"داغستان بلدي" .. رائعة الشاعر رسول حمزاتوف

ربما بعد عشرات السنوات أو مئات السنوات سيتحدث الكُتاب عن كتاب "داغستان بلدي" الذي يقف في الدرجة التي تجلس عليها دواوين الشعراء: سعدي وحافظ الشيرازي والفردوسي ومحمد إقبال وغيرهم.

  • الشاعر رسول حمزتوف
    كتاب الشاعر رسول حمزتوف

يروي الشاعر  الداغستاني رسول حمزتوف أن قصة كتابه "داغستان بلدي" ولدت بعد أن كتب له أحد محرري المجلات رسالة يطالبه فيها أن يكتب عن داغستان، عن حاضرها المشرق، وعن ماضيها العتيق، عن جبالها وبحرها  ومزارعها و جبالها، بوصفه كاتب وشاعر يحترمه الداغستانيون كثيراً.

ومشكلة المحرر حسبما يحكي رسول أنه أنهى طلبه بشرط ألا تتعدى هذه المادة 9 او 10 صفحات وأن تُكتب خلال 20 أو 25 يوماً. 

ويبدو أن هذا الطلب أغضب رسول وأثار قريحته فبدأ في كتابة هذا الكتاب وانتهى بملحمة تزيد عن خمسمائة صفحة أخذت منه سنوات لكتابتها.

ويعلق حمزاتوف على الرسالة قائلاً: فيما مضى كان أهل الفتاة لا يسألونها رضاها حين كانوا يزوّجونها، كانوا يضعونها بكل بساطة أمام الأمر الواقع. هكذا فعل صاحبنا محرر المجلة قرر كل شيء نيابة عني، ولكن هل قررت أنا أن أتحدث عن داغستان في تسع صفحات وفي فترة عشرين يوماً؟

ويبيّن حمزاتوف أن المجلة كانت ترغب القيام بدعاية للإنجازات الشيوعية في داغستان، لكنه يسخر من أساليب الشيوعيين هذه ومن كون ما يطلبه منه هذا المحرر، من دون طموحه لكتابة ما يود كتابته عن بلده، لأن بلده عنده هو قضيته المقدسة وليس أي قضية أخرى.

يقول رسول عن كتابه "داغستان بلدي": سيقول بعض المحررين والنقاد: هذا الذي كتبت ليس برواية ولا قصة ولا أقصوصة، بل نحن لا نعرف ما يمكن أن يكون. ويقول لي محررون ونقاد آخرون إن ما كتب هو هذا أو ذاك أو أشياء أخرى.

ويرد رسول على هؤلاء بطريقته المعهودة بقوله: أما أنا فلا أصر على إعطاء هوية لما أكتب. عمّدوا بالاسم الذي تختارونه ما سوف يخطه قلمي. لست أكتب لكي أوافق واحداً من القوانين الكنسية التي وضعتموها. بل كتبت ما كتبت لألبي نداء قلبي. والقلب لا يعرف قانوناً، أو الصحيح أن للقلب قوانينه التي لا تناسب الناس جميعاً.

يعتبر الشاعر رسول حمزاتوف من أشهر الشعراء في العالم، وقد حصل على كثير من الجوائز والألقاب، منها جائزة الدولة السوڤياتية وجائزة لينين وجائزة لوتس الأفرو آسيوية وجائزة نهرو، وعلى لقب "شاعر الشعب الداغستاني" و"فنان داغستان القيّم" و"شاعر الاتحاد السوڤياتي الوطني" و"بطل العمل الاشتراكي".

بقي رئيساً لاتحاد كتاب داغستان. وقد كرّمته روسيا عام 2013 بإقامة نصب تذكاري له في "بوليفار ياؤزسكي"، بمناسبة الذكرى التسعين لمولده.

وقد شارك حينها في الحفل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال: "إن الحظ حالفني اليوم في التعرف على هذا الشاعر الكبير واُتيحت لي الفرصة لأنهل من هذا النبع الطاهر لأفكاره وقيمه الأخلاقية". كما تلا بوتين مقاطع من إحدى قصائد حمزاتوف التي تعتبر بمثابة وصية إلى جميع شعوب روسيا.

انتسب حمزاتوف إلى "معهد غوركي للآداب" في عام 1945 فاطلع على أعمال الأدباء الروس وأقام صداقات مع عدد من الأدباء مثل تفاردوفسكي وصموئيل مارشاك، وبعد التخرج تفرغ كلياً للعمل الإبداعي.

صحيح أن رسول حمزاتوف روسي الجنسية، إلا أنه ولد في داغستان التي يقول عنها إن اللغة العربية فيها كانت تقريباً لغة شعبية. وحتى بعض الوثائق الحكومية المحلية كانت تُكتب بـ"العربية"، خصوصاً في العاصمة "قلعة محج"، فضلاً عن عقود الزواج والولادات والبيع والشراء والوفيات كذلك. وحتى شواهد القبور كانت لا تكتب إلا باللغة العربية الفصحى. يضيف: كانت لدينا مكتبات كبرى معظم خزينها من الكتب كان باللغة العربية. وبعد ثورة تشرين الأول / أكتوبر 1917، تغير كل شيء في داغستان، وتراجعت اللغة العربية، على المستويين الرسمي والشعبي، وحتى على مستوى النخب من جيلي الأدبي والثقافي الداغستاني.

