بوتوسي: مدينة الفضة التي غيّرت العالم

أنتجت المدينة في أوج مجدها عام 1590 وما تلاه ما يعادل 200 ألف كيلوغرام من الفضة سنوياً ناهيك عن آلاف الأطنان الأخرى التي تسربت من السجلات الرسمية

  • بوتوسي في خريطة لأميركا الجنوبية حوالى عام 1715

كتبت مديرة معهد دراسات أميركا اللاتينية في جامعة لندن ليندا نيوسون مراجعة لكتاب الباحث كريس لاين بعنوان "بوتوسي: مدينة الفضة التي غيّرت العالم"نشرت في مجلة "historytoday" نقلها إلى العربية إبراهيم عبدالله العلو. والآتي ترجمة نص المراجعة:

لم يكن الجبل البارد الجاف الواقع في منطقة نائية في جبال الإنديز موقعاً محتملاً لمدينة كانت في نهاية القرن السادس عشر مسكناً لـ120000 شخص وأكبر من لندن بثلاثة أضعاف. توضعت المدينة على ارتفاع 4000 متر عن سطح البحر وارتكز نموها الاستثنائي على مخازين هائلة من الفضة وجدت في الهضبة الغنية (سيرو ريكو) في عام 1545. انتشرت سمعتها بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع حيث أنتجت صوراً لها في أماكن بعيدة مثل الإمبراطورية العثمانية في أواخر عام 1580 وعلى الخرائط الصينية بعد عدة عقود. 

أنتجت المدينة في أوج مجدها عام 1590 وما تلاه ما يعادل 200 ألف كيلوغرام من الفضة سنوياً ناهيك عن آلاف الأطنان الأخرى التي تسربت من السجلات الرسمية. أغرق طوفان فضة بوتوسي السوق العالمي وولد الغنى الذي أحدثته الطلب على وإنتاج الكتان والملابس الفارهة من هولندا وفرنسا، إضافة إلى الحرير والخزف من الصين والملابس القطنية من الهند. ومكنت اسبانيا من الاستمرار بالحروب الأوروبية المكلفة والتغلب على العثمانيين.

لم تعتمد شهرة بوتوسي على غناها فحسب بل أصبحت سيئة السمعة بسبب ظروف العمل المريعة التي عمل فيها عمال المناجم وكسارات الفلزات وعمال أوعية الصهر. صورت الأعمال المطبوعة للعمل في المناجم بوتوسي كبوابة للجحيم وغذّت الأسطورة السوداء التي صورت جشع وتوحش الإسبان.

لا غرو إذاً أن يركز العلماء عموماً على بوتوسي من المنظور الاقتصادي والعالمي. 

يشدد كريس لاين على كيفية تواصل السكان المحليين مع العالميين ويركز على الحياة اليومية في المناجم والمدينة. ويغطي الفترة الواقعة ما بين اكتشاف الفضة حتى عام 1825 ويستخدم القصص الشخصية المجمعة من المصادر الأصلية لإنتاج سجل ثري ونابض بالحياة يظهر كيفية تفاعل تجار النخبة والمسؤولين وملاك المناجم مع الأرقاء الأفارقة والسكان الأصليين والمهاجرين.

كما يظهر أنه على غرار جميع مدن التعدين الرائدة كانت بوتوسي مكاناً ملوّثاً وعنيفاً ولا أخلاقياً وفي الوقت ذاته مدينة ديناميكية ومترفة توفر فرصاً للتقدم الاجتماعي. وشكلت سوقاً استهلاكياً كبيراً تطلب تأمين احتياجات عمال المناجم مثل الملابس الثقيلة وجعة الذرة والكوكا (التي تمكّنهم من العمل في الهواء المتخلخل وتكبح جوعهم).

ربما لم تستهلك الهضبة الغنية (سيرو ريكو) حياة ثمانية ملايين إنسان التي يدعي الصحافي الأورغوياني إدواردو غاليانو قتلهم في كتابه "عروق مفتوحة من أميركا اللاتينية"(عام 1971). كان العمل في المناجم والمصاهر خطراً ومجموع الوفيات مرتفعاً. لم تكن تلك الكلفة البشرية الوحيدة كما يظهر لاين. كانت آثار تنقل العمالة تحت الحكم الإسباني مهمة أيضاً. أدى تجنيد 13500 رجل سنوياً منذ عام 1570 من القرى الأصلية من كوزو في البيرو إلى تاريفا في الأرجنتين الحديثة إلى اضطراب النشاطات الزراعية وفصل العائلات وإثارة الهياج في المجتمع وتسبب في هروب على نطاق واسع خشية التجنيد.

توجب على الزعماء المحليين المسؤولين عن تأمين الأعداد اللازمة استئجار البدائل عند الحاجة. ادعى أحد الزعماء أنه أضطر لبيع أحد بغاله وحيوان اللاما وحتى رهن ابنته لأحد الإسبان.

يناقش لاين أيضاً العواقب البيئية للتعدين الواضحة للغاية في المشهد الملوّث والكارثي الذي نراه اليوم والكوارث الأخرى مثل الفيضانات ونقص الغذاء والأوبئة. وبالنظر إلى خلفية الكاتب في التعدين يناقش الكتاب كيفية تعامل المهندسين من جنسيات مختلفة مع التحديات التقنية للتعدين ومعاملة المعادن في بوتوسي.

 يظهر هذا الكتاب الرائع أن تكاليف ومنافع العولمة ليست محدودة بلحظتها التاريخية.