الإمبراطوريات الإسلامية: 15 مدينة شكّلت الحضارة من مكة إلى دبي

لا شك أن حقيقة كل امبراطورية إسلامية مدفونة في آلاف التفاصيل الدقيقة. لقد بنى ماروزي سرداً رائعاً عبر نسج عقد من الحكايا من 15 مدينة رائعة لا يزال بعضها مستمراً لغاية اليوم.

  • الإمبراطوريات الإسلامية: 15 مدينة شكّلت الحضارة من مكة إلى دبي

كتب بارنابي روجرسن مراجعة لكتاب جستين ماروزي المعنون "الإمبراطوريات الإسلامية: 15 مدينة شكّلت الحضارة من مكة إلى دبي" نقلها إلى العربية إبراهيم عبدالله العلو. والآتي نص المراجعة: 

يتحدث جستين ماروزي في كتابه المنمق بعناية عن تتالي المدن العظمى ويشير إلى أن جل تلك المدن تكونت وصممت وهدمت وبنيت من جديد بناء على رغبة شخص وحيد. وفي معظم الحالات تتبقى أجزاء من أيامها البهية (مثل مسجد قرطبة العظيم أو الجامع الأموي في دمشق) شاهداً معمارياً لأيام خلت.

وفي أحيان أخرى، في معجزة مذهلة، تنجو أحياء كاملة من القرون الوسطى بشوارع سليمة في مدن مثل القاهرة وفاس ولكن تلك المعالم ليست سوى ذكريات.

لا تنجح السلالات الحاكمة، التي وجدت في كل مدينة من المدن الخمسة عشرة التي تتوالى تترى في فصول الكتاب الخمسة عشرة، غالباً بعد أكثر من ثلاثة أجيال حيث تخفت العصور الذهبية ويذوي بريقها بعد مائة عام.

نواجه في هذا الكتاب بعض الشخصيات الأكثر إذهالاً أو إزعاجاً من التاريخ الإسلامي.

من معاوية (مؤسس السلالة الأموية) إلى عبد الرحمن الثالث (الذي نصب نفسه خليفة في قرطبة) إلى محمد الثاني (فاتح القسطنطينية) وبابور (الأمير اللاجئ الذي تحول إلى فاتح للهند المغولية) وشاه عباس الأول (الذي بنى أصفهان في القرن السابع عشر) الذين تلطخت أيديهم بالدماء ولكنهم امتلكوا فضائل إبداعية في الوقت ذاته.

يظهر تصوير ماروزي التاريخي كيف يتمكن أفراد ذوي عزيمة وبأس من إنجاز تغيير استثنائي. كما أنه يتموضع ضمن أفق ثقافي متمدد ويحلل التفاصيل البالغة الدقة لوصولهم إلى الحكم.

نقابل كتاب الأسفار الألمعيين الذين يجمعون حكايا البلاط وشعراء تحت الطلب وتصاميم حدائق تسلب الألباب وطباخين للمشاهير والموسيقيين الملهمين وأحياناً المرأة القوية التي تخترق السجلات الذكورية في بعض الأحيان.

يمنحنا ماروزي أرضية أمينة لمصدر تلك القصص ويعرفنا إلى كتاب التاريخ والمؤرخين (والمعاول التي يحفرون بها) كفاعلين في السرد بدلاً من مجرد محاجر أكاديمية في سجل الملاحظات.

يمتلك ماروزي معرفة وثيقة بالأرضية. ويفوح من الفصول التي تتحدث عن كابول وطرابلس وبغداد والقاهرة شذى الذكريات الحلوة المرة المتعلقة بوجودها.

يلتحم الطالب الرحالة بالباحث المؤرخ في مواجهة الحقائق الأكثر حزماً للعمل كصحافي استقصائي قبل أن يتقمص دور الناصح للنظم المضطربة في ليبيا وأفغانستان والعراق والصومال.