تربى حمزاتوف في بيت والده الشاعر حمزة تساداسا الذي يقول عنه: كان والدي يكتب الشعر بـالعربية وقد قرأ بالعربية دواوين شعراء عرب فحول، منهم، مثالاً لا حصراً، المتنبي وأبو تمام والبحتري والفرزدق وحسان بن ثابت وأبو العتاهية وعنترة بن شداد والأخطل وعمر بن أبي ربيعة... إلخ. وكان أبي يدفع بي لتعلم اللغة العربية، بدافع ديني، وسمّاني "رسول"، في الأصل، على اسم الرسول الكريم. كما كان يتمنى عليّ ختم القرآن الكريم، وكنت لا أمانع في تنفيذ رغبته، لكن الظروف عاكستني في ما بعد، ولم تتح لي تعلم اللغة العربية.

ويوضح الكاتب أن والده لم يكن يعرف اللغة الروسية، وفضّل تعلم "العربية" عليها، لأنها لغة الإسلام والقرآن الكريم.. وهكذا فعل كثيرون غيره من أبناء جيله من الداغستانيين المتشبثين بالإسلام والتراث الإسلامي. ويضيف: حتى أدبنا الروسي العريق، قرأه والدي بتراجم عربية. لقد قرأ معظم سرديات تولستوي وتشيخوف ودستويفسكي وغوغول وشولوخوف باللغة العربية.

كان حمزاتوف عضواً في مجلس السوڤيات الأعلى، وكان لانهيار الاتحاد السوڤياتي أثر بالغ فيه كشاعر وسياسي في آن معاً، وقد صرّح بأنه كان ضد كثير من ممارسات الحزب الشيوعي السوڤياتي، كما وقف ضد عدد من قرارات اللجنة المركزية وطالب بإلغاء الرقابة على الأدب والفكر. وقد اعتبر أن هبوب النزعات القومية من أخطر نتائج سقوط التجربة السوڤياتية، لكنه في الوقت نفسه يريد الحرية لبلده داغستان الذي لا يستطيع العيش تحت أي سيطرة.

سُئل الشاعر رسول عن أستاذه في الشعر، فأجاب: "الحياة بألحانها هي الأستاذ. أما أساتذتي المحددون وقد ترجمتهم إلى الآفارية فهم ألكسندر بوشكين، ميخائيل ليرمنتوف، وألكسندر بلوك، فلاديمير ماياكوفسكي، سيرغي يسينين، ونيقولاي تيخونوف…". وقد ترجم  أعمالاً لدانتي وغيره إلى الآفارية. 

لمع اسم حمزاتوف مع صدور أول ديوان له عام 1943. وترجمت قصائده ودواوينه وكتبه التي تربو على الأربعين كتاباً إلى أغلب اللغات ومنها العربية. وصدرت مؤلفاته كاملة في 18 مجلدا ضمت 40 مؤلفاً بلغته الأم الآفارية و8 مجلدات باللغة الروسية.

عام 1998 كان عام الاحتفال بالشاعر رسول فقد خصصت له صحيفة "الثقافة" الروسية صفحة كاملة بمناسبة مرور 75 عاماً على ميلاده، وانضمت إليها صحيفة "فيك" والجريدة الأدبية الروسية. 

اشتهر رسول حمزاتوف بكتابه "داعستان بلدي" نسبة إلى داغستان التي تشكل إحدى الكيانات الفيدرالية في روسيا، والتي تقع في جنوب الجزء الأوروبي من روسيا في منطقة القوقاز على طول ساحل بحر قزوين. وتعني كلمة داغستان باللغة التركية بلد الجبال.

كان رسول حمزاتوف كثيراً ما يردد بحسرة ما قاله الإمام شامل، القائد السياسي والديني في الشيشان وداغستان، الذي لُقِّبَ بأسد القفقاس بسبب مقاومته للاحتلال الروسي، عن بلده الصغير والفقير والمهمش: "إن الشعوب الصغيرة بحاجة إلى خناجر كبيرة وهي عبارة يعنى بها عدم قدرة داغستان وبقية بلدان آسيا الوسطى الفقيرة والضعيفة على التحرر من زعامة روسيا لها. كما  كان يردد عبارة أخرى لأبي طالب الداغستاني تقول إن الشعوب الصغيرة بحاجة إلى أصدقاء كبار.

  • كتاب
    كتاب"قضائد مختارة" لرسول حمزتوف

وتنسب إليه أقوال مثل: "الشعب من دون كتاب كإنسان يسير مغمض العينين لا يرى العالم، والشعب من دون كتاب كإنسان من دون مرآة لا يستطيع رؤية وجهه".

ولد رسول حمزاتوف في عام 1923 في قرية "تسادا" الصغيرة القائمة على قمة جبل بداغستان،

بدأ رسول  الكتابة في سن مبكرة. وقد أنهى المرحلة الدراسية المتوسطة في دار المعلمين في قريته وعمل بعد التخرج معلماً في المدارس الابتدائية وممثلاً في المسرح الوطني ومحرراً في الصحافة المحلية.

عانى الشاعر حمزتوف من مرض عصبي سبّب له ارتعاشاً ظل يصاحبه حتى يوم وفاته في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2003.