996) الاَمال ثانية بعودة الباشتون للسيطرة على أفغانستان. بعدما كانت السيطرة لصالح المجموعات العرقية الأصغر وعلى رأسها الطاجيك الذين يشكلون 25 في المائة، والهزارة والأوزبك الذين يشكلون نسبة 10 في المائة لكل منهما.

ويرى رشيد أن التحالف المناوئ لطالبان غير قادر على احتلال وحكم منطقة الباشتون الشمالية. وقد فشل في وضع حد أدنى لبنى دولة أو قيادة تمثيلية يمكن لها حتى أن تمتص كل من هم من غير الباشتون. لقد أضعفتهم خلافاتهم الداخلية وصراعاتهم على سلطة القيادة في عيون العديد من الأفغان الذين يشعرون بالبغض تجاه طالبان، ولكن ليست لديهم اي ثقة في التحالف المناوئ لطالبان أيضاً.

وضعت طالبان قبل سقوطها عام 2001، بشكل غير مقصود برنامجاً جديداً للردايكالية الإسلامية في المنطقة كلها، مرسلة بموجات صادمة عبر جيران افغانستان. مما لا يدعو للدهشة أن تقوم إيران وتركيا والهند وروسيا وأربع جمهوريات من جمهوريات اَسيا الوسطى الخمس هي: أوزبكستان، كازاخستان، قرغيزيا وطاجيكستان، بدعم تحالف الشمال المناوئ لطالبان، بالسلاح والمال لمحاولة وقف تقدم طالبان. في حين دعمت السعودية وباكستان طالبان. وقد خلق هذا استقطاباً حاداً غير مسبوق بعد حقبة الحرب الباردة.