تشكل تلك التجارب مجتمعة تفهم ماروزي الدقيق لحسن وإساءة استخدام السلطة وتعينه على إنجاز إحساس بالمسافة. لا نواجه عادة محاضرات في الأخلاقيات بالرغم من عرضه لتفاصيل دقيقة عن جرائم بعض المستبدين الطغاة وما يهم ماروزي في النهاية سؤال وحيد: هل نجحت تلك الإمبراطوريات أم لا؟ هل تمكنت من خلق مجتمع عامل تمكن من إطعام أفراده على المستوى المادي والفكري؟

ويكمن خلف ذلك مستوى ثانٍ من التساؤل. إذ يتعين على المدن الناجحة وبحكم الطبيعة الخاصة للتبادل الفكري والتجاري أن تكون متعددة الثقافات ومتحملة للتنوع.

وكل حاكم أو نظام لا يطيع هذا القانون الذهبي يلقي بالمدينة التي يحكمها إلى أتون الدمار والتحلل.

لا يتحدث هذا الكتاب عن الإسلام ولا يحلل المعتقد الديني أو يستكشف انتشار الإسلام عبر اللغة والتجارة ولكنه يتحدث عن الحاكمية الفعالة للشرق الأوسط ووسط آسيا.

لا يهتم ماروزي عموماً بأنظمة الحكم أو يتشدق بالقيم الغربية مثل حرية التعبير أو المحاسبة عن الميزانية أو الديموقراطية الانتخابية.

يبرز نمط حذر في اختيار المدن التي تأخذ القارئ في رحلة عبر 1400 عام من التاريخ الإسلامي.

يقدم لفصله عن سمرقند بتعريف حميم وبليغ بـ"تيمورلنك" يكاد يغطي على هذا الطاغية، والمحب بالوقت ذاته للحدائق، رغم أنه يستحق مكانه بين ستالين وماو وهتلر. تعتبر الفصول المتحدثة عن الدوحة ودبي خيارات مثيرة للجدل ينهي بها الكتاب ويعبّر عن حقائق الإسلام المعاصر ولكنها رغم ذلك مشوقة ومنعشة.

إذا قُيض لي اختيار فصل بعينه لأشاركه معكم فسأختار الفصل الذي يتحدث عن نشأة بيروت. كيف بقي هذا الميناء المتواضع بيد الصليبيين الفرنجة حتى عهد قريب. لم يطردوا بشكل كامل حتى عام 1291(بعد أكثر من مائة عام من انتصار صلاح الدين في معركة حطين). ومع ذلك قام المحررون المسلمون للمدينة، سلاطين القاهرة من المماليك، باختيار المسيحيين الموارنة المحليين حلفاءً لهم وناصروهم على المسلمين الشيعة في الجبال.

كيف حدث احتلال بيروت من قبل جيش مصري (1831-1840) والذي مهد الطريق لتوسع بيروت المذهل في القرن التاسع عشر.

كيف مكّن المرفأ المشيد حديثاً من قبل المصريين بيروت من القفز قفزات هائلة بالمقارنة مع منافسيها المحليين (صيدا وصور وعكار وطرابلس والتي كانت المدن الأكبر والأغنى آنذاك) لأن السفن البخارية الجديدة الكبيرة كانت بحاجة إلى موانئ أعمق.

كيف احتفظت المدينة بأغلبية مسلمة حتى مجازر عام 1860 (في شوارع دمشق وفي قرى جبل لبنان) عندما امتلأت شوارع بيروت بآلاف اللاجئين المسيحيين. ولماذا يمجد الميدان الرئيسي في عاصمة عربية شهداء الوطن في القرن العشرين ليعني ضمناً من استشهدوا ضد فرنسا أو بريطانيا أو "إسرائيل" ولكنه في هذه الحالة يعني باشا تركياً.

كيف يضم الدستور أربعة أشكال من الإسلام و13 طائفة مسيحية.

لا شك أن حقيقة كل امبراطورية إسلامية مدفونة في آلاف التفاصيل الدقيقة. لقد بنى ماروزي سرداً رائعاً عبر نسج عقد من الحكايا من 15 مدينة رائعة لا يزال بعضها مستمراً لغاية اليوم كجوهرة أثيرة من جواهر الحضارة بينما تفجر وتبعثر بعضها الآخر عبر أفعال الصراع الأهلي المجرم.

 

المصدر: historytoday