هكذا تحدث المرشد خامنئي عن "معرفة العدو"

يؤكد المرشد السيد خامنئي فشل العدو في عدائه للشعب الإيراني وحكومة الجمهورية الإسلامية، لكن هذه العداوة لا زالت قائمة.

  • كتاب
    كتاب "معرفة العدو" للمرشد الإيراني السيد علي الخامنئي

تشكّل كتب المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي محاولة دؤوبة لخلق وابتداع مصطلحات سياسية جديدة تدخل لأول مرة قاموس علم السياسية، على أمل أن يكون كتابه "معرفة العدو"، وهو مجموعة خطابات المرشد حول معرفة العدو التي تم جمعها بجهود السيد أمير بورفاضلي، ونشرتها "دار نشر الثورة الإسلامية"، بداية لتأسيس مدرسة سياسية إسلامية على نمط كتب "روح الشرائع" للفيلسوف الفرنسي مونتيسكو، و"مدخل إلى علم السياسة" لموريس دوفرجيه. 

صحيح أن المرشد السيد الخامنئي هو مرجع ديني وقائد سياسي، إلا أن القارئ المتأمل لكتبه وخطاباته يكتشف أن فيها الكثير من أسلوب الأدباء والمفكرين والمراجع. فلا يخلو خطاب من خطاباته  أو لقاء من لقاءاته من ذكر كتاب أو كتابين يستند عليهما فيما يهدف.

والمرشد السيد الخامنئي هو أحد مفكري الثورة الإسلامية ومؤسسي مشروعها الثقافي، على غرار الشهداء الشيخ الدكتور مرتضى مطهري والسيد الدكتور محمد بهشتي والسيد عبد الحسين دستغيب.

ولطالما كان السيد الخامنئي يحاضر جنباً إلى جنب مع الشهيد الدكتور علي شريعتي قبل أنتصار الثورة الإسلامية.

وكان في شبابه يحرص على التواصل مع مفكري وعلماء الأمة ويعشقهم، فيروي في تقديمه لكتاب "التغريب" للمفكر والأديب الإيراني جلال اَل أحمد، أنه استقصد زيارته في منزله في طهران والإستماع إلى أفكاره. ففي تلك الفترة كان صيت جلال اَل أحمد قد علا بأفكاره المبدعة وبالأخص من خلال كتابه الفذ "التغريب".  

ومن المعروف عن المرشد حرصه بشكل أسبوعي الإستفادة من خبرة الخبراء في أي شأن يهم تطوير مؤسسات الدولة على كافة الأصعدة، فيحرص أن يستمع للجميع ومناقشتهم من منطلق الاَية الكريمة "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".

وقد كان المرشد سباقاً في الإنفتاح على الفكر العالمي. وإلا لماذا يعشق المرشد السيد الخامنئي الإدب الفرنسي والأدب الروسي؟ بل إنه كثيراً ما توقف في خطاباته العامة أو جلساته الخاصة عند رواية "الحرب والسلم" للروائي الروسي تولستوي. لدرجة أنه تمنى على الأدباء والقاصين الإيرانيين في الإجتماعات معهم بأن يتطوع أحدهم لتأليف رواية عن الحرب الإيرانية – العراقية كما صور تولستوي فترة اجتياح نابليون لروسيا وما نتج من ماَس للمجتمع الروسي.

أعتقد أن القراءة المتأنية لأفكار المرشد في كل كتبه وخطاباته تشكل مقدمة مهمة لتأسيس مشروع فكري إسلامي ينفتح بكل قوته على كل المدارس الفكرية الأخرى لتحديث المشروع الإسلامي. فتجربة المرشد السيد الخامنئي الدينية والسياسية والثقافية تشكل خريطة معرفية إدراكية لرسم مشروع فكري إسلامي قيم.

ينطلق المرشد في تشريعه لأي مسألة وفي تأصيله لأي مفهوم من القراَن الكريم، فيبدأ في كتابه بتأصيل "مفهوم العدو من وجهة نظر القراَن"، من تجربة النبي إبراهيم عندما قال لهم: "أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ"، أي أف لكم ولهذا الشيء الذي تعبدون أي أف لكم ولذلك الشيء الذي تعبدونه وتركعون أمامه، حيث كان أسلوب حركة النبي إبراهيم أنه يبادر في البداية للقيام بخطوة قاسية لكي يوقظ الضمائر والعقول. ثم يستغل إلتفات القلوب إليه ويلقي بكلمة الحق في القلوب والعقول في جملة واحدة بعد صحوة الناس.

يتساءل  السيد الخامنئي في كتابه: من هو العدو؟ ويجيب:

هو من قال فيه القراَن الكريم: "وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا"، أولئك الذين أسكرتهم الشهوة والسلطة والأموال، يريدون للناس أن يعيشوا حالة الغفلة، أن يكون الجميع سكارى، لأنهم أنفسهم سكارى.    

ويكمل المرشد مرافعته عن من هو العدو: "كل من يعارض نظاماً شعبياً دينياً مستقلاً، هو عدو. الأعداء هم أصحاب المطامع، الناهبون، أصحاب المصالح، مكدسو الذهب، الجبابرة، العملاء الذين يميلون للفساد والذين يتضررون من سيادة الثقافة الدينية على المستوى الشحصي. 

ويستطرد المرشد: طبعاً يقع الأعداء الخارجيون على رأس هؤلاء، وهم قد تضرروا أكثر من الجميع. لقد تضررت أميركا  أكثر من الجميع من تشكيل الحكومة الإسلامية ولا تزال تتضرر. الصهاينة كذلك الأمر أيضاً، والشركات العالمية الضخمة، والمتفلتون على أنواعهم في مختلف الأقسام والذين يخيطون الحقائب من أجل نهب الثروات الوطنية.. كل هؤلاء اعداء.

وينبه المرشد بأن الشخص الغافل الذي يحسب من الأصدقاء ليس هو من حبهة العدو، لكن المسكين يصاب بالغفلة ويُخدع ويقع في الخطأ ويعتريه الحقد والكره جراء حادثة معينة، فيقف بوجه النظام ويقف بوجه كلام الحق، هذا ليس ذلك العدو الأساسي. هذا شخص مخدوع، وهو شخص يثير الشفقة.

ويوضح: العدو الأساسي هو من يقف خلف هذا، لكنه لا يظهر نفسه داخل البلاد، لكنه يفعل ذلك خارجها، يفعل ذلك في الجبهة العالمية والدولية، كعنصر وفي لجهاز السي اَي إي التجسسي، أو الموساد. نعم  صورته جلية وواضحة هناك، وهو يطلق التصريحات أيضاً وينطق بالحقائق. كما يكشف عن دوافعه لمحاربة الإسلام. أما اذنابه الموجودون في داخل البلاد فلا يقتربون من قبضة الحكومة لعلمهم بأنها حكومة مقتدرة.

وقد تظهر تلك الكلمات على لسان عالم دين ولكنه مغفل أو على لسان طالب جامعي او على لسان شخص عادي أو شخص ثوري لا يدرك متطلبات الزمن ولا يعرف، أو قد يكون في قلبه حقد أو عقدة.

ويبين ذلك بقوله: والكلام يخرج من لسان هذا المسكين لكنه ليس كلامه هو ، أنما هو كلام العدو، وأعداؤنا هم أولئك الذين "قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ".  

العدو الداخلي والعدو الخارجي

يحدد المرشد الخامنئي عدوين بصورة موجزة، ويقول: أمامنا عدوان كبيران. فينبغي للشعب أن يعرف العدو ومخططاته.

العدو الأول داخلي وهو أخطر من العدو الخارجي، ويسأل المرشد الخامنئي ما هو العدو الداخلي؟ العدو الداخلي هو الخصال المذمومة التي قد نتصف بها. الكسل وعدم الحيوية في العمل، والقنوط، والأنانية المفرطة وسوء الظن بالاَخرين والمستقبل وعدم الثقة بالنفس – عدم ثقة الإنسان بشعبه وبنفسه – هذه كلها أمراض. ويؤكد هنا المرشد على أنه إذا كان هؤلاء الأعداء الداخليون موجودين بيننا فسيكون وضعنا عصيباً.

ويكمل المرشد تفسيره لمعنى العدو الداخلي بقوله: بذل أعداؤنا الخارجيون مساعيهم دوماً لنشر هذه الجراثيم في المجتمع الإيراني: أنتم لا تستطيعون، أنتم غير قادرين، مستقبلكم مظلم، الاَفاق التي أماماكم دامسة، لا مفر أمامكم ولقد نزلت بكم النوازل.

ويضيف: سعوا أن يجعلوا من الشعب الإيراني شعباً قانطاً، كسولاً لا يثق في نفسه، متطلعاً إلى ما بجود به الأجانب، هذه الأمور هي أعداؤنا الداخليون. ورغم تأكيد المرشد بأن "شعبنا يتحلى اليوم بمثل هذه الثقة بالنفس، ومثل هذا الأمل"، إلا أنه يعتقد أنه "لو أستطعنا أن نمنع هذا العدو من التأثير في أنفسنا وأجسادنا وفي ثقافة شعبنا العامة، فلن يستطيع العدو الخارجي أن يصيبنا بمكروه".

أما العدو الثاني فهو خارجي وهو نظام الهيمنة الدولي وهو ما نسميه الإستكبار العالمي. الإستكبار العالمي ونظام الهيمنة يقسمان العالم إلى مهيمنين وخاضعين للهيمنة... يتجسد هذا العدو اليوم في الشبكة الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأميركية. هذا العداء ليس وليد اليوم، قد تتغير الأساليب. لكن سياسة العداء تجاه الشعب الإيراني كانت موجودة منذ بداية الثورة وإلى يومنا هذا.

ومع كل ذلك يرى السيد الخامنئي أن "ضغوطهم لم تتمكن من إضعاف الشعب الإيراني أو إجباره على التراجع، لم ينفع حصارهم الإقتصادي ولا تهديداتهم العسكرية ولا حربهم النفسية. ويعاود تاكيده: نحن الاَن أقوى بكثير من قبل 15 سنة، وقبل 20 سنة وقبل 27 سنة. وهذا الأمر يشير إلى فشل العدو في عدائه للشعب الإيراني وحكومة الجمهورية الإسلامية، لكن هذه العداوة لا زالت قائمة